إغلاق
 

Bookmark and Share

المرض النفسي دور الإيمان والعلاج بالقرآن ::

الكاتب: أ.د. وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 3/7/2006

 
قبل أيام استمعت لكلمة أحد الدعاة تكلم فيها حول حديثه صلى الله عليه وسلم أن لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك... إلى آخر الحديث ومما قاله ذلك الداعية الفاضل أن المسلم لو آمن بهذا الحديث فهو لن يكون بحاجة إلى أطباء نفسيين!

سؤال بحق جدير بالمناقشة وتوضيح المفاهيم التي ينطلق منها؛ فمفهوم أن
المرض النفسي لا يصيب المؤمن القوي هو أحد المفاهيم الخاطئة الشائعة بين المسلمين، وتفصيله هو أن المؤمن غير معرض لهزات نفسية لو صدق إيمانه، وأنه إذا سلَّم بأمر الله فسيشعر بالرضا النفسي الذي سينجيه من الأمراض النفسية، وفي هذا المفهوم من التعميم والتعتيم مع الأسف ما يضر أكثر مما ينفع، فكل بني آدم معرضون للهزات النفسية مثلما هم معرضون للإصابة بالبرد، لكن الصحيح والذي تكرر إثباته في الدراسات العلمية هو أن المتدينين (بأي دين) هم أقل عرضة من غيرهم لكثير من الاضطرابات النفسية الرد- فعلية Reactive Psychiatric Disorders أي التي تفهم كرد فعل للأحداث الحياتية ويسمونها في التصنيف الأخير لمنظمة الصحة العالمية ICD-10 باضطرابات التأقلم Adjustment Disorders، ذلك أن طمأنينتهم النفسية تفيدهم وتحميهم فهم يمتلكون معنى للحياة ولوجودهم فيها، وهذا المعنى -الذي هو أسمى في الإسلام من غيره- وأنا متحيز لديني لا أنكر، هذا المعنى هو الذي يقصده الشيخ بالجزء الثاني من عبارته وهو الرضا النفسي بأمر الله سبحانه وتعالى، وهنا يكون كلامنا عن التدين الأصيل.. ولنعرف معنى التدين الأصيل أحيلكم إلى مقال:
أنماط التدين من منظور نفسي إسلامي  .

إلا أن الأمراض النفسية والعقلية أمرها مختلف تماما عما سبق، والمشكلة التي جعلتني أسِمُ المفهوم بالتعميم والتعتيم هي أن الناس في بحثهم الطبيعي عن الأسباب سيبحثون لصاحب اضطراب التأقلم Adjustment Disorder كما سيبحثون لصاحب مرض اضطراب
الاكتئاب الجسيم  Major depression وغيره من الأمراض النفسية عن أحداث حياتية حدثت لهم، وفي هذه الحالة مع الأسف سيصبح المرضى مظلومين؛ لأن أحدا من عامة الناس الذين يتوجه إليهم الشيخ الفاضل بكلامه لن يفرق بين ما هو اضطراب نفسي رد-فعلي وبين ما هو اضطراب نفسي قائم بذاته، وبالتالي سيصبح الاعتراف بالمرض النفسي إعلانا من جانب المريض وأهله أنه غير راض بقضاء الله، أفليس ذلك ظلما؟

ألا يحول ذلك بين المسلم وبين طلب العلاج الذي هو أمر صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو القائل في الحديث الذي رواه الترمذي: "يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء"، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء"، وفي الحديث الذي رواه أحمد: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض روايات أحمد استثناء "الهَرم" فإنه ليس له شفاء، فهكذا يكون تصرف المسلم تجاه نفسه وجسده.

