السيكولوجيةالفطرية لتكوثر وعلاج الشخصية الحدية
متلازمة الطفلة المدللة والطفل الشقي
في أسرة منفصلة يعيش طفل مع أمه التي تعمل من الصباح للمساء يتعرض هذا الطفل للتوبيخ اليومي على أي خطأ يعمله حيث يثير خوفه فيبدأ بالبكاء الشديد فيرد أحد الوالدين توقف عن البكاء فورا أو يتم ضربك الأمر لا يستحق كل هذا الخوف يبدو المشهد يوميا وبسيطا و لكنه حين يتكرر على مدى سنوات الطفولة حتى البلوغ فتشكل نواة لمعاناة نفسية ممتدة بين ما يشعر به الطفل في داخله وبين رفض المحيط الاعتراف بصدق هذه المشاعر وتتثبت النفس عليها
بالمقابل طفلة جميلة تعيش في بيئة أسرية مستقرة ترتيبها الأخير يقوم الوالدان بدلالها والثناء عليها مهما عملت من أخطاء وكذلك يفعل محيطها بالمدرسة واستمر ذلك على مدى سنوات الطفولة فأصبحت تعتبر نفسها وجمالها معيار للصح والخطأ حيث بدأت متقلبة المزاج والرأي إذا لم يتم تلبية ما تريد من قبل والديها والمجتمع
يبدو ظاهريا أننا أمام مشهدين واضطرابين مختلفين ولكن من وجهة نظر فطرية أننا أمام اضطراب واحد وهو الخلل الفطري بتكوثر الخريطة النفسية بنهاية الطفولة وبداية البلوغ حيث يغيب عن الطفل أي معيارية ثابتة لفكره وسلوكه فبدل تعبيد الطريق للقيم الفطرية وصورة المقدس لتأخذ مكانتها ومعيارتها بشكل سوي بالخريطة النفسية إلا إن تشوه المحيط سواء بالعنف بحال الطفل أو التأرجح بحال الطفلة حجب التفتق والعمل السوي للغرائز القيمية الفطرية الثابتة والتي ستشكل إطارا مرجعيا لفكر وسلوك الشخص خلال حياته حيث كوثر هذا التشوه اضطراب الشخصية الحدية من خلال التفاعل المشوه البيولوجي الفطري مع البيئة المحيطة والتي تؤدي لتمركز المعيارية القيمية حول ما ترسخه البيئة المحيطة بدل القيم الفطرية فتصبح قيمة الجمال الترابية والمجتمع هي معيار السلوك والفكر والمشاعر بدل المقدس و القيم الفطرية الحقيقية
تتسم الشخصية الحدية بسبب ربطها بالمجتمع وقيمه المتغيرة بعدم الاستقرار المزمن في العلاقات الشخصية وصورة الذات والتنظيم الوجداني الانفعالي وتبدأ مظاهر هذا الاضطراب في التشكل بوضوح خلال مرحلة المراهقة و بدايات البلوغ لترسم مسارا حياتيا يتأرجح بين الأزمات العاطفية الحادة والسلوكيات الاندفاعية المهددة للذات.
يتمثل المحرك الأساسي لديناميات هذه الشخصية في الرعب من فكرة الهجر والتخلي حيث يبذل الفرد الحدي جهودا مضنية وغالبا ما تكون يائسة ومتهورة لتجنب هجر حقيقي أو متخيل من قبل الأشخاص المحيطين به. وهذا الخوف المتأصل يقوده إلى تشويه منهجي في إدراك الواقع الاجتماعي إذ يفسر الانفصال المؤقت أو التأخر البسيط في الاستجابة كعلامة على الرفض والنبذ ونتيجة لذلك تتسم العلاقات الشخصية بالتقلب العنيف والدرامية العالية.
ويظهر البناء النفسي للشخصية الحدية بتأرجح علاقاته بين قطبين متطرفين قطب المثالية المفرطة حيث ينظر للطرف المتعاطف والمغذي لمشاعره أنه منقذ ومصدر مطلق للرعاية وقطب التبخيس الذي يحدث فجأة عند أول شعور بخيبة الأمل أو الرفض المتخيل ولا يقتصر هذا التأرجح على الآخرين بل يمتد ليشمل الهوية وصورة الذات حيث يعاني الفرد من اضطراب عميق في الإحساس بكيانه وأهدافه وميوله.
تترافق هذه الهشاشة الوجدانية مع اندفاعية شديدة الخطورة تتبدى في مجالات متعددة قد تلحق ضررا بالنفس مثل الإنفاق المتهور والقيادة الرعناء أو السلوكيات الشرهة ولا تفهم هذه السلوكيات بوصفها استجابات ألم جسدي بل محاولات يائسة لتخفيف الألم النفسي الذي لا يطاق أو للتعبير عن الغضب أو وسيلة قهرية للسيطرة على الآخرين ومنعهم من الرحيل.
