إغلاق
 

Bookmark and Share

ردًُا على هل اتخاذ الصورة معيارا شِرْك ::

الكاتب: ليلى العربية
نشرت على الموقع بتاريخ: 06/10/2004

تساءل الدكتور وائل أبو هندي في نهاية مقاله هل اتخاذ الصورة معيارا شِرْك؟: هل الرضا ممكنٌ في عالم الصورة؟ وهل اتخاذنا الصورة معيارا نطوع ونصنف صنع الله على أساسها؟ هل في ذلك شيء من شرك؟؟ وجاءتنا أولى الإجابات على شكل مقال:

إجابة على سؤال: الرضا في عالم الصورة والشرك في إتباعها:

زادك الله يا دكتور وائل فهما وعلما وفتح عليك فتوح العارفين .. آمين،
الحقيقة, أنني وعندما بدأت بقراءة المقال, لم أستطع أن أقرأ عنوانه بشكل صحيح, فكلمة "شِرك" التي في العنوان قرأتها في البداية "شَرَك" .. ثم تبين لي المراد الحقيقي منها.. وأستطيع أن أجيب حضرتك ومن خلال تجربتي بأنه: نعم, تكاد أن تتحول الصورة إلى معبود, قصتي أنا مع الصورة قديمة جدا, تعود إلى أوائل أيام وعيي على هذه الدنيا, في البداية لم أكن منتبهة إلى هذا الأمر, أي إلى أنني لا أطابق الصور, ولكن من حولي هم الذين نبّهوني, حتى أنني أذكر حتى الآن كلمة خالتي: ألا تحبين أن تكوني مثل عارضات الأزياء اللواتي نراهن في "الجرنال" ..؟؟!! يومها استغربت سؤالها جدا, وأجبت بكل صدق وعفوية: لا, ما لي ولهن, ولكن هذا الجواب أثار النقد الكبير إلى أنني لا أزال متخلفة عن ركب الحضارة !! وبدأت أعي لأمور لم أكن أنظر إليها من قبل أبدا..

هناك أمر مهم في شخصيتي, وهو أنني ومنذ طفولتي لا أعرف كيف أقيّم الناس بناء على أشكالهم وألوانهم, بل على أساس ارتياحي النفسي لهم أو عدم ارتياحي.. ثم تبين لي عندما وجدت معظم الأطفال يفعلون ذلك أنني لم أكن "هبلة " وإنما كنت على الفطرة..! ولكن هذه الفطرة تشوهت بفعل المؤثرات والضغوط الخارجية التي تؤثر في الصخر فكيف بنفسية فتاة صغيرة !!

تحليلك الرائع يا دكتور لموضوع الصورة أثلج صدري, واستفزتني أسئلتك كثيرا فلم أستطع إلا أن أكتب لك الآن مع أنني في غاية التعب والإرهاق.. ولكن هذا الموضوع موضوع مهم جدا, وأحب أن أشارك فيه بتجربتي لأنني أعتقد أنها ستنفع ضحايا مجزرة الصورة.. إن شاء الله.. وأبدأ بالإجابة عن السؤال الأول:
فهل الرضا ممكنٌ في عالم الصورة؟ وكيف يكونُ ذلك؟
نعم ممكن, أما عن كيف يكون ذلك, فأما عن تجربتي في رضائي عن صورتي فهي كالتالي:

كان من أهم نتائج محنة الاكتئاب الشديدة التي مررت بها أنها جعلتني أرضى عن صورتي.. كيف؟؟ كنت قد نجحت في إنقاص وزني إلى ما يقرب من الوزن المثالي, بعد محاولات كثيييييييييرة فاشلة, ولكنني في النهاية نجحت، ولكنني صدمت بعد هذا النجاح أن السعادة التي كنت متخيلة أنني سأحصل عليها بعد نزول الوزن, لم تكن حقيقية.. لم تكن السعادة التي حصلت عليها بنفس حجم السعادة التي كنت أتخيل أنني سأحصل عليها..

