مدونة

هل (المريض) مسير أم مخير؟؟

هل (المريض) مسير أم مخير؟؟

 سؤالٌ فلسفيٌ وجوديٌّ عميق، غير أنني أواجهه في عملي يوميًا؛ يسأله الصغير والكبير، والآباء والأبناء:

«هل يفعل ابني أو ابنتي هذا الذي يفعله بإرادته أم رغماً عنه؟»، «هل هذا خطأ في التربية؟ أم جبلة وفطرة فطره الله عليها فلا تتغير؟»، «هل في مقدوري أن أتغير؟ لقد حاولتُ كثيرًا ولا فائدة...»

وكلما اتسعت رقعة الطب النفسي وشمل بأساليبه العلاجية المزيد من السلوكيات غير السوية، زادت حدة النقاش، وتجاوز الأمر حدود المرض الصريح الذي تنتفي معه الإرادة والمسؤولية.

سؤالٌ تحير فيه الفلاسفة، وانقسم حوله علماء التوحيد والعقيدة، يحسمه الله جل وعلا في جملة واحدة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ فأثبت للإنسان مشيئةً هي مظهر من مظاهر مشيئته سبحانه، لا تتجاوزها ولا تعارضها!

ثم أثبت قدرة الإنسان على التغير، وأعلن سبحانه أنه لن يغير الإنسان إلا إذا أراد هو أن يتغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وقد انقسم علماء الفلسفة قديماً بين جَبْريٍّ يرى الإنسان مُسيَّرًا مغلوبًا على أمره، وقَدَريٍّ يدعي أن الإنسان يصنع قدره ويرسم أبعاد وجوده بمفرده.

وغفل الفريقان عن حقيقة جليّة؛ وهي أن مشيئة الله خافية عن أعين البشر، فلا يستطيع الإنسان أن يحتج بها في قراراته المستقلة. وحين احتج الكفار بأن كفرهم قدرٌ من الله كتبه عليهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، رد عليهم سبحانه قائلاً: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾؛ أي: هل عندكم علم بقدر الله عليكم بأنكم ستظلون كفاراً فلا تؤمنون حتى تموتوا؟ فإنكم إن آمنتم الآن وغيرتم بإرادتكم ما أنتم عليه لكان قدر الله عليكم هو الإيمان. والأمر كما قال عمر رضي الله عنه حين قيل له: «أتفرُّ من قدر الله؟» فقال: «نعم، أفرُّ من قدر الله إلى قدر الله».

فالطبيعة الديناميكية المتحركة للنفس والحياة لا تمنح الإنسان فرصةً للاحتجاج بالقدر؛ إذ لا يمكنه أن يزعم أن شخصيته الآن وتصرفاته الراهنة هي قدر الله النهائي المكتوب على جبينه، ما دام لا يزال حياً وأمامه الفرصة للتغيير في كل ثانية. فإذا غيّر من نفسه للأفضل أو للأسوأ، فقد أضحى هذا قدراً جديداً لم يكن موجوداً في اللحظة السابقة. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». وقد بلغ من فقه الفاروق رضي الله عنه أنه كان يقول: «اللهم إن كنتَ كتبتني عندك شقياً فامحُني واكتبني سعيداً، فإنك سبحانك تمحو ما تشاء وتثبت».

هذا عن الدين، فماذا عن العلم؟

كلما تقدم علم الوراثة النفسية، اتضح للباحثين في هذا المجال مدى أهمية الجينات في تحديد سلوك الإنسان وردود أفعاله تجاه ظروفه البيئية؛ فلا يوجد ظرف أو ضغط نفسي —مهما بلغت شدته— يستطيع المرء من خلاله التنبؤ بمآل الإنسان المتعرض له، أو بشخصيته وسلوكه بشكل كامل. فهذا يتعرض لضغط هائل فيخرج منه سليم النفس سوي السلوك، وذاك يتعرض لضغوط عادية يتعرض لها الملايين يومياً فيُصاب بمرض نفسي عضال أو انحراف سلوكي خطير؛ حتى مال بعض العلماء المعاصرين إلى فكرة الجبر الكامل، ورأوا أن الإنسان مسيَّر عبر جيناته الوراثية، لا اختيار له ولا إرادة!

ومرة أخرى، غفل هؤلاء عن حقيقة علمية واضحة؛ وهي أن الجينات الوراثية ليست كياناً جامداً ثابتاً منذ الولادة حتى الموت، بل هي كيان ديناميكي متغير، دائم التفاعل مع المدخلات البيئية الواردة عبر الحواس الخمس. بل إن الجينات يُعاد «تشغيلها» و«إطفاؤها» طوال الوقت من خلال عمليات كيميائية معقدة تتحكم في تفعيل هذه الجينات وتغيير مسارها وتأثيرها، إما بتأثير الظروف المحيطة، أو حتى بمجرد مرور الوقت. وهو ما يمنح الإنسان أملًا لا ينقطع بأن الوقت المناسب للتغيير قد يكون الآن أو غدًا، وأن الظروف التي لم تكن مواتية لهذا التغيير بالأمس قد تغدو مواتية له اليوم. وهذه الحقيقة ترد على المحتجين بالقضاء والقدر معلنةً أن الفرصة لتغيير أقدارك قائمةٌ ما دام فيك نفسٌ يتردد، حتى إذا جاء الموتُ خُتم على العمل، واستقر الأمر على ما قدره الله منذ الأزل: «إما شقيٌّ وإما سعيد».

واقرأ أيضًا:
عن المناعة النفسية .. وتحمل الإحباط
الاضطرابات النفسية: ظواهر مرضية أم أعراض شيطانية؟؟

تعليقات القرّاء

لم يُكتب تعليق بعد. كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

لا تكتب رقم هاتف أو بريدًا. يُراجَع كل تعليق لغويًا قبل نشره، فنصحّح الإملاء والترقيم.