إغلاق
 

Bookmark and Share

الانتحار بين المرض والاختيار : الجزء الأول ::

الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 01/12/2003

الانتحار بين المرض والاختيار

على الرغم من قوة وعنفوان غريزة الحياة ( حب البقاء ) لدى الإنسان والتي تدفعه نحو التشبث بالحياة والتملك والتفوق والزواج والإنجاب والإنتاج والتعمير ، إلا أن هناك غريزة أخرى كامنة في الظل تدفعه - حين تنشط - إلى تدمير كل هذا ، تلك هي غريزة ، الموت الرابضة في أعماقنا والمحركة للسلوك الانتحاري الذي نهتز له وتهتز به ثوابتنا ، ويجعلنا في مواجهة حادة ومباشرة مع حقيقة الموت وحقيقة الحياة ودوافع كل منهما بداخلنا .
والانتحار سلوك متعدد الدوافع ينشط حين يختل التوازن بين غريزتي الحياة والموت ، وهو لا يولد في لحظة تنفيذه أو محاولة تنفيذه وإنما يكون رابضاً كخيار في طبقات الوعي الغائرة إلى أن يطفو فوق السطح وينشط في ظروف بعينها ليكون الخيار الوحيد الذي يراه الشخص في تلك اللحظة على أنه أفضل الحلول .

والانتحار بهذا المعنى ليس حدثاً عشوائياً ، وإنما هو منظومة فكرية ووجدانية وسلوكية تنتظم أجزاؤها عبر السنين والأحداث ليبرز كوسيلة للخروج من مأزق أو أزمة في شخص وصل إلى حالة من انعدام الأمل وقلة الحيلة Hopelessness and Helplessness)) وقع تحت ضغوط فاقت احتماله ، وضاقت أمام عينيه الخيارات أو تلاشت ، أو أرادها هو أن تضيق وتتلاشى، عندئذ أعذر وأنذر، وأرسل إشارات استغاثة لكنها لم تصل إلى من يهمه الأمر ( فعلاً ) ، أو وصلت ولم يسمعها أحد، أو سمعت ولم يفهمها أحد، أو فهمت ولم يستجب لها أحد، وهنا وقعت الواقعة .

ونقف أمام الحدث متفرقين ومنقسمين بيننا وفي داخلنا:
- مسكينة لم تجد أمامها مخرج بعد أن ضاقت الدنيا في عينها وتخلى عنها كل الناس .
- ألم تكن أرض الله واسعة .. ورحمته أوسع ؟
- إنه المرض الذي يفقد الشخص توازنه ويجعله يتصرف بشكل مختلف .. وليس على المريض حرج .. والله أعلم بظروف عباده .
- قد كانت مكتئبة .. نعم .. والاكتئاب غير الجنون .. يستطيع معه الإنسان أن يعرف ويختار .. وبالتالي يكون مسئولاً .
- الاكتئاب حالة اضطرار .. ومن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه .
- بل ذلك يفتح الباب أمام كل مكتئب ، بل وكل حزين أو متأزم كي ينتحر ويقول انه الاضطرار .
- هذا صحيح وهنا يصبح مصير الشخص مرهوناً بحجم اضطراره .
- وما هو حجم الاضطرار المسموح به .
- هذا يختلف من شخص لآخر ومن ظرف لآخر ولا يعلم مداه إلا الله .. والله غفور رحيم .
- وهل ينهانا الله عن قتل أنفسنا إلا إذا كان ذلك ممكنا .. فهو سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها .
- هذا أمر عام .. وتبقى مع هذا حالات خاصة لا يعلمها إلا الله .
- ………!!؟
- …………!!!؟؟

