إغلاق
 

Bookmark and Share

الشائعات في عصر المعلومات ::

الكاتب: د. محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 8/15/2006

في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها لاحظ عالما النفس ألبورت وبوستمان أهمية الشائعة والشائعة المضادة في التأثير في معنويات الناس وأفكارهم واتجاهاتهم ومشاعرهم وسلوكهم, ولاحظا أن الشائعات تنتشر أكثر في وقت الأزمات وفى الظروف الضاغطة أو المثيرة للقلق وفى فترات التحول السياسي أو الاجتماعي, ووجدوا أيضا أنها تنتشر حين يكون هناك تعتيما إعلاميا أو غموضا في المواقف أو كذبا معتادا على ألسنة المسئولين الحكوميين أو تضليلا متعمدا ومعتادا عبر وسائل الإعلام المختلفة.

وقد قاما بعمل الكثير من التجارب عام 1945 ثم كللا جهودهما العلمية بوضع كتاب سيكولوجية الشائعة Psychology of Rumor , وفى هذا الكتاب وضعا معادلة انتشار الشائعة وهى تقول أن انتشار الشائعة يساوى أهمية الموضوع المتصل بالشائعة مضروبا في مدى الغموض حوله. وبناءا على هذه المعادلة تصبح الشائعة أكثر انتشارا كلما كان الموضوع هاما وغموضه كبيرا, وعلى العكس لو فقد الموضوع أهميته أو كانت المعلومات حوله واضحة ومحددة أو بمعنى آخر لو أصبح أحد عناصر المعادلة صفرا فإن الناتج يكون صفرا وهو ما يعنى فشل الشائعة؛ وهذه المعادلة مفيدة جدا لصانعي الشائعات والشائعات المضادة ومفيدة لمواجهة أثر تلك الشائعات, ويعتمد عليها خبراء الشائعات في العالم.

والشائعة (كما وردت في موسوعة علم النفس للدكتور عبد القادر طه) هي عبارة عن خبر أو قصة أو حدث بتناقله الناس بدون تمحيص أو تحقق من صحته, وغالبا ما يكون غير صحيح, أو يكون مبالغا فيه سواء بالتهويل أم بالتقليل. ومن الناحية النظرية كان من المتوقع أن تتراجع الشائعات مع هذا الانتشار الرهيب لوسائل الاتصال حيث لم يبق هناك شيئا مخفيا, ولكن الواقع أن الشائعات تتزايد باستمرار, بل وتستفيد من وسائل الاتصال العادية والإلكترونية في مزيد من الانتشار.

ويبدو أن هذا عائد إلى أحد عاملين أو كليهما:
الأول: زيادة ميل الناس (خاصة فى المواقع الهامة) إلى تزييف الحقائق أو إخفاء أجزاء منها مما يزيد من ضبابية وغموض الأشياء رغم الإعلان عنها أو عن جزء منها, إضافة إلى ضعف المصداقية في التصريحات والأخبار المعلنة وتناقضها مع الواقع.

الثاني: رغبة الناس في معرفة المزيد وانفتاح شهيتهم لارتياد مناطق مجهولة أكثر فأكثر, ونستطيع أن نمثل لذلك بتجربة بسيطة يمكننا أن نفجر يها أو نتخيلها وذلك بأن نقف في صحراء واسعة ومظلمة ليلا ونضئ مصباحا قوته 50 وات فبذلك نحصل على دائرة ضوء وليكن قطرها ي متر يحيط بها دائرة ظلام تتناسب مع هذا القطر, فإذا استخدمنا مصباحا قوته 100 وات حصلنا على دائرة ضوء أوسع تحيطها دائرة ظلام أوسع وهكذا, أي أنه كلما اتسعت دوائر المعرفة اتسعت معها دوائر المجهول, وإذا كانت المعلومات الواضحة الصادقة الشفافة تغلق الباب أمام الشائعات بخصوص موضوع معين إلا أنه يبقى موضوعات أخرى غامضة تستوفى حقها بالشائعات.

التفسيرات النفسية للشائعة:
يذهب أصحاب مدرسة التحليل النفسي إلى أن الشائعة تكشف عن محتويات اللاوعي الجماعي بصورة ملتوية عن طريق بعض الحيل النفسية مثل الإسقاط والرمزية والتكثيف والإسقاط والإزاحة والعزل وغيرها, وفي تصورهم أن الشائعة تنجح حين تكون قادرة على تحريك كوامن اللاوعي والانفعالات المكبوتة.