ومن المهم هنا أن أنبه هنا إلى حقيقة غائبة مع الأسف عن كل من يتهمون الطب النفسي بأنه إفراز غربي لا علاقة له بالإسلام، ورافد هذه الحقيقة الأول هو أن الإسلام في تعامله مع الإنسان إنما تعامل معه كوحدة جسدية نفسية متكاملة، وكذلك كان تعامل أطباء المسلمين العظام، ومن ذلك أنه في أول مستشفى في التاريخ البشري -والذي أقيم في بغداد- عومل المريض النفسي كما يعامل أي مريض فكان المريض النفسي يعالج في تلك المستشفى وفي مستشفى قـلاوون بالقاهرة في القرن الرابع عشر جنبا إلى جنب مع مريض الجراحة والباطنة والرمد، وهذا هو ما احتاج الغرب ستة قرون لكي يصلوا إليه على أنه أحدث الصيحات في علاج المريض النفسي مع غيره من المرضى لما لذلك من أثر جيد في تصحيح المفاهيم التي ترى المرض النفسي مجلبة للعار، وتفصل بين المريض النفسي وبين سواه من المرضى؛ مما يسبب إعاقة اجتماعية بعد الشفاء أكثر من المرض نفسه!

وإذا نظرنا إلى ما كان يحدث في الغرب فسنجد أن التعامل مع المريض النفسي كان مختلفا تماما عن التعامل مع المريض بأمراض الجسد الأخرى، فبينما تولى القساوسة الفصل في أمر الأول وغالبا حكموا عليه بأنه تسكنه الأرواح الشريرة فكان يحرق أو يصلب أو غير ذلك، بينما تعامل الأطباء والجراحون مع الأمراض الأخرى.

أما أطباء المسلمين فقد تعاملوا مع المرض الذي يصيب النفس كما تعاملوا مع المرض الذي يصيب الجسد باعتبارها كلها ابتلاءات من الله سبحانه وتعالى، وتستطيع الرجوع إلى عظماء أطبائنا كابن سينا وأبي بكر الرازي وإسحاق الإسرائيلي وكثيرين غيرهم لتجد طرق علاج للاكتئاب وغيره من الأمراض ولأبي زيد البلخي لتجد برنامج علاج سلوكي معرفي لمرضى الوسواس.

باختصار شديد.. فإن معلومات الشيخ عن الأمراض والأعراض النفسية قاصرة مع الأسف وكذلك معلوماته عن تاريخ الطب عند المسلمين، ولو أن أطباء المسلمين وجدوا في عصرهم حاجة أو ضرورة للتخصص لكان هناك طبيب النفوس أيضًا!

ولعل في الروابط التالية ما يبين لك خطأ ما ذهب إليه الشيخ إذا أُخذ على إطلاقه، وحاجتنا إلى إعمال العقل وصولا "لعلمية القول"، على المنابر مثلما هي حاجتنا إلى علمية القول في كل مكان يأخذ فيه الناس المعلومات عن دينهم ودنياهم:
الاكتئاب الجسيم كيف يسلب الإيمان؟
الاكتئاب الجسيم كيف يسلب الإيمان متابعة
الاكتئاب الجسيم كيف يسلب الإيمان مشاركة
بين الرقاة - مس قرين؟؟! أم وسواس قهري؟؟!!!

"أبو حامد الغزالي" يعاني الاكتئاب وفيها الرد على من يسأل:

 (لماذا نرى من نظنهم مؤمنين على غير هذه الحالة من الكمال؟!!)

