إغلاق
 

Bookmark and Share

الدردشة الالكترونية وحوار الأعماق ::

الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 12/19/2004

قد تبدو الدردشة التي يمارسها الناس هذه الأيام على الانترنت في كثير من الأحيان مضيعة للوقت والجهد والمال، ولكنها على الجانب الآخر تمثل نوعاً من الحوار المختلف الذي لم يعتد عليه الناس من قبل ويتميز بالتالي:

1 – اللا إسمية حيث لا يعرف طرفا العلاقة(إن أرادا ذلك) بعضهما بالاسم أو العنوان أو الجنس، وهذا يعطي مساحة هائلة من الحرية في التعبير عن الذات دون اعتبار لأي عوامل سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية, وقد أعطى هذا العامل فرصة هائلة لخروج الكثير من الأفكار والنزعات التي كانت كامنة تحت الوعي أو في اللاوعي لكي تخرج وتتفاعل مع الآخر دون خوف من عواقب.

وهذا ربما يؤدي مع الوقت إلى تآكل مساحة اللاوعي الشخصي، تلك المساحة التي كانت تحوي كل ما هو مرفوض اجتماعياً أو مؤلم نفسياً، فقد أصبح هناك ما يمكن تسميته "اللاوعي الإليكتروني" يصب فيه الناس محتويات لا وعيهم حتى يتخففوا منها وهذا يؤدي إلى التنفيس المستمر والذي كان يتم قبل ذلك بمساعدة المعالج النفسي أو الاعتراف أمام أحد الأصدقاء أو رجال الدين. إذن فربما تتناقص الحاجة لكل هؤلاء في وجود فرصة للتنفيس الإليكتروني اللامحدود والآمن والميسر في كل لحظة. ولأضرب مثلاً على ذلك:

فهناك بعض الناس لديهم ميول جنسية مثلية كانوا لا يستطيعون التفوه بها حتى لأقرب المقربين، ولكن الآن أصبحوا يدخلون في برامج الدردشة ويعبرون عن أنفسهم بصراحة (أحياناً تصل إلى درجة الوقاحة) ويمارسون التعري وأحياناً الجنس دون خوف من تجاوز القواعد الاجتماعية والأخلاقية.

وهناك من يدخلون في الدردشة على أنهم من الجنس الآخر فيعبرون عن ميولهم الجنسية من خلال هذا الدور، وهم يظنون أنهم يمزحون ولكن في الحقيقة يعبرون عن ما تحت وعيهم أو لا وعيهم ويتحاورون على هذا المستوى.

وفي هذه الظروف تتغير الدفاعات النفسية حيث لا داعي لاستخدامها بكثرة فتظهر الأفكار والرغبات والدفعات بلا قناع، وإذا حدث وارتدت قناعاً فهو قناع يسهل خروج ما بالداخل ولا يعوقه .

2 حرية الدخول والخروج فلا إلزام بوقت أو مطالب، وهذه الحرية ربما تكون غير متاحة في العلاقات العادية فيشعر الإنسان بالالتزام المرهق أحياناً نحو من له بهم علاقة، أما في العلاقة الإلكترونية على الإنترنت فهو حر تماماً في بدء العلاقة وإنهائها في أي وقت وبأي طريقة دون أي حرج.

3 – إنسانية العلاقة، حيث يتحرر الطرفان من أي التزامات حزبية أو طائفية أو دينية أو اجتماعية ويجدان نفسيهما في حوار ثنائي إنساني حر بعيداً عن كل الضغوط والالتزامات السابقة، وهذا يجعل التواصل أكثر إنسانية وأكثر تجاوزاً للخلافات والاختلافات.

وفي أحد الأفلام الأجنبية الرائعة بعنوان You have got a mail كان رجل وامرأة يكرهان بعضهما في الواقع ويحاول كل منهما تدمير الآخر نظراً لتنافسهما في العمل التجاري حيث كان كل منهما يمتلك مكتبة في نفس الشارع. ومع هذا الصراع والتنافر على مستوى الوعي نشأت بينهما بالصدفة علاقة موازية غاية في التفاهم والحب على مستوى الدردشة الإلكترونية وبقدر ما كانت الكراهية والعداوة بين عقليهما الواعيين بقدر ما كان الحب والتعاون والتفاهم بين مستوياتهما النفسية الأعمق.

وكثير من العلاقات التي قامت عن طريق الدردشة الإلكترونية حين حاول أصحابها نقلها إلى عالم الواقع فشلت أو لم تكن على نفس المستوى وذلك لاختلاف الترددات والنغمات بين المستويات المختلفة للنفس البشرية.

وربما لا نستغرب إدمان بعض الناس على تلك الدردشة الإلكترونية لأن العلاقات من خلالها لا تذل ولا تكلف، وهذه هي نفس مواصفات العلاقة مع العقاقير والمخدرات فالمدمن يلجأ إليها بحثاً عن الراحة والسعادة حتى لا يحتاج للعلاقة الإنسانية التي ربما يحتاج أحيانا أن يذل نفسه أو يكلفها ما لا تطيق ثمناً لهذه العلاقة.

والإدمان الالكتروني يقع فيه بشكل خاص الأشخاص الانطوائيون والخجولون والمعزولون لأنه يجنبهم حرج العلاقات المباشرة التي لا يقدرون عليها بسبب تركيبتهم النفسية شديدة الحساسية. وإذا كان للدردشة الإلكترونية بعض المزايا التي ذكرناها فهي لا تخلو من العيوب ومنها:

0 غياب وسائل التواصل غير اللفظي مثل نبرة الصوت وخلجات الوجه ووضع الجسد وحركاته, وهذه الوسائل هامة جدا في عملية التواصل الحقيقي.
0 غياب أو تهميش الاتصال الإنساني المباشر بكل ما يحمله من دفء المشاعر وحرارة الوجدان وإشعاعات الروح.
0 إمكانية الخداع من خلال التخفي ولبس الأقنعة.
0 فقدان الكثير من المهارات الاجتماعية التي لا تكتسب إلا بالتواصل الإنساني المباشر.

وسواء رغبنا أو لم نرغب فقد دخلت الدردشة الإلكترونية في حياتنا النفسية والاجتماعية, وربما يحدث بسببها تغيرات هائلة في المستقبل ولكننا لا نستطيع التنبؤ بكل أبعادها في هذه المرحلة.



الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 12/19/2004