سلطان هذا الزمان بين مرسي وسيرة عثمان
من يجب أن يقود الشعب وحكومته؟
سؤال يثير الكثير من الجدال. في الحياة العملية وعلى أرض الواقع يتم إعطاء منصب وظيفي لإدارة شركة أو بنك لمن هو أفضل الناس تأهيلاً ومقدرة على القيام بهذا العمل. ترى البنوك العالمية تفعل ذلك وتعطي الرواتب الخيالية لمن يتولى إدارة البنك. تتصيد الجامعات العالمية أكثر الأفراد كفاءة من الرجال والنساء للقيام بدور عميد الجامعة أو رئاسة قسم، كذلك الحال مع إدارة الشركات العالمية في جميع قطاعات الحياة.
أما في المجال السياسي فالأمر غير ذلك. هناك أنظمة تعني بوراثة السلطة نسبتها في العالم العربي تفوق ما تراه في بقاع الأرض عامة وطبيعة وراثة السلطة يكاد يكون مرضياً في محتواه. هناك من يتسلم السلطة بالقوة وهو لا يختلف عن الأخير بكثير. وهناك بالطبع الإطار المثالي الديمقراطي، والذي بدوره لا يخلو من العيوب.
يختار الشعب بمختلف طبقاته إنساناً لمعايير لا عد لها ولا حصر ولكنها لا علاقة لها بكفاءته الإدارية لتسلم عمل أكثر تعقيداً من قيادة بنك أو جامعة. المعايير تميل الى العواطف أولاً وتتأثر بشعارات انتخابية مضللة. تم تدمير اليونان وإيطاليا بفضل ذلك، ولا أحد يرغب اليوم في قيادة أسبانيا. هناك من ينادي اليوم بتسليم قيادة البلد الى غير رجال السياسة من الماهرين والمعروفين بالتكنوقراط Technocrat.
القيادات العربية في هذا الزمان في وضع لا يحسد عليه. العراق وسوريا مهددتان بجفاف البيئة قبل 2050 بفضل سياسة الأتراك العدوانية، وجفاف اليمن سيحدث قبل ذلك. الربيع العربي لم يولد قيادة ترضي شعوبه، ولم يكن استقبال القيادة التونسية في الوطن نفسه مثيراً للإعجاب. الحرب الأهلية في سوريا ولا أحد يعرف مصير لبنان والأردن وفلسطين. أما الخليج العربي فتنتظره كارثة سكانية لم تستوعبها بعد منظمة التعاون الخليجي حيث أن القوة المحركة لاقتصاد البلد معظمها من شبه القارة الهندية وهذا ما حدث في فيجي وسيأتي اليوم الذي تدير به دلهي أمور أقطارهم. وأما محرك العالم العربي في القاهرة فلا يزال عاطلاً بعد انتخاب السيد مرسي الذي لم يدر مؤسسة حكومية من قبل.
من هذه المقدمة القصيرة لا بأس من العودة لحقبة تاريخية توضح من يجب أن يقود بلاد العرب والأمة العربية؟
لمحة تاريخية عن عثمان (رض)
كانت سنة 650 م فاصلة في سيرة الشيخ الفاضل الذي تجاوز عمره 75 عاماً، ونهاية لذروة سياسته الاقتصادية، الفكرية، العمرانية بل وحتى العسكرية. ما حدث في عام 651 كان مؤشراً لبداية خلافات داخلية في الأمة الإسلامية لم يفلح الحكام ورعاياهم على تجاوزها إلى يومنا هذا.
كان الشيخ مولعاً بهندسة الري ومواظباً على توفير مياه الشرب الصالحة للسكان، التي تشتهر بشحتها وعدم صلاحيتها في العالم العربي حتى في عصرنا هذا. تقول الأسطورة أن عثمان كان على رأس فريق من العاملين لإصلاح وتعميق أحدى الآبار، وحدث ما لم يكن في الحسبان وفقد الشيخ خاتم النبوة والخلافة. لم يفلح غطاس بعد الآخر في العثور على الخاتم وضاعت مع الخاتم أيام صفاء وهناء. كان وقع الحدث مؤلما على شيخ مسالم كبير السن وتولد عنده اقتناع حصاري (وسواسي) بأن الكوارث في طريقها إليه، وهذا ما حدث فعلاً منذ 651م حتى 6566 حين ودع الدنيا.