كنت احسب أنني حين أذهب إلى السوق لأشتري الملابس فإنني سأكون سعيدة جدا حين أجد أن المقاسات الموجودة في الملابس الجاهزة أصبحت تناسبني, بعد أن عشت زمنا طويلا وأنا لا أجد ما يناسبني إلا بشق الأنفس!! لكن هذا لم يحدث.. ربما هذا يعود إلى أنني أصلا وفي أعماقي ومنذ طفولتي لا تستهويني هذه الأمور التي تستهوي البنات نعم التزين والأناقة جميل ومطلوب, أما أن يتحول إلى هدف في الحياة نبذل كل طاقتنا وجهدنا لتحقيقه, فهذا أمر فظيع..

وبعد نزول وزني كنت قد وصلت إلى أسوأ مراحل اكتئابي الشديد, والمفروض أن يساعد الإنجاز الذي حققته في نزول وزني في أن يرفع معنوياتي, لكنه أصابني بإحباط جديد.. حتى بدأت أرى نفسي أكبر حمقاء في هذه الدنيا, حيث قضيت سنوات وأنا ملتزمة بالحمية لأحصل على البشاعة, فقد تحولت نظرتي ساعتها وأخذت أرى الجمال في الامتلاء وليس في النحافة..
خصوصا أنني أصبت بفقر الدم من جرّاء هذا الريجيم الطويل.
 
لا النحافة حققت لي السعادة, ولا تلقيت مساعدة حقيقية ممن حولي وأنا في أشد حالاتي تعاسة وألما.. أدركت حينها: أنه كفاني ما جرّه علي الريجيم والاكتئاب من مشاكل حتى الآن, وها أنا ذا قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمري وحتى الآن لم أخطط لحياتي ولم أفعل شيئا مما أحب فعله, بل لقد أصبحت صحتي النفسية في القاع, وصحتي الجسدية تهوي هي الأخرى.. وماذا بعد؟؟ ماذا أفادتني هذه الصورة غير أنها جعلتني أدخل دوّامة الله وحده يعلم إن كنت سأخرج منها حية أم لا ؟؟

أدركت بعد هذه المحنة أنه لا أحد يستطيع مساعدتي سوى شخص واحد هو: أنا, وأنا فقط, بالاستعانة بالله طبعا.. وبأولي العلم والخبرة, أما أن يأتي الشفاء والتغير هكذا دون جهد مني فهذا هو المستحيل بعينه.. إذا لا بد أن أعيش لنفسي ولما أريده أنا من حياتي لا لما يريده الآخرون من حياتي..
 

الحقيقة أن ما عمّق وعيي لهذه المبادئ هو أنتم, فكنت في هذه الآونة قد بدأت أتابع مشاكل وحلول .. ولا زلت أذكر صرخات الدكتور أحمد التي كان يبين لنا فيها نحن النساء حقيقة أمرنا وموقعنا من الإعراب في هذه الحياة.. ثم هناك أمر آخر.. لاحظت أن النساء في المجتمع ممن يردن أن يكن جميلات أي مطابقات لمواصفات الجمال- ولا يستطعن لسبب أو لآخر, يحوّلن هذه المواصفات لتصبح منطبقة عليهن!!

مثال: فتاة ترى أن الخصر الجميل ليس هو الخصر النحيل الذي لا تثنيات به, بل هو الخصر الممتلئ والذي فيه تثنيات, لماذا؟؟ لأن خصرها هي ممتلئ وبه تثنيات!! بل وتناضل من أجل إثبات صحة وجهة نظرها..، وغيرها كثيرات.. ثم هناك أمر آخر..

عندما كانت تراودني فكرة الانتحار, أخذت أتخيل أن الله تعالى يسألني بعد أن أموت: ماذا عملت في حياتك؟؟
فصدمت حين لم أجد جوابا سوى: عملت ريجيم يا رب!! أكثر من خمس وعشرين سنة وأنا أناضل وأكافح على جبهة الريجيم؟؟ لقد اكتشفت أنني كنت أجاهد... وبإخلاص, ولكن على الجبهة الخاطئة.. أدركت أهمية المقولة: ليس المهم فقط أن تعمل الأشياء بشكل صحيح, المهم أن تعمل الشيء الصحيح.