أما أصحاب المدرسة المعرفية فيعزون الشائعة إلى عدم الوضوح المعرفي Cognitive Uncertainity, فكلما كانت الأمور ضبابية وملتبسة كلما كان الجو مهيئا لانتشار الشائعات، ويرى أصحاب فكرة الاحتياجات أن الشائعة تحقق لأصحابها إشباع احتياجات غير مشبعة.

ويرى فريق كبير من علماء النفس أن انتشار الشائعة يعتمد جزئيا على نظرية الجشطالت(Gestalt) والتي تؤكد على أن الإدراك الحسي للأشياء ينحو دائما نحو البساطة والانتظام والإحساس بالاكتمال, والشائعات تنبثق لتشرح المواقف المميزة التي تهمنا ولتريحنا من توتر الحيرة (دكتور محمد أحمد النابلسي, سيكولوجية الشائعة, مركز الدراسات النفسية, لبنان).

دوافع إطلاق الشائعات وانتشارها:
1 – العدوان: تجاه الشخص المستهدف بالإشاعة وذلك لتشويه سمعته أو تغيير موقف الناس منه, وهذا يحدث كثيرا تجاه أصحاب النفوذ والسلطان حين تطلق عليهم شائعات بالسرقة أو استغلال النفوذ أو الرشوة أو الخيانة, أو حين تطلق شائعة على قائد عسكري بهدف زعزعة إيمان الجنود والشعب بقيادته.
 
2 – الإسقاط: وذلك بأن يسقط مروج الشائعة ما يضمره في نفسه على شخص آخر أو أشخاص آخرين, فمثلا هو لديه ميول للكذب أو الخيانة أو الرشوة أو التضليل فيسقطها على الآخرين.

3 – التنبؤ: حيث تشير الشائعة إلى احتمالات مستقبلية يعتقد مروج الشائعة في قرب حدوثها , وهو يهيئ الناس والظروف لاستقبالها.
 
4 – الاختبار: وذلك بأن تكون الشائعة كبالونه اختبار لمعرفة نوعية وقدر استجابة الناس لحدث معين حين يقدر له الحدوث فعلا, فمثلا تسرب شائعة بغلاء أسعار بعض السلع, ثم تدرس ردود أفعال الناس فإذا وجدت معقولة ومحتملة ربما يتم فعلا رفع الأسعار وأما إذا وجدت غاضبة ومستفزة فيمكن تكذيب الشائعة واعتبار الأمر كأن لم يكن.

5 – جذب الانتباه: حيث يبدو مروج الشائعة أو ناقلها على أنه عليم ببواطن الأمور وأن لديه مصادر مهمة للأخبار لا يعرفها بقية الناس, وربما يكون هذا تعويضا عن نقص أو عدم ثقة بالنفس.

شروط نجاح الشائعة:
يتوقف نجاح الشائعة على قوة عناصر المعادلة التي تحدثنا عنها من قبل (معادلة ألبورت وبوستمان بعد الإضافة), وهذا يتطلب أن يكون الموضوع مهما جدا للناس في وقت إطلاق الشائعة, وأن تكون المعلومات المتاحة حوله غامضة أو ملتبسة أو متناقضة, وأن تكون التركيبة النفسية للناس المستهدفين بالشائعة جاهزة لاستقبالها خاصة حين تكون الشائعة متوائمة مع معتقدات الناس وثقافتهم ومشاعرهم ورموزهم.

انتقائية الشائعة:
بما أن الشائعة ترتبط في نجاحها بمدى مواءمتها للتركيبة النفسية لمتلقيها لذلك نجد فيها صفة الانتقائية فهي تؤثر في مجتمع بعينه لأنها تتفق مع رموزه وثقافته واحتياجاته وصعوباته ومشكلاته ولا تؤثر في مجتمع آخر ربما لا يفهم مدلولاتها أو رموزها أو إيحاءاتها. وقد تفهم الشائعة في مجتمع بمعنى وتفهم في مجتمع آخر بمعنى مختلف بناءا على الرموز السائدة ومدلولاتها, فالبقرة في شائعة معينة تعنى عند بعض المجتمعات القداسة والاحترام وتعنى عند مجتمعات أخرى الغباء والبلادة, والكلب يعنى في مجتمع ما الوفاء والصداقة والإخلاص ويعنى في مجتمع آخر الخسة والدناءة والنجاسة والعدوان. وانتقائية الشائعة تجعلها سلاحا موجها يصيب المستهدفين دون غيرهم.

