إغلاق
 

Bookmark and Share

العدالة الاجتماعية بين منهجين: خيري وثوري ::

الكاتب: د.مجدي سعيد
نشرت على الموقع بتاريخ: 14/08/2005

هل يكفي المنهج الخيري كما يفهمه بعض الإسلاميون والقائم على الهبات والتبرعات والصدقات والزكوات وحدها في تحقيق العدالة الاجتماعية؟ أم أن الأمر يتطلب ثورة اشتراكية بروليتارية تعيد توزيع الثروات والدخل وتعيد تشكيل المجتمع بما يحقق حلم العدالة المنشود؟

هذه التساؤلات وغيرها كانت محل نقاش على هامش إحدى ندوات مركز الدراسات الاشتراكية بالقاهرة منذ عدة شهور، ومرت المناقشة ولما يحسم النقاش الأمر عندي، ولا زالت الأسئلة تشغل بالي حتى ثار نقاش قصير عبر البريد الإليكتروني في إطار إحدى المجموعات البريدية خلال الأيام القليلة الماضية مما دفعني لطرح الأسئلة مرة أخرى هاهنا على الملأ محاولا وضع تصوراتي للإجابة.
 

سلوك استفزازي..وخيِرين غير مستفزَين

الرسالة التي استفزتني والتي أرسلت بها الأخت مروة الذؤيبي كانت تزف إلى أعضاء المجموعة بشرى وجود جمعية خيرية تسمى "أحباء مصر" اتفقت مع الفنادق والمطاعم على أن تقوم بجمع الطعام المتبقي من أفراح وحفلات وولائم السادة الأغنياء وتقوم بتعبئته في عبوات آمنة صحيا ثم تقوم بتوزيعه على دور الأيتام والفقراء، وقد كان تعليقي على الرسالة هو أنه: جميل أن نجد من يعمل على الاستفادة من مواردنا المهدرة، خاصة إذا كان نتيجة ذلك سد جوع الجائع، وكسوة العريان، لكن الأجمل أن نمنع هدر الموارد من الأصل كسلوك لا ينبغي أن يكون في أمة هداها الله بهذا الدين وذلك بأن نرشًد السلوك السفيه لبعض الأثرياء الذين ينفقون أموالهم بهذا البذخ فقط من أجل التفاخر أمام الأقارب والأصدقاء، بينما هناك من يجد قوت يومه بالكاد أو لا يجده بالرغم من أنه يكد ويتعب ولا يقعد ليسأل الناس، نحتاج إلى من يعلم هؤلاء السفهاء السلوك الرشيد من باب أن هذه هي التقوى والورع الحقيقي، وليس الحج والعمرة الـ5 نجوم كل عام..يقول الله تعالى" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما"..

الخيري والثوري: الحجج والإشكاليات

يحسن بنا بعد أن استعرضنا الرسالة أن نعرض لحجج وإشكاليات كللا المنهجين: الخيري والثوري.
يعتمد أصحاب المنهج الخيري على عاطفة محبة لفعل الخير تنطلق من العديد من الآيات والأحاديث التي تدعو الناس إلى التصدق والزكاة على الفقراء والمساكين ولا يشغل بال الكثيرين منهم مسألة تحقيق العدالة الاجتماعية من سلوكهم الخيري ذلك، ولا أظن أن الكثيرين منهم حتى قرأوا كتبا مثل العدالة الاجتماعية في الإسلام للأستاذ سيد قطب، أو الإسلام والأوضاع الاقتصادية للشيخ محمد الغزالي، أو مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للدكتور القرضاوي، وإلا لأدركوا أن هناك ضابطا مهما يضبط هذا السلوك الخيري وهو أن الصدقة (ومثلها الزكاة) لا تجوز لذي مرَة سوي كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأن المنهج الخيري الذي يتبعونه يفسد الفقير أكثر مما يصلحه لأنه يجعل منه دائما يدا سفلى، لا يد يحبها الله ورسوله، وأن المنهج الخيري القويم هو الذي يعطي الفقير فرصة للعمل الكسبي كما علَم الرسول من جاءه يسأل، فطلب منه أن يأتي بما لديه في خيمته ولم يكن بالشيء الكثير ثم أقام مزادا عليها، ثم طلب منه شراء قادوم وأن يذهب ليحتطب به.

أما أصحاب المنهج الثوري
فينطلقون من سخط على أوضاع الظلم الاجتماعي التي تشهدها المجتمعات البشرية خاصة تلك التي تطبق المنهج الليبرالي الرأسمالي، والتي تؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، وظهور طبقتان كبيرتان ومتمايزتان..عليا ودنيا، ومن ثم ترى في تلك المجتمعات أمثال ذلك السلوك السفيه في إنفاق المال، وترى فيها سلوكيات أكثر استفزازا في كسب الأموال تقوم في الأساس على الاحتكار واستغلال حاجة الفقراء إلى العمل..إلى آخره، ويرى أصحاب ذلك المنهج أن العمل الخيري إن هو إلا مسكن يريح ضمائر الأغنياء ولا يحل مشكلة الفقراء ومن ثم لا يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، ومن ثم فإن على الفقراء أن ينتظروا إلى أن تنجح النخب الاشتراكية في تحقيق ثورتها الاجتماعية حتى يحصلوا على حقوقهم السليبة.