معدلات الانتحار ( أرقام ودلالات ) :
غالبية المنتحرين ( 98 % منهم) كانوا مصابين بأمراض نفسية أو عضوية في حين أن نسبة ضئيلة جداً منهم ( 2 % ) كانوا أسوياء ( بمعنى أنهم غير مرضى ) . وهذا الرقم الإحصائي يكاد يغري باستنتاج متعجل وهو : هل هؤلاء المنتحرين المرضى ( 98 % ) كانوا فاقدي القدرة على التحكم في دوافعهم نحو الانتحار ( أي مجبرين ) ، وأن 2 % فقط من المنتحرين ( وهم الأسوياء ) هم الذين انتحروا مختارين .. ؟ .. والإجابة بنعم هنا تتوق إليها كثير من القلوب لأناس فقدوا أعزاء عليهم منحرين ويتمنون لو تزول عنهم فكرة اختيار الانتحار ( وبالتالي مسئولية الانتحار الأخلاقية والدينية ) ويصبحوا في نظرهم بشهادة العلم الإحصائي مرضى مجبرين غير مسئولين عما حدث ، بل ويستحقون الشفقة والتعاطف بل والإحساس بالذنب من جانبنا نحوهم . ولكن هذا التعميم _ حين عرضه على النظرة الموضوعية _ يبدو ضعيفاً ، حيث لا يستطيع أحد أن يقول بأن كل مريض انتحر كان فاقد الاختيار أو فاقد الوعي والبصيرة على الرغم من ضغوط المرض القاسية . وحتى على المستوى القانوني لا يعفى المريض من المسئولية في كل الحالات ، بل يعفى فقط في حالة عدم البصيرة بالفعل وعواقبه وعدم القدرة على التمييز وعدم القدرة على الاختيار واضطراب الوعي أو الإرادة ، ولهذا نجد كثير من المرضى النفسيين عرضة للمساءلة القانونية ولكن تتدرج المسئولية حسب تأثير المرض على العناصر المذكورة سلفاً من المسئولية الكاملة إلى انتفاء المسئولية وبينهما درجات تقدر بقدرها . وعلى أية حال سنترك هذا الاستطراد الذي استدرجنا إليه لنعود إلى باقي الأرقام ، والتي تقول بأن 1000 شخص ينتحرون كل يوم على مستوى العالم أي حوالي 42 شخص كل ساعة وأن الانتحار هو ثامن سبب للوفاة في مجموع السكان في أمريكا وهو ثالث سبب للوفاة بين المراهقين عموماً ، وثاني سبب للوفاة بين المراهقين البيض ، ففي أمريكا ينتحر 75 شخص كل يوم ، أي شخص كل 20 دقيقة ، أي 25 ألف حالة انتحار في السنة .وقد وجد أن أشهر مكان للانتحار في العالم هو جسر البوابة الذهبية في سان فرانسيسكو ( Golden Gate Bridge ) ، فقد انتحر من أعلى هذا الجسر 900 شخص منذ إنشائه عام 1937 .

والرقم العالمي المتوسط لمعدل الانتحار هو 12,5 شخص لكل 100,000 من مجموع السكان ، وهناك ما يسمى بحزام الانتحار وهو يضم الدول الإسكندنافية وسويزرلاند وألمانيا والنمسا ودول أوروبا الشرقية بالإضافة إلى اليابان حيث يبلغ معدل الانتحار في هذه الدول 25 شخصاً لكل 100,000 من السكان .
وأعلى معدل للانتحار قد سجل في هنجاري ( المجر ) وهو 35 منتحر لكل 100,000 من السكان .
وفي المقابل وجد أن أقل معدلات الانتحار 10 لكل 100,000 من السكان توجد في مصر وأيرلندا وأسبانيا وايطاليا . وقد تختلف معدلات الانتحار داخل البلد الواحد لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو عقائدية فمثلا وجد أن ولاية نيوجرسي في أمريكا هي أقل الولايات من حيث معدل الانتحار مقارنة بولاية نيفادا التي سجلت أعلى معدل بين الولايات الأخرى .

وعلى الرغم من أن النساء هن أكثر تهديدا بالانتحار وأكثر قياماً بالمحاولات الانتحارية إلا أن الرجال أكثر تنفيذاً للانتحار فعلاً . وبالمثل فإن صغار السن يهددون كثيراً بالانتحار ولكن كبار السن ينفذونه أكثر ، فقد وجد أن أعلى نسبة انتحار في الرجال تحدث بعد سن 45 سنة وفي النساء بعد سن 55 سنة . والمنتحرين من كبار السن الذين تعدوا 65 عاماً يشكلون 25 % من حالات الانتحار على الرغم من أنهم يشكلون 10 % فقط من السكان .