كذلك لدينا مقولة شائعة هي (أن الأمة المسلمة ليست بحاجة إلى أطباء نفسيين لأن القرآن يكفيها!؟) ومما لا شكَّ فيه أنَّ قلوبَ المؤمنين تطمئنُّ بذِكْرِ الله عز وجل وعليهِ فإنني لا أستطيع كطبيبٍ نفسي مسلمٍ أن أدَّعى أنَّ ذلك خارجَ تخَصُّصي ولا أستطيع كمثَقَّفٍ مسلمٍ أنْ أقبل بالوضعِ الذي يسمحُ لكلِّ من هبَّ وَدَبَّ أنْ يدَّعِيَ العِلمَ بالأمراض النفسيَّةِ وعلاجها حتى وإن كان عالِمًا بالقُرْآنِ وبعلومِ الدين! لأنَّ علمَ الأبدانِ غير علمِ الأديان وما النفس إلا انعكاسٌ لحالَةِ البَدَنِ؛ ومنْ يعالِجُ الأمراض النفسيةَ لابُدَّ أنْ يكون عالمًا بماهِيَتِها وبالتغَيُّراتِ البدنيةِ المصاحِبَةِ لها كما أنَّ من يُسْمَحُ لهُ بالتَّصَدِّي لآلامِ الناسِ وأوجاعِهِمْ لابُدَّ أن يكونَ كُفْءً لذلكْ، وللأسف فإن معظم المعالجين بالقرآن الكريم اليوم هم في أحسن الأحوال علماء شريعة ومنهم من يضرب المصاب بالصرع حتى يدميه ليخرج الجني طبعا بعد أن يأمره مشكورا بترك عقَّاقيره العلاجية!

ولابدَّ حقيقة من توضيح الفرقِ بين العلاج بالقرآنِ الكريم على أساسٍ فكريٍّ معرفيٍّ واضح ومن قِبَلِ من يعرف ما هو المرضُ وما أشكاله وأسبابه ، وبين من ينسب المرضَ النفسي إلى فعل الجنِّ ويتعامل مع آيات القرآنِ وكأنها تعاويذُ يؤثِّرُ بها في الجن وما إلى ذلك ويفعل أشياءً ما أنزل الله بها من سلطان ربما يصدقها هو نفسه إن كان سليم النية ويصدقها الآخرون على أنها دلائل على وجود الجني في بدن المريض؛ لكن الذي يشعرُ المسلم العالمَ بحقيقة الأمور ويخجله هو أن المنوم المغناطيسي أيا كانت ديانته للأسف يستطيع أن يفعل نفس الأفعال التي يفعلها ذلك الشيخ الهمام فيجعل المريضة تتكلم بصوت رجل والعكس دون أن يستخدم شيئًا من القرآن فكل هذه ممارسات ما أنزل الله بها من سلطان لا تحتاج إلا لمريض لديه قابلية عالية للإيحاء ورغبة غير واعية بالتالي في إسعاد المعالجِ أيا كان فيجدُ نفسه يفعل ما يريدُه المعالجُ ويحسب الأخير نفسه قد أنطق الجنَّ كما يحسب الكثيرون!!، ولنقرأ في ذلك :
العلاج بالقرآن من راحة سلبية إلى طمأنينة وجودية .
التفكير العلمي في مقابل التفكير الخرافي

ولا أضيف إلا التذكير بأن المبعوث بالقرآن صلوات الله وسلامه عليه كان يأمر أصحابه بالتطبب لدى الحارث بن كلدة لم يأمرهم بالاكتفاء بالقرآن والرقية الشرعية، فهل لم يكن لديه صلوات الله وسلامه عليه ما هو بالتأكيد أكثر وأصلح من كل ما لدينا؟ لكنه رغم ذلك أمر بالتداوي!، وقد أوردت الدليل في أول المقال، فهل لم ينتبه صلوات الله وسلامه عليه وهو المعصوم إلى أن القرآن يكفينا؟

وبعد فإن هذا المفهوم وغيره في حياتنا كمسلمين ما يزال رغم كل جهودنا وجهود مستشارينا وغيرهم من أهل العقل والعلم والدين، ما يزال يحتاج إلى كثير من البحث، وما زلنا نحاول أن نتلمس خطواتنا في استعادة  الطب النفسي الإسلامي وتصحيح المفاهيم عند أهلنا وبني جلدتنا، ففكروا معنا وشاركونا.

للتواصل:
maganin@maganin.com 

 اقرأ أيضا:
  الطب النفسى شبهات وردود
 الطب النفسى الإسلامى



الكاتب: أ.د. وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 3/7/2006