أنواع الشائعات:
ويوجز الدكتور النابلسي أنواع الشائعات في التالي:
1 – الشائعة الزاحفة: والتي تنتشر ببطء وبسري.
2 – الشائعة الاندفاعية: تنتشر بسرعة فائقة مستندة إلى مشاعر انفعالية عنيفة.
3 – الشائعة الغاطسة: تنتشر في ظروف معينة ثم تختفي (تغطس) لتعاود الظهور في ظروف مماثلة.
4 – الشائعة الأمل: وتنتشر في الأوساط التي تتمنى صحة هذه الشائعة.
5 – شائعة الخوف: وتنتشر في أجواء التهديد المولدة للمخاوف, وذلك لدفع الخائفين إلى التسليم.
6 – شائعة الخيانة: وتنتشر بصفة خاصة في أوقات الحروب والأزمات المصيرية, وتتركز عادة على الفئات المسئولة عن المواجهة مثل القادة السياسيون والعسكريون.
7 – شائعة البعبع: وهى شائعة خوف مبالغة.
8 – الشائعة العنصرية: (التمييزية): التي تحمل موقفا ما من جماعة عرقية أو طائفية.

نماذج للشائعات:
1 – شائعة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد, وشائعة قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه والتي تبعتها بيعة رضوان ثم صلح الحديبية.
2 – حادثة الإفك التي حاولت تشويه صورة السيدة عائشة وبيت النبوة.
3 – شائعة جيش التتار الذي يأكل الأخضر واليابس في طريقه ولا توجد قوة على الأرض تستطيع إيقافه.
4 - شائعة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
5 – شائعة أن إسرائيل تلوث مياه الشرب وتلوث الهواء في مصر.
6 – شائعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وللمدفع العملاق.
7 – شائعة تسمم الغذاء في المدارس وانتقال أعداد كبيرة من الفتيات على أثرها إلى المستشفيات.
8 – شائعة أن الأقمار الصناعية الأمريكية تعرف ماركة الملابس الداخلية لصدام حسين.
9 – شائعة أن شركة ماكدونالد تضيف الديدان على سندوتشات الهامبورجر لتزيد من محتويات البروتين فيها.
10 – شائعة الأطباق الطائرة ومثلث برمودا.
11 – شائعات العفاريت والجن والبيوت المسكونة.
12 – شائعات تلبس الجن بأشخاص معينين وإحداث أمراض بهم.
13 – شائعات الولاية والكرامات لبعض الأشخاص.
14 – شائعات القدرة الخارقة لدى بعض الأشخاص.
15 – شائعات يطلقها نجوم الفن لزيادة شهرتهم.
16 – شائعة أن المسلمين وراء حوادث الإرهاب في العالم.

أهمية الشائعة:

تلعب الشائعة دورا مؤثرا في الأحداث على المستوى الجماعي والفردي, ولنأخذ بعض الأمثلة لتأثير الشائعة:
أشيع أن سقراط يفسد عقول الشباب بما يطرح عليهم من تساؤلات, وقد أدى ذلك إلى حشد الرأى العام ضده ومطالبته بقتله وقد تم فعلا ذلك.
أشاع بعض أعوان نيرون أنه لم يحرق روما وإنما حرقها بعض المسيحيين مما أدى إلى حملة اضطهاد موجهة نحو المسيحيين في روما.
كادت شائعة قتل سيدنا عثمان أن تشعل حربا بين المسلمين وأهل قريش لولا اكتشاف عدم صحتها قبل أن تتطور الأمور.
كان التتار يستفيدون من إشاعة الرعب في قلوب المسلمين قبل غزوهم مما أثر على معنوياتهم وجعلهم يخشون لقاءهم إلى أن وفق الله القائد المظفر قطز فأعاد للناس رشدهم وشحذ هممهم ونقى نفوسهم من أثر الشائعات التي أحاط التتار بها أنفسهم وكانت النتيجة انتصار المسلمين عليهم في عين جالوت.
أطلقت أمريكا شائعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وبناءا على هذه الشائعة التي ثبت كذبها قامت بالحرب على العراق ودمرت دولة بأكملها وزرعت فيها بذور الشقاق.
شاركت بعض الفضائيات العالمية في إطلاق بعض الشائعات في السنوات الأخيرة بهدف التأثير في مجرى الأحداث.
تحارب بعض الشركات بعضها البعض عن طريق ترويج الشائعات والشائعات المضادة
كثيرا ما تتعرض البورصة لهزات شديدة بسبب إطلاق بعض الشائعات التي تهز الثقة أو ترفع الثقة في شركات بعينها.

هذه الأمثلة وغيرها كثير توضح كيف تؤثر الشائعة في الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وذلك من خلال التأثير في توجهات الناس وروحهم المعنوية, أو بلبلة الرأي العام وتفكيك الجماعة, أو التأثير في مسارات الأحداث, أو التأثير في الإنتاج والتسويق.

