عادةً ما يعتقد الناس أن العلاقات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تكون فيها المسافات قصيرة والمساحات مشتركة، وأن القرب يعني بالضرورة اندماجًا كاملاً مع الآخر، ولكن الواقع ليس دائمًا بهذه البساطة، فليس كل اقترابٍ صحيًا، وليس كل ابتعادٍ جفاء، وما بين القرب الخانق والتباعد البارد، ثمة مسافةٌ وسط يصعب على كثيرين تحديد إحداثياتها بدقة، إنها تلك المسافة الآمنة التي تحميك وتحمي الطرف الآخر من أخطاء التفاصيل الصغيرة، ومن الاحتكاكات اليومية التي تستهلك العلاقة ببطء.
في علاقاتنا الإنسانية، نميل بطبيعتنا إلى إلغاء الحدود سريعًا. نظن أن الألفة تعني أن تصبح شريكًا في كل شيء، من الأفكار، إلى المشاعر، مروراً بجميع التفاصيل اليومية المملة، ولكننا نتجاهل حقيقة أن القرب الزائد حاله حال الإضاءة الزائدة، قد يعمي بدل أن يضيء، فكلما اقتربت بشكلٍ مبالغٍ فيه من تفاصيل الآخر، تصبح عرضةً للاصطدام بعيوبه الصغيرة التي لم تكن تراها سابقًا، وتتحول التفاصيل البسيطة إلى سبب دائم للشجار أو العتب أو الإحباط.
المسافة الآمنة لا تُقاس بالأمتار ولا بالسنتيمترات، بل بمقدار ما نتركه من هوامش للآخر كي يكون نفسه دون رقابة مستمرة، وبمقدار ما نمنح أنفسنا أيضًا الحرية كي نتنفس بعيدًا عن عيون من نحبهم، وهي مسافة نحافظ فيها على خفّة العلاقة، وتظلّ اللهفة فيها حاضرة دون أن تتحول إلى عبء.
قد يُخطئ البعض في فهم هذه المسافة ويظنونها فتورًا أو أنانية، أو رغبة في الانعزال، لكن الحقيقة أن من يحبك حقًا يُدرك جيدًا أن هذه المسافة ليست جدارًا تقيمه بينكما، بل نافذة صغيرة تُتيح للعلاقة أن تتجدد مع كل إطلالة، وهي مسافة تمنح الطرفين فرصة لأن يرى بعضهما بعضاً بوضوح، دون أن يُثقلهما القرب الذي يختزل كل مساحات التنفس!
كثير من العلاقات تفشل لأنها كانت أقرب مما ينبغي، ولأن أحد الطرفين أو كليهما قرّر أن يختزل المسافة تمامًا، معتقدًا أن الحب يعني الذوبان الكامل في الآخر، غير أن هذا الذوبان، وإن بدا جميلاً في البدايات، هو في الحقيقة أسرع الطرق لفقدان الذات، وفي النهاية لفقدان العلاقة نفسها!
المسافة الآمنة ليست برودًا في المشاعر، بل هي إدراكٌ ناضج أن الحب ليس امتلاكًا، وإنما توازن دقيق بين «قرب يكفي لنطمئن»، و«بُعدٌ يكفي لنشتاق»، فهي مساحة احترام للخصوصية، وتقدير للاختلاف، وفهم عميق بأن التعلق الشديد قد يخنق، والتباعد الطويل قد يُنسي!
لذا، إذا كنت ترغب في علاقات صحية تدوم طويلًا، فعليك ربما أن تتقن فن الحفاظ على تلك المسافة الآمنة:
أن تقترب دون أن تؤذي، وأن تبتعد دون أن تُغادِر!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
في حضرة... ما لم يحدث! / اتزانك النفسي... في زمن ترامب!