ورث عثمان، الابن الوحيد، ثروة هائلة وهو في العشرين من عمره. كان نصيبه من الثقافة وإدارة الأعمال التجارية عبر طرق اليمن وسوريا أكثر من شباب عصره. ساعده في ذلك نشأته الأرستقراطية، وسامته، وأناقته التي لم تفسدها آثار الجدري على وجهه. تزوجت أمه أروة بعد رحيل زوجها من عقبة وولدت أخوة لعثمان كان لهم دورهم في حياته أثناء أيام حكمه. كانت سيرته الذاتية على النقيض من سيرة الرسول الكريم، ولذلك كان إسلامه المبكر غير متوقع، ولا يفسره سوى تنوره الفكري والروحي وسعيه للعثور لمعنى لهذه الحياة.
اختاره الرسول الكريم ليقود هجرة أحد عشر رجل وأربعة نساء إلى الحبشة. لم يكن هذا الاختيار عشوائياً، وربما كان هدفه اقتصاديا بحتاً لمهارة عثمان التجارية. تقول المصادر أن رقية بنت محمد أنجبت له عبد الله الذي توفي طفلاً، وكان وقع ذلك شديداً على الوالدين. تزوج عثمان أيامها من رملة الفتاة الأرستقراطية وكان مهرها 40000 درهماً، وقيل أنه تزوج من أم كلثوم بنت محمد (ص) التي وصفته بأفضل الأزواج.
كان مولعاً بأمور الري وله الفضل بتحسين احتياجات أهل المدينة الأساسية من خلال مساندته المادية والاقتصادية. كان واحداً من قمة مواقفه الإنسانية التي تعكس طيبة قلبه مبادرته بالتصرف بالنساء الأرامل وأطفال بني قنيقاع وتصريفهم اجتماعيا. لم يكن محارباً، ولم يشارك فعلا في عمل عسكري، ولكنه كان مثال الرحمة، الكرم، العطاء، الثقافة، الرعاية بالنساء، الإخلاص الزوجي، والكفاءة بالعمل. باختصار ليس هناك من كره أو يكره عثمان.
لم يتأخر كرم الله وجهه علي بن أبي طالب في مد يده مبايعاً له. كذلك لم يكن في حساب جميع المتطلعين إلى السلطة أن الشيخ الذي جاوز عمره 70 عاماً سيعمر أكثر من عقد من الزمان. لم يكن جندياً ولا خطيباً، وكانت خطبته الرئاسية بضعة أسطر تركت ابتسامة على وجه الجماهير التي أرهقها الخليفة الراحل بقسوته عليهم، وعلى شخصه وأهله أيضاً.
كانت السنوات الست الأولى فترة زمنية لانتعاش حضاري، اقتصادي، عمراني، وفكري. صاحب تلك الفترة انفجار سكاني واختلاط عرقي كان له الأثر الكبير على المفهوم الديني والعرقي للقومية العربية. توفرت مياه الشرب أيامها وبنيت السدود بصورة منتظمة. قام أيضا بوضع الأسس لنظام الضرائب اعتمادا على تقييم الذات كما هو الحال في الغرب المعاصر. وسع مسجد المدينة رغم معارضة البعض، وبنى الأسواق وأجرها مقابل التموين المنتظم لفقراء الشعب. كذلك بُنيت محطات الخدمة على طرق السفر، وهي ظاهرة إن وجدتها في الشرق العربي اليوم لذهلت لرداءتها. توجه تفكيره الاقتصادي نحو البحر وأنشأ ميناء جدة والذي تقول الأسطورة أنه مكان ضريح حواء.
رفع إجراءات عمر الصارمة بشأن الملكية العقارية وامتلاك الأراضي، ومع ذلك ولدت طبقة أرستقراطية لم يكن هناك مجال لإجهاضها. بنى لعائلته قصراً في أطراف المدينة يقضي فيه راحته. مع تقدم العمر ترك أمور الدولة لسكرتارية معظمها من بني أمية التي أدركت ضعفه وشيخوخته للاستحواذ على السلطة. وكانت قمة إنجازاته جمع القرآن الكريم في مصحف سمي بمصحف عثمان إلى يومنا هذا.
بدأ الصراع الطبقي ينمو بسرعة في السنوات الست الأخيرة من عهده. لم يكن الشيخ قادراً فكرياً وذهنياً على احتواء الفساد الإداري والاقتصادي لأقربائه، وكان انصياعه لهم عاكساً لسنوات طفولته. تملص الأقرباء من تحمل مسؤولية التصرف بالمعارضة السياسية، وأشاروا عليه باتخاذ إجرأت غير شعبية ضدها مما أدى إلى تضاعف المقاومة ضده، ويتجلى ذلك في موقفه من أبي ذر. ومع ضعف سلطته المركزية ومخططات مروان ومعاوية أصبحت الثورة ضد النظام أمراً مفروغاً منه.