الانتحار بين الأسوياء :-
ونقصد هنا بالأسوياء أنهم غير مصابين بأمراض نفسية أو عضوية ، ولا نعني بها أنهم أسوياء في التفكير أو الاعتقاد أو السلوك ، لأن دوافع الانتحار في هذه الفئة التي تشكل 2 % من المنتحرين تكون في صورة أفكار أو معتقدات أو عادات ، ولذلك يكون الفعل الانتحاري سلوكاً مختاراً ، ونذكر من أمثلة الانتحار في هذه الفئة ما يلي :-
1- الانتحار الوجودي :-
ويقوم به من يعتنقون الفكر الوجودي والذي يعلي من قيمة إرادة الإنسان واختياره ومسئوليته بالدرجة التي تجعله مسئولاً عن كل شيء في حياته مسئوليه مطلقه ، وأن عليه أن يحقق ذاته ويطلق إمكاناته كما يريد ، وإذا عجز عن ذلك فعليه أن يختار توقيت إنهاء حياته بالطريقة التي يريدها .وفي بعض مدارس الفكر الوجودي المتطرفة يعتبرون قرار الانتحار شجاعة وسلوكاً شريفاً ونبيلاً من الشخص حيث قرر الانسحاب في اللحظة التي شعر فيها أنه غير قادر على العطاء . وليس بالضرورة أن يكون الشخص المنتحر طبقاً لهذه المفاهيم منتمياً إلى الفكر الوجودي بشكل أكاديمي أو فلسفي ، وإنما يمكن أن تتسرب هذه الأفكار إلى أشخاص بسطاء لم يقرؤوا حرفاً عن الوجودية وإنما تشربوا أفكارها من الحياة اليومية ، أو من القصص والمسلسلات والأفلام والبرامج الإعلامية المختلفة .
2- تقليد { سوتي } في الهند :-
يطلب المجتمع من المرأة التي يتوفى زوجها أن تحرق نفسها مع جثة زوجها المتوفى .
3- عروس النيل عند قدماء المصريين :-
فقد أعتاد القدماء المصريون أن يقدموا أجمل فتاة لديهم كل عام هدية للنيل يلقونها فيه فتموت غرقاً حتى يجود النيل بخيره عليهم ، ولم يتوقف هذا التقليد إلا بعد دخول الإسلام مصر .
4- الانتحار الإيثاري :-
مثل انتحار كبار السن في الإسكيمو الذين يشعرون أنهم أصبحوا عالة على ذويهم ولم يعودوا قادرين على العمل فيدفن الواحد منهم نفسه في الثلج ويظل هكذا حتى يموت وهدفه من ذلك أن لا يكون عالة أو عبئاً على أبنائه .
5- الانتحار لفقدان عزيز:-
مثل انتحار كليوباترا بعد موت أنطونيو ، أو انتحار أي محب بعد موت حبيبه . وفي هذه الحالة يكون هناك نوع من التوحد بين الحبيبين بحيث أن موت أحدهما يعني موت الآخر معنوياً فيلجأ هذا الآخر إلى تفعيل موته المعنوي إلى موت حسي . وتزيد احتمالات الانتحار هنا إذا كان المحبوب قد مات منتحراً ، وليس بالضرورة أن تكون العلاقة هنا علاقة حب عاطفي بالمعنى المعروف ، ولكن يمكن أن تكون علاقة أخوة أو علاقة أستاذيه أو أي علاقة أخرى قوية ، فقد انتحرت مثلاً أحد المطربات الاستعراضيات بعد موت أستاذها الشاعر الغنائي الذي كان مؤلف لها أغانيها ، لأنه كما كان مثلاً أعلى لها في حياتها فإنه يصبح مثلاً أعلى لها في طريقة موتها .
6- المشكلات العاطفية :-
وجد أن 30 % من حوادث الانتحار عند البالغين سببها مشاكل الحب .
7- انتحار الذكرى السنوية :-
كأن ينتحر الشخص يوم عيد ميلاده أو عيد زواجه أو الذكرى السنوية لطلاقه .
8- الانتحار الجماعي :-
حدثت حالات انتحار جماعي بين بعض القبائل بدأت بانتحار شيخ القبيلة وتبعه بقية أفرادها . وهناك أيضاً انتحار الفرسان حيث يتجمع عدد من الفرسان في جيش مهزوم ويقومون بقتل أنفسهم كنوع من التكفير عن أخطائهم أو قتل الشعور بالذنب الذي أصاب الجيش من جراء الهزيمة . وإذا كنا ننظر إلى عمليات الانتحار الجماعي السابقة على أنها تمت في مجتمعات بدائية تفتقد إلى المنطق السليم وإلى الرقى الحضاري ، فإننا سوف نندهش حين نستعرض عملية الانتحار الجماعي التي حدثت في سان ديجو في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 26 مارس 1997 حيث قام مارشال هيرف أبل هوايت قائد الجماعة الدينية المسماة بوابة السماء ( Heaven's Gate ) بالانتحار بواسطة تعاطي حبوب فينوباربيتال وقد تبعه في الانتحار 