مناهج عديدة بين قطبين

والمشكلة التي يمكننا استقراءها من الواقع أنه لا المنهج الخيري القائم على الصدقات غير المنضبطة وحده، ولا المنهج الثوري وحده قادرين على تحقيق العدالة المنشودة والقضاء على مشكلة الفقر والتهميش الاجتماعيين، وتصوري الذي أطرحه هنا أن كل منهج منهما يمثل طرفا من أطراف متصل Continuum وأن هناك العديد من المناهج والاقترابات لحل تلك المشكلة تقع على امتداد هذا المتصل، وأن علينا أن نجمع بين كل تلك المناهج جميعا لنأخذ منها خير ما فيها، فكما تعلمنا فإن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، فبهذا وحده يمكننا أن نحقق العدالة الاجتماعية..والله أعلم.

مساعدة الفقراء كي يساعدوا أنفسهم

على نقطة قريبة من المنهج الخيري يقع منهج آخر في التعامل مع المشكلة يلخص فلسفته مقولة "مساعدة الفقراء كي يساعدوا أنفسهم" والذي يعتمد على إقراض الفقراء قروضا صغيرة ومتناهية في الصغر توفر لهم رؤوس أموال يفتقدون إليها ليبدأوا بها مشاريعهم الخاصة المدرة للدخل، مقدما بذلك حلا لمشكلة عدم رغبة المؤسسات المالية التقليدية في إقراض الفقراء لافتقادهم إلى الضمانات المادية التي لا تقرض تلك المؤسسات أحدا إلا بها، ويعتمد ذلك المنهج بدلا منها على نوع جديد من الضمانات تقوم في الأساس على علاقات التضامن والتساند والضغط والضبط الاجتماعي والتي توجد في الغالب في مجتمعات الفقراء أكثر من مجتمعات الأغنياء، خاصة الريفي منها، ويمثل النموذج الأبرز في هذا المنهج نموذج "بنك الفقراء" أو Grameen Bank ونماذج أخرى أقل شهرة، ويثير هذا المنهج أمام فقهائنا سؤالاهو: لماذا لا تكون هناك صناديق للزكاة والصدقات تعطى منها قروض حسنة للفقراء والمساكين لنفس الغرض: مشاريع مدرة للدخل تساعدهم على إعانة أنفسهم على الخروج من دائرة الفقر وبذلك تتحول الصدقات والزكاة إلى أداة تنموية.

تجبيه الفقراء والمهمشين

أما المنهج الآخر، والذي يقع إلى اليسار من المنهج الفائت، فهو منهج تجبيه وتكتيل الفقراء، وينقسم هذا التجبيه أو التكتيل بدوره إلى شكلين:
أ‌- تجبيه وتكتيل اقتصادي
ب‌- تجبيه وتكتيل سياسي/ اقتصادي

• أما التجبيه ذو الطابع الاقتصادي فقد عرفه العالم منذ ما يقرب من قرنين عندما أسس المفكر والاقتصادي الإنجليزي روبرت أوين Robert Owen في الربع الثاني من القرن التاسع عشر أول تعاونية في تاريخ بريطانيا والعالم، ومن هناك انتشرت حركة التعاونيات إلى العالم لتصل إلى مصر عام 1905 على يد عمر بك لطفي أحد أهم رجالات الحزب الوطني القديم، وتقوم فكرة التعاونيات على تكتل اقتصادي حر وطوعي لأصحاب الإمكانات الاقتصادية الضعيفة من الفقراء يساعدهم على تحقيق عدد من الأهداف الإنتاجية والاستهلاكية والخدمية والتي لا يستطيع أحدهم بالقليل الذي يملكه أن يحققه وحده.

• أما التجبيه ذو الطابع السياسي/ الاقتصادي: فيمثله نظام عرفه العالم قديما ومنذ عدة قرون وعرفه العالم الإسلامي باسم نظام "طوائف الحرف" والتي كانت عبارة عن تكتل نقابي لأصحاب كل حرفة يمثلهم أمام المجتمع وأمام الحكومة، ويضبط نظام الترقي المهني، ويحقق نوعا من أنواع التضامن والتساند والضبط الاجتماعي داخل الطائفة وقد استمر هذا النظام يضعف في بلادنا حتى ألغي عام 1914، وفي العصر الحديث عرف العالم شكلا جديدا من تلك التكتلات مستفيدا من التطور الهائل في ثورة الاتصالات وأبرز أمثلة تلك التكتلات: المنظمة الهندية للنساء الموظفات ذاتيا SEWA والتكتل العالمي لصغار المنتجين من البيوت Home.Net والتكتل العالمي لتجار الشوارعStreet.Net والتي نوهنا عنها في موضوع سابق (يا أرزقية..اتحدوا) ويحقق هذا التكتل إضافة إلى ما سبق من أدوار دورا إضافيا وهو الضغط على الحكومات من أجل تهيئة البيئة القانونية لكي تتيح لطوائف الأرزقية حرية العمل الشريف، بدلا من أن يكونوا هدفا لحرب الحكومات الدائمة بدعوى نظافة المدن وتنظيمها.