تشير الملاحظات الإكلينيكية إلى أن الفرد الحدي يعاني من إحساس مزمن بالفراغ والخواء وصعوبة بالغة في التحكم في موجات الغضب الشديد وغير المناسب للسياق وهذه الطبيعة العاصفة للاضطراب تجعل التدخل العلاجي تحديا حقيقيا إذ يعيد المريض إنتاج نفس ديناميات التعلق مع المعالج مما يتطلب إطارا علاجيا شديد التماسك والاحتواء لضبط إيقاع الاستجابات الانفعالية وإعادة دمج صورة الذات مع قيمه الفكرية الثابتة بدل القيم المتغيرة التي تثبتت شخصيته عليها وتكلست بالخريطة النفسية، فالاضطراب ينشأ من تفاعل معقد بين البيئة والاستعداد الفطري البيولوجي حيث تتمركز قيمة الشخص وانفعالاته وفكره وسلوكه حول القيم الترابية المحسوسة والتي تثار بالسيالات البيوكهربائية البصرية والسمعية
حين يلتقي هذا الاستعداد الحساس ببيئة ترفض الاعتراف بانفعالاته و تبدأ الصعوبات النفسية بالتراكم في كل بيئة ومحيط لا يغذي القيم المشوهة التي تكوثرت خريطته النفسية عليها وأي تجاهل وإهمال يكون كمن يعاقب الفرد على تعبيراته الانفعالية الطبيعية مما يولد ضعفا عاطفيا مزمنا بالخوف من الهجر والرفض وفي هذه البيئة ينشأ الفرد وهو غير قادر على الثقة في بوصلته الشعورية الداخلية التي تمركزت حول قيم ترابية مشوهة ومتغيرة بدل القيم الأساسية المعيارية والثابتة إذ يتلقى رسائل متواصلة تفيد بأن ما يشعر به خاطئ أو مبالغ فيه وتتخذ هذه البيئة في حالات كثيرة أشكالا أكثر إيذاء فنسبة كبيرة من مرضى الشخصية الحدية نشؤوا في بيئات تعرضوا فيها لصدمات نفسية أو لاعتداءات جسدية من أشخاص يفترض أن يكونوا مصدر أمان كالآباء أو الإخوة الكبار حيث يتشوه برنامج الغرائز الفطرية بين عنف الأقارب بدل حفظ الكرامة والرعاية المتوقع من قبلهم حيث تؤدي ضعف التغذية الراجعة مع الوقت لرغبات المريض الحدي إلى قصور في مهارات تنظيم الانفعال فيصعب على الفرد معايشة المشاعر السلبية كالحزن أو الغضب بطريقة صحية ويحصل لديه ما يشبه أعراض الانسحاب بالإدمان حيث أدمنت خريطته النفسية وتمركزت حول إشباع قيمه المشوهة التي تكوثرت بسبب عنف وتشوه البيئة المحيط فيلجأ إلى سلوكيات مؤذية للتخلص من أعراض السحب التي أدمن عليها بالثناء في حال الطفلة أو التخلص من الإهانة في حال الطفل للحصول على قيمة واحترام الذات وتعتبر هذه السلوكيات آليات تكيف غير سوية يحاول الفرد بها التخفيف من توتر انفعالي شديد لم يتعلم كيف يحتويه أو يعبر عنه بأمان
اتجاه العلاج النفسي الفطري يأخذ منحى جديد بالعلاجات النفسية فبدلا من لوم المريض على سلوكياته الاندفاعية فإنه يتجه إلى إعادة تبصير المريض بحقيقة خريطته النفسية وسبب معاناته بسبب انحراف قيمه ومقدسه من القيم الفطرية إلى القيم الترابية الحسية وإعادة إصلاح صورة المقدس والقيم الفطرية وتثبيته على قيمة فطرية واحدة بالبداية مع تدريبه تدريجيا على تفعيلها من أجل تنظيم انفعالاته لكسر دائرة الاضطراب وتصحيح مسار التنظيم الذاتي وتدريبه على تحمل الرفض الاجتماعي والشعور بالوحشة والهجر وربط قيمته بالمقدس الخالق وقيمه الفطرية بدل المحيط المتغير مما يؤدي لثبوت واستقرار انفعالاته لأنها تمحورت حول قيم ومقدس ثابت تمنحه قيمة ثابتة حتى لو لم يحصل على ثناء المحيط ومدحه بدل القيم والمقدس المشوه الذي نشأ عليه في بيئته فلو تعرض مثلا للرفص الاجتماعي فإنه يكسر حلقة الرفض بقوله أن قيمته لا تستمد من المجتمع بل من المقدس وقيمه الفطرية ويتم تدريبه مثلا على تفعيل غريزة العطاء حتى يبدأ يشعر بقيمته بشكل عملي ولكن دون أن ينتظر مقابل اجتماعي بل تغذية ذاتية لقيمه الفطرية وصورة مقدسة الثابت وهكذا يتم تفعيل بقية قيمه الفطرية وربط قيمة وصورة الذات بها حتى يتم تنظيف الخريطة النفسية مع الوقت من جميع الإشراطات السلبية التي تكوثرت وتكلست منذ نهاية الطفولة وبداية البلوغ.
واقرأ أيضًا:
متلازمة المرأة السلفع بين النضج النفسي وتدمير الذات / اليومُ الوطنيُّ والصحةُ النفسيةُ من انتماءِ الجماعةِ إلى وطنِ القيمِ1
تعليقات القرّاء
لم يُكتب تعليق بعد. كن أول من يكتب.
أضف تعليقك