38 شخصاً من أتباعه اجتمعوا في مكان واحد ليموتوا سوياً خلف زعيمهم الروحي الذي أطلق شائعة بأنه مصاب بسرطان الكبد وأنه لابد وأن يموت في هذا اليوم وأن موته يفتح له أبواب الجنة حيث ستصعد روحه في سفينة فضاء لتخترق حجب السماء نحو الجنة . وقد وجد أتباعه أنفسهم يفضلون أن تتبع أرواحهم روح زعيمهم في الصعود إلى السماء ؛ خاصة وأنهم _ كما عبر أحدهم _ لا يجدون للحياة أي قيمة بعد خلوها من زعيمهم الروحي . والمثير أن هذه الجماعة الدينية قد تكونت من خلال الإنترنت حيث تعرف الأعضاء على زعيم الجماعة وعلى بعضهم البعض من خلال تلك الشبكة العالمية للاتصالات وكانت تعاليم الجماعة تصل إلى أعضائها عبر هذه الشبكة وقد احتار علماء النفس كثيراً في محاولة تفسير ظاهرة الانتحار الجماعي فبعضهم يرجعها إلى تبني أفكار ومعتقدات تتصل بالموت الذي هو نهاية لمعاناة الإنسان وبداية لخلاص روحه من هذا العالم وتوجهها نحو السماء حيث السلام والخلود . وقد تم زرع هذه الأفكار بواسطة زعيم ذو شخصية كاريزمية مؤثرة في أناس أصابهم الإحباط في الحياة المعاصرة فاستجابوا تحت تأثير شخصية زعيم الجماعة وتحت ضغط الجماعة على أفرادها لدعوة الخلاص . ومن المحتمل أن أعضاء هذه الجماعة كانوا من الشخصيات الانقيادية التي تتبع قائدها دون تفكير ، وأنها لعجزها عن مواجهة الضغوط الخارجية وجهت غضبها وعدوانها نحو الداخل في صورة سلوك انتحاري جماعي خاصة وأن هذه النوعية من الأشخاص تكون قابلة للإيحاء والاستهواء لذلك تسلك سلوك الآخرين دون تفكر .
9- انتحار التقليد :- ( Copycat Suicide )
عندما ينتحر طفل أو مراهق في مدرسة أو نادي أو أي مجموعة ، تحدث حالات انتحار مشابهة في المجموعة تقليداً للطفل أو توحداُ أو تعاطفاً معه . ويحدث هذا أيضاً بعد رؤية بعض الأفلام أو المسلسلات والتي انتحر فيها أحد الأشخاص في هذا السن . وقد نشرت رواية في أوربا منذ 200 عام بعنوان " أحزان الصغير ويرزر" ( The sorrows of young Werther ) وحدثت بعدها موجه من الانتحار في صغار السن ، وكانوا يلبسون لحظة انتحارهم مثل " ويرزر " بطل القصة أو ينتحرون والقصة بجوارهم .
10- انتحار المشاهير :-
تطالعنا كثيراً أخبار انتحار مشاهير كانوا ملئ السمع والبصر في مجالات الأدب أو الفن أو الرياضة أو العلوم ، ونهتز ونحتار ونتساءل : لماذا ؟ .. وماذا كانوا يريدون أكثر ؟ .. ونقف حائرين إلى أن تقرع
آذاننا أخبار انتحار جديد لمشهور ( أو مشهورة ) .. فهذا إرنست همنجواي الذي ارتفع اسمه في سماء الأدب ليحصل على جائزة نوبل ومع هذا يتخلص من حياته التي أصبح يراها لا تستحق .. وهذه مارلين مونرو ممثله الإغراء تفيض شباباً وحيوية وجمالاً وإثارة يتوق إليها جميع الرجال .. فجأة تتوقف وتكره كل هذا فتقتل نفسها ( أو تدفع نفسها ليقتلها غيرها ) لأن الحياة لا تطاق . ثم تتبعها داليدا تلك المطربة المتألقة التي اكتشفت أن حياتها كانت عبئاً رغم أنهم صنعوا لها تمثالاً ووضعوه في أحد ميادين باريس عاصمة الفن والجمال . وهذا شاعر غنائي كبير ملأ الدنيا بشعره الجميل ومعانيه الرائعة وبساطته القريبة من القلوب .. عانى ويلات المرض النفسي وانتصر عليها وطوعها لإبداعه فكتب وهو حزين فأبدع وكتب وهو فرحان فأبدع ، ولكن في لحظة ما قرر الاستسلام .. وهذه فنانه استعراضيه موهوبة ومحبوبة أخذت من الشهرة ما تقر به عينها ، ولكن حين ابتعدت عن الضوء بسبب المرض وابتعد عنها الناس بسبب الانشغال أو الإهمال .. وجدت نفسها وحيده في بلاد غريبة فهوت . وهذا عالم أنثروبولوجي عظيم منح بلده كل كيانه ولم يأخذ شيئاً من أحد ..عاش فقيراً معدماً على الرغم من ثرائه الفكري الهائل ، وكان راضياً بهذا الموقف الصوفي الزاهد طوال حياته .. ولكن في لحظة نكران وجحود ممن حوله ضعفت مقاومته فاحترق .