والحقيقة أنني بدأت بعمل جرد كامل لكل حياتي, ومراجعة شاملة لمسيرتي ومعتقداتي, فاكتشفت أنني كنت أجاهد على عدة جبهات, صحيح أنني كنت أجاهد بإخلاص شديد, ولكنها كلها كانت جبهات خاطئة!!
حسبي الله ونعم الوكيل.. وقفت مع نفسي, وأعدت ترتيب أولوياتي, وأخذت أفكر لو أنني انتحرت فماذا سأقول لله عز وجل؟؟ ربما سيلتمس لي ربي الأعذار التي تخفف من عقوبة ذنب الانتحار, ولكن هل سيجد لي أيضا أعذارا تخفف من مسؤوليتي على كل هذه الأخطاء الكبيرة في حياتي؟؟
الانحراف عن الجادّة يبدأ بسيطا جدا, ولكن بعد فترة يصبح هائلا.. أخذت أعيد التفكير في أهدافي وأولويات حياتي.. وللأمانة أقول لكم: لم أجد للريجيم مكانا بين هذه الأولويات.. لم يكن قرارا سهلا, كنت أعرف أنني سأعود للتعرض للنقد اللاذع من الآخرين, ولكنني كنت قد اكتشفت شيئا جديد ومهما جدا في الحياة وهو: الحب.. حب الناس والتعامل معهم بحنان الأم ورحمة الأب.. بهذه الطريقة أصبحت لا أتأثر بالانتقاد الموجّه إلي وإلى وزني, مهما كان المنتقد ومهما كان هذا النقد.. بل وأصبحت بهذا الأسلوب أحب الناس وأكسب صداقتهم ومودتهم.. طبعا هذا التحوّل لم يأت فجأة و بل بالتدريج وبعد عدّة محاولات..

إذا ..الخلاصة:
إذا أراد أحد ما أن يتخلص من هاجس الصورة فليسأل نفسه سؤالا واحدا: هل يستحق الشكل الذي أريد الوصول إليه كل هذا العناء وكل هذا الجهد؟؟ ألا تستحق أمتنا المحتضرة وإسلامنا النازف بعضا من هذا الجهد؟؟ لحساب من أبذل كل هذا الجهد لتغيير خلق الله؟؟ ماذا سأجيب الله تعالى حين يسألني عن عمري فيم أفنيته؟؟؟

بعد رحلة الريجيم, بل لنقل بعد عذاب الريجيم الشاق, أدركت رحمة ربنا بنا وأنه فعلا لا يكلف نفسا إلا وسعها, والحمد لله أنه لم يجعل للإسلام ركنا سادسا وهو: الوزن المثالي!! أدركت عظمة الله عز وجل في تشريعاته وأحكامه.. فأحببته أكثر وأكثر.

أما عن السؤال الثاني: وهل اتخاذنا الصورة، التي صنعناها بمعاييرنا نحن، معيارا نطوع -أو نحاول تطويع- ونصنف -بلا أدنى عدالة- صنع الله على أساسها هل في ذلك شيء من شرك؟؟
أخشى والله أن الإجابة هي: نعم, لأن محرّكنا ليس أوامر الله ونواهيه بل هو الوزن المثالي والصورة الجميلة.. إذا هو شرك من نوع جديد.. والحمد لله الذي خلّصني من هذا النوع من الشرك .. ما أحلى أن نكون عبادا لله فقط.. ولا شيء سواه.. هنا تشرق الحرية الحقيقية..

هناك أمر آخر وهو في رأيي في منتهى الأهمية, وهو: أن وعينا لحقيقة وجودنا في هذه الدنيا, وللأشياء التي تنبع منها قيمتنا الحقيقية كبشر, أمور لا بد منها لعلاجنا من حمّى عبادة الصورة.. فالله تعالى لا يقيّمنا على أساس صورنا وأجسادنا, ولكنه ينظر إلى قلوبنا التي في صدورنا, وأنا أرى أننا سنرضى عن صورنا وسنكفُّ عن محاولة الوصول إلى الصورة المثالية حين ندرك أن هذه الصورة لا قيمة لها.. نعم, لا قيمة لها.. لا يقيّمني كإنسانة شكلي.. ألا ترون معي منتهى عدل الله تعالى في ذلك؟؟

الله لا يقيّم الناس على أساس أشياء لا يد لهم فيها, وإنما يقيّمهم على أساس مكتسباتهم.. سنرضى عن أجسادنا وسنراها هدية غالية نشكل الله عليها حين تتعدّل هذه المفاهيم المعوجّة في رؤوسنا..