أشكال أخرى للشائعة:
الأسطورة: تعتبر الأساطير القديمة نوع من الشائعات, وقد كانت تقوم بوظيفة سد الفراغات المعرفية المتعددة في الزمن القديم حيث كانت المعرفة بدائية ووسائل الحصول على المعلومات قليلة.
النكتة: ثمة علاقة تربط بين النكتة والشائعة بحيث يمكننا اعتبار النكتة شائعة كاريكاتورية, والنكتة (مثل الشائعة) تحتوى على العناصر الأسطورية والتاريخية والعرقية والدينية والسياسية والاجتماعية للجماعة. والنكتة هي الشكل المفضل للشائعات التي لا تملك مقومات الشائعة, وهى بطبيعتها الساخرة تجتاز حواجز عقلانية ونفسية كثيرة, فالنكتة بذلك تسهل نشر الشائعة وتساعد على تخطى عقباتها وتعويض نقائصها.
الدعاية والإعلان: حين تتجه فنون الدعاية والإعلان إلى المبالغة أو التدليس في عرض سلع معينة أو الترويج لمشروعات أو شركات معينة فهي هنا تندرج تحت أسلوب الشائعات في ترويج أشياء غير حقيقية باستخدام وسائل الإبهار الفنية.
الإعلام: حين ينحرف الإعلام عن رسالته ويصبح بوقا لبعض القوى فإنه يتورط في نشر إشاعات كاذبة تأخذ صورة الأخبار أو التحقيقات أو المقالات مما يشوه الحقيقة ويسوق لأشخاص سيئين ويزور الحقائق والأحداث.

كيف نقاوم الشائعة:
نعود مرة أخرى إلى عناصر معادلة انتشار الشائعات فنؤكد على اليقظة للشائعات في أوقات الأزمات والحروب وفترات التحول السياسي أو الاجتماعي حيث يكون المناخ قابلا لانطلاق الشائعات. والعنصر الثاني والأهم هو توافر المعلومات الصحيحة والصادقة عن أي موضوع يهم الناس وتبنى أعلى درجات الشفافية مع الناس حتى لا يقعوا فريسة الغموض والالتباس. والعنصر الثالث وهو التركيبة النفسية للناس وذلك يستدعى الاهتمام بتعليم الناس وثقافتهم, والأهم من ذلك تربية النشء على التفكير النقدي الذي يمحص الأمور قبل أن يصدقها أو يقبلها أو يرفضها. وأخيرا إشاعة فضيلة الصدق في المجتمع واعتباره من أهم المقومات الأخلاقية للناس بوجه عام ولقادة السياسة والفكر بشكل خاص.


للمشاركة والتواصل:
maganin@maganin.com

اقرأ أيضاً:
أسباب فشل الحياة الزوجية / الجانب الأخلاقى فى شخصية المسلم المعاصر / جمال حمدان: المحنة ... العزلة ... العبقرية1 / بين الإبداع والابتداع / ظاهرة العنف في المجتمع المصري(3)/ أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(7) / الحالة النفسية للطفل مجهول النسب / سيكولوجية الرجل / إبداعات الخريف عند نجيب محفوظ(3) / قراءة في شخصية زويل(2) / قادة العالم واضطرابات الشخصية(2) / الزوج المسافر(4) / الشخبطة السياسية / فن اختيار شريك الحياة (5) / ضرب الزوجات للأزواج( العنف العكسي) / العلاقة الحميمة بين الجسد والروح (4) /  ستار أكاديمي.. وإزاحة الستر / الدلالات النفسية لزواج الأمير تشارلز من عشيقته / الجوانب النفسية للعقم عند النساء / السادو- ماسوشية (sado-masochism) / سيكولوجية الاستبداد (الأخير) / الدردشة الالكترونية وحوار الأعماق / النضج الوجداني / الحوار وقاية من العنف / اضطراب العناد الشارد / سيكولوجية التعذيب / المكتئب النعّاب / سيكولوجية التبني.. الكفالة.. الأسرة البديلة / كيف نمحو أميتنا التربوية؟ / الكــــــــــذب / الثانوية العامة .... مرحلة دراسية أم أزمة نمو؟ / العلاج بالقرآن من راحة سلبية إلى طمأنينة وجودية / شخصية الطاغية /  اضطراب البوال / البراجماتيزم... دين أمريكا الجديد / سعاد حسنى والجرح النرجسي / الصمت الزوجي / صلاح جاهين وثنائية الوجدان / المرأة في القرآن والسنة / الطفل البَك‍اء / نوبات الهلع عند المرأه / الصحة النفسية للمرأة / المازوخية / حيرة مريض نفسي بين الطب والغيب /  فن المذاكرة / قلق الامتحانات / لماذا غابت البهجة عن حياتنا ؟



الكاتب: د. محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 8/15/2006