والمشاهير يشتركون مع بقية البشر في كثير من صفاتهم ، ولكنهم يختلفون عنهم في تميزهم بامتلاك مصادر القوه أو الجمال .. تلك المصادر التي تجعل الأنظار تتجه إليهم مبهورة والقلوب تهفو نحوهم معجبة ومحبة .. وتكون نتيجة إحاطتهم بالانبهار والإعجاب والحب أن يتعودوا أنهم شي مميز فتتضخم ذواتهم وتكبر نرجسيتهم .. فإذا حدث وفقدوا مصادر قوتهم أو مصادر جمالهم ، وانصرف الناس عنهم ، فإنهم لا يحتملون الحياة ويجدونها غير جديرة بأن تعاش ، ويعجزون عن الرضا بما حققوه وبما أخذوه ، ولا يستطيعون التكيف مع الواقع الجديد فتنفجر الذات المنتفخة ويحدث انفجارها دوياً هائلاً يجمع القلوب حولها مرة أخرى ولكنها في هذه المرة تجتمع باكية آسفة نادمه .

الانتحار بين المرضى :-

في بحث أجري سنه 1957 لدراسة حالات الانتحار بمقابله ذويهم وفحص ملفاتهم الطبية ومقابله طبيب العائلة وجد أن 98% كانوا يعانون أمراضاً نفسيه أو جسمانية ، وكانت أشهر الاضطرابات المصاحبة للانتحار هي الاكتئاب وإدمان الكحوليات . وأجري بحث تتبعي للمقارنة بين مجموعتين : المجموعة الأولى مصابه بأمراض نفسية مختلفة ، والمجموعة الثانية مصابه بأمراض جسمانية مختلفة ، ووجد أن نسبه الانتحار في المجموعة الأولى ( النفسية ) وصلت إلى 5,5% في حين كانت المجموعة الثانية ( الجسمانية ) 0,6% . ووجد أن نسبة الانتحار بين أقارب المجموعة الأولى كانت أكثر 8 مرات من عامه الناس .

دكتور / محمد المهدي



الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 01/12/2003