وبرأيي أن تصحيح المفاهيموهذا ما يسمونه العلاج المعرفى له فائدة على كلا من كانوا منطبقين على الصورة المثالية ومن كانوا غير منطبقين عليها.. لأن من هم منطبقون عليها سيعتبرون أنهم قد حازوا الرضا وأنهم فوق باقي البشر وهذا يورّثهم الغرور والكبر.. وكفى بالغرور مهلكا.. وسيجعلهم يكفّون عن العمل لتحسين أنفسهم وتزكيتها كما في مصطلحات الدين لأنهم لم يعودوا بحاجة لذلك فهم قد حازوا الرضا.. ولكن السؤال المهم: رضا من؟؟ رضا الناس.. وهنا يكمن شرك من نوع آخر!!

وأما بالنسبة لمن ليسوا مطابقين للصورة بل لنقل ممن هم من ضحاياها فالأمر واضح, سيتخلصون من هاجس يقض مضاجعهم, ويرتاحون من الجري وراء السراب.. بالإضافة إلى أنهم سيتحررون من العبودية لغير الله تعالى..

إذا فالتنافس في حيازة الرضا هو الرضا لدى الله تعالى, وبالطريقة التي يريدها هو فقط, أي: إن أكرمكم عند الله أتقاكم, وعندها فقط ستختفي عبادة الصورة, ولن يكون هناك مجال لظهور معبودات أخرى غير الله في المستقبل, لقد ابتلينا اليوم بالصورة المثالية, والله وحده فقط من يعرف بماذا سيمطرنا المستقبل من صور جديدة للشرك إن بقينا غافلين عن الحقيقة: حقيقة وجودنا وحقيقة تمايزنا في هذه الحياة.. وحقيقة: من هو صاحب الحق في وضع معايير التمايز بيننا..

ملاحظة أخيرة:

المشكلة في اقتحام ثقافة الصورة وعي الأزواج مشكلة كبيرة جدا, أعرف فتاة لا تزال عروسا, ولكن هذا الموضوع يسلبها هناءتها, مع أنها ليست بدينة ولا ممتلئة, بل نحيفة وشكلها جميل جدا, لكن ما يطلبه زوجها هو أن يكون جسدها وجلدها مشدودا كما لو كانت تمثالا من خشب.. طبعا هذا يعود إلى ثقافة الصورة التي عششت في ذهنه, تقول له: أي نحافة أكثر من ذلك؟؟
فيقول: أنت نحيفة نعم، ولكنك لست مثل هؤلاء, وبما أنهن كذلك فأنت أيضا بمقدورك أن تصبحي مثلهن..
هنا تكمن المصيبة الكبرى, إنه لا يعلم كم ينفقن على أنفسهن للتجميل ليظهرن بهذا الشكل المصقول!!
حسبنا الله ونعم الوكيل..
أسأل الله تعالى أن يطهّرنا من الشرك ظاهره وباطنه.. وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرة عباده المخلصين المهتدين.. آمين.

ليلى العربية


*ويعلقُ كاتب المقال: الدكتور وائل أبو هندي الأخت العزيزة ليلى العربية،
أذهلتني رجاحة عقلك وفصاحتك وبيانك القويم، حتى قلت ألله مثلما اعتدت أن أقول على أشياء تصلني منك، مشاركة أو تعليقا سواء على مشاكل وحلول أو على مجانين هنا، مثل ما نحن الآن بصدده، فقد قلت ألله أكثر من عشر مرات على أفكارك وسطورك، ولن أقول أين وأين وأين قلتها، لأترك لقراء مجانين أن ينفعلوا مثلما انفعلتُ فيذكروا اسم الله لروعة ما يجدون في سطورك، نعم وليس لي غير أن أذكر بأن أحد الأوهام التي تساعد كثيرين على الوقوع في فخ الصورة النموذج هو أننا نستطيع تقويم أجسادنا لتكونَ كتلك التي في الصورة، ولعل في إجابتنا من قال إنها إرادة؟.. إنه الجسد صنع الله على إسلام أون لاين ما يفيد في توضيح الحقيقة وكذلك ما قلناه في أكذوبةٌٌ اسمها (الريجيم) الحميةُ المنحفة على مجانين، المهم أنني أوافقك ولكنني فقط أسأل الله أن يكثر من أمثالك في أمته، بارك الله فيك ووفقنا لتمثل جوهر ديننا وعلاقتنا بربنا كمسلمين.



الكاتب: ليلى العربية
نشرت على الموقع بتاريخ: 06/10/2004