تجارة خارجية عادلة

يأتي على نفس المتصل منهج التجارة العادلة أو Fair Trade وهي حركة عالمية تسعى من أجل تبادل تجاري عالمي قائم على مبدأ أن يحصل المنتج الصغير في بلدان العالم الثالث بصفة خاصة على سعر عادل لمنتجاته يحميه من تحكم الشركات متعددة الجنسيات والتي تسعى لابتزازه بالحصول على سعر غير عادل لمنتجاته يحقق أعلى ربح لها بينما يبخس الفقر حقه

أناس بلا أرض

ماذا يمكن أن يحدث إذا كانت حكومات العالم تقف إلى جانب الأغنياء والأثرياء من رجال الأعمال تهيئ لهم البيئة القانونية التي تتيح لهم الحصول على النصيب الأكبر من أموال البنوك، وتتيح لهم حرية الاستثمار والتجارة؟ ربما يكون هذا شيئا جيدا يخلق المزيد من فرص العمل ويفيد الاقتصاديات الوطنية فقط إذا لم يكن ذلك الانحياز على حساب قطاع كبير من عمالة فقيرة ورخيصة في تلك البلدان، ومن هنا فقد نشأت حركات أناس بلا أرض أو Landless Peoples وهو اسم لعدد من الحركات الشعبية في بلاد العالم تسعى من خلال النضال السلمي القائم على أن يحصل الفلاحون والمزارعون الأجراء على حقهم في أن يعملوا على استصلاح وزراعة الأراضي التي تحتجزها الحكومات أو يحتجزها هؤلاء الأثرياء دون أن يستصلحوها أو يزرعونها، وذلك بأن يقوم الفقراء باحتلال تلك الأراضي واستصلاحها وزراعتها وإقامة مجتمعات تعاونية عليها، ولعل أشهر تلك الحركات قاطبة هي الحركة في البرازيل والمعروفة باسم MSTوالتي نشأت عام 1984 ونجحت في إقامة المئات من المجتمعات التعاونية لصغار المزارعين عن طريق هذا السبيل، وهناك حركة مماثلة في جنوب أفريقيا، وأخرى في بنجلاديش.

عدالة اجتماعية عالمية

هناك العديد من الحركات في العالم تقوم على مناهضة العولمة في جانبها الاقتصادي المظلم والذي يؤدي إلى المزيد من الظلم والتباين الاجتماعي برعاية مؤسسات دولية مثل البنك والصندوق الدوليين وكذلك منظمة التجارة العالمية والتي تستخدم فيها نفوذ الدول القوية من أجل فرض أنظمة اقتصادية في بقية دول العالم تضمن تحقيق مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وحكومات دول العالم الغني، ومنهج تلك الحركات قائم على إحداث ثورة عالمية ضد تلك المظالم من خلال الاحتجاجات والمظاهرات المتنقلة ضد اجتماعات تلك المنظمات من أجل ترتيب اقتصاديات العالم وفق مصالحهم.

التكامل بين المناهج

وفي الحقيقة أود أن أقول أننا إذا كنا في حاجة إلى الروح والمنهج الخيري لكي نساعد العاجزين عن العمل والمرضى والضعفاء، ومن لا يكفيهم كسبهم من أعمالهم على أعباء الحياة، فإننا بالمقابل في حاجة إلى منهج ثوري جديد قائم على ضغوط شعبية تقاوم سلوكيات الاحتكار واستغلال العمال، كما تقاوم الفساد المالي والإداري، وتقاوم السلوكيات السفيهة والاستفزازية للأثرياء في إنفاق أموالهم، وأن الذي يعيننا على ذلك أمران:

- تعليم تحريري على طريقة باولو فريري يمكن الناس من الرؤية النقدية لأوضاعهم ومسبباتها محليا وعالميا، وطرق الوصول إلى علاجها.

- فهم جديد للتدين قائم على مبدأ المسئولية الاجتماعية في كسب المال وإنفاقه.."لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع..منها "ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه" نحن في حاجة إلى منهج متكامل يجمع بين روح حب الخير والرغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وبين التحرك الإيجابي من أجل أن يحصل الفقير والمهمش على حقه في رأس المال والعمل، وأن تكون لفئات الفقراء والمهمشين تكتلاتهم النقابية والتعاونية الحرة، وتجمع إلى ذلك أيضا النضال ضد كل سلوكيات الظلم والسفه الاجتماعي/الاقتصادي محليا وعالميا، بذلك كله أظن أننا يمكننا أن نحقق العدالة الاجتماعية المنشودة..والله أعلم.

اقرأ أيضا:
جوهر الإصلاح في مصر..التعددية المجتمعية


 



الكاتب: د.مجدي سعيد
نشرت على الموقع بتاريخ: 14/08/2005