كانت الثورة ضد النظام في وقتها جماهيرية نُظمت بعناية على مدى أكثر من عام. تميزت كذلك بأنها ثورة خلت من قيادة سعت للوصول إلى السلطة. جاوز عثمان يومها الثمانين ولم يكن قادراً على اتخاذ القرار الصائب ذهنياً، وانتهت الأمور بمقتله وتنحية بني أمية عن الحكم. تكثر أساطير التاريخ الإسلامي عن وصف قتله، من قتله، والإصرار على تسمية الثورة بالفتنة الكبرى. حمل جثمانه العشرة من أصحابه ودُفن خارج مدينة سعى في عمرانها.
سيرة عثمان على العكس من سيرة حكام العرب في العصر الحديث. كان ثري المال والأخلاق. كان مولعاً بتقنية هندسية لا يمتلكها أحد منهم اليوم. وفر لشعبه ماء صالح للشرب وبنى طرقا وخدمات يعجز حكام العرب في التفكير بها. وضع نظاما ضرائبيا وكان حريصا على النظام المالي للدولة. لم يكن صارماً مع الشعب، لذلك قلما تسمع ذكره في حديث الساسة والغلاة الذين يكثرون من ذكر عمر رحمه الله. فقد كان عمر فظاً غليظاً على كل من حوله وعلى نفسه أيضاً، عكس جبابرة يومنا هذا حيث أن طغيانهم لا يستهدف إلا شعوبهم.
إذاً ما هو الحل؟
لا ينفع الجدال. على الأمة العربية ومصر بالذات البحث عن شبيه لسيدنا عثمان.
واقرأ أيضاً:
قراءة في أول خطاب رئاسي للدكتور مرسي / مراحيض الفضاء الإلكتروني / السيد الرئيس... لا تمش في الأرض مرحا / الصورة المزدوجة للرئيس
هداكم الله
لم أقرأ قط في موقعكم الذي كان متميزا مقالا بهذه الجرأة على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
فهل الاضطرابات التي تحدث في مصر أثرت على اضطراب الدين والمعتقد لديكم !!!!!!!!!!
لا أدري من أي خلفيه عقدية منحرفة يتكلم صاحب المقال ومن أي نوع من الإباحية يجيب مستشاريه؟!
أرجوك يا دكتور وائل أن تنفي عن هذا الموقع خبثه وتعيد لنا الموقع كما عهدناه ناصحا أمينا على ديننا ودنيانا
فكل ما ينشر في صحيفة أعمالكم يوم القيامة ولا تريد لكم إلا كل خير ....هداكم الله وردكم إلى دينه ردا جميلا
شكر وتعليق
ليس هناك في المقال ما لم يتطرق إليه جميع كتاب السيرة ويكشف عن إبداع عثمان رضوان الله عليه.
إشارة للفاروق رضي الله عنه لا تختلف عن ما أورده ما كتب عن السيرة في جميع العصور.
المسلم يعبد الله عز وجل وله الحق في إبداء وجهة نظره، وقياس إيمانه فقط بفعله للخير.
مهما كانت قدسية الصحابة فهم ليسوا بمعصومين ولا يعبدهم المسلم.
يا حبذا لو قرأت المقال .
غريب!!
المسلم يعبد الله وله الحق في إبداء وجهة نظره!!!
ما حدود هذا الحق في إبداء وجهة النظر؟
هل تستطيع أن تقول لي: إن لك الحق أن تبدي وجهة نظرك في الشهادتين؟ أو في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا أن نتقي الله تعالى في أصحابه وألا نجعلهم هدفا نرميهم بالنقص والذم؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي))؟؟
وإذا كانت قدسية الصحابة عندك، وعدم عصمتهم لا تمنعك من وصف سيدنا عثمان بأنه غير قادر ذهنيا على اتخاذ القرار الصائب...،
فمن الأولى -وأنت لا قداسة لك- أن أقول: إنك غير قادر ذهنيا ولا ثقافيا على كتابة ما يتعلق بالتاريخ ولا بالمجتمع الإسلامي، ولي الحق في إبداء وجهة نظري، ومقياس إيماننا بفعل الخير، ومنه الدفاع عن المظلومين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثورة ضدهم!!
أنا أحمد من الأردن
شكرا د. سداد جواد التميمي على هذا المقال الرائع وعلى جميع كتاباتك المبدعة في هذا الموقع
أنا أوافقك الرأي في كل ما قلته فالمسلم يعبد الله عز وجل ولا ضير في إبداء الرأي والرجوع إلى الماضي لأخذ العبرة واقتباس نموذج صالح وعظيم قد يساعدنا ويكون ملهما لنا في وقتنا الحاضر
اللهم لا تجعلنا فتنة للذين آمنوا
كن على يقين د. سداد أنني قرأت المقال مرات قبل أن أرسل ما أرسلته، وما وجدت فيه كلمة نصح عملية يستعين بها أهلنا في مصر على تجاوز محنتهم.
بل وجدت مقالا قائما في هذا الوقت الذي يكثر الطعن فيه على الإسلام، بالتجني على الصحابة رضي الله عنهم وقلة الأدب معهم وهم الذين قال تعالى عنهم (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)
أما عن كتب السير التي تتحدث عنها والتي قطعت حضرتك بأن جميعها تتكلم بهذا فما هي إلا بقلم كافر أو منافق أو جاهل فإن كنت تتكلم عن هؤلاء فصدقت لكن لا يحسن بحضرتك وأنت صاحب علم أن تكون حاطب ليل بل عليك أن تراجع المحققين الثقات من أصحاب السير.
ثم إن كان مقياس الإيمان فعل الخير -كما تقول- فأنا أحرص على إيماني بما أفعله الآن لعلي أدفع من كان حريصا على إسلامه وإيمانه أن يعيد التفكير بما طرحتَ في مقالك. وليعلم أن الإيمان الصحيح هو ما وقر في القلب من أركان وصدقه العمل.
تعليق وشكر
شكرا جزيلاً على جميع هذه التعليقات.
حرية الرأي وإبداء الآراء في التاريخ والدين ليست حصراً على أي انسان مهما كانت ثقافته. تنبهت لهذه الحقيقة الكثير من الأمم قبل مئات السنين وتجنبت استعمال الكلام البذيء في نقد كل من يبدي وجهة نظر.
الفعل الأخير ينعكس على من يتحدث به.
على الأخوة الذين يشككون في ما ورد من حقائق في المقال أن يطلعوا على كتب السيرة وبعدها يكتبون رأيهم بدلاً من استعمال ألفاظ لا تتناسب مع السلوك الحضاري، وأخلاق المسلم.
أما الإشارة إلى مشاكل سيدنا عثمان (رض) في آخر أيامه فقد تم التطرق إليها من جميع الكتاب، ولكن هذا لا يعني انتقاداً لشخصه عليه السلام.
تورد كتب السيرة جميعها بأن السيدة عائشة(ع) انتقدت الشيخ الجليل وبقسوة وما عليكم إلا مراجعة المصادر.
أما أنا فقد كتبت مقالي لسبب واحد فقط وهي أن سيرة الخليفة الثالث هي سيرة رجل دولة وحبي لهذا الشخص العظيم.
أنا أحمد من الأردن
إن معظم ما قد ورد في مقالتكم يا سيدي صحيح ومطابق لكتب السيرة وحياة الصحابة رضوان الله عليهم .
لكني أرى أنه من الخطأ القول بأن عمرا رضي الله عنه كان قاسيا على الناس وعلى أهله. الفاروق رضي الله عنه كان رحيما وعادلا والقصص والأمثلة التي تدل على ذلك كثيرة أما قسوته على نفسه فقد كانت من شدة عدله وحبه للآخرة.
أما بالنسبة للتعليقات فإن أي نقد (لأي شخص ما عدا الأنبياء عليهم السلام المعصومين من الخطأ لأنهم يحملون رسالة الله إلى البشر) ما دام في حدود الأدب وفيه مصداقية فإنه لا يعتبر تطاولا على شخص المنتقد.
الحمد لله..
الحمد لله...، إذن وصلت بأن رسالتي بكون نعت عثمان رضي الله تعالى عنه بأنه لم يكن قادراً فكرياً وذهنياً على احتواء الفساد الإداري والاقتصادي لأقربائه... مع كونه بريء من أي ضعف عقلي، هو سلوك غير حضاري، وكلام لا يليق بمسلم يحب عثمان رضي الله تعالى عنه، والمرء مع من أحب...
مثل ذلك قول (وتولد عنده اقتناع حصاري (وسواسي) بأن الكوارث في طريقها إليه). مع أن المؤرخين لم يذكروا إلا أنه اغتم غماً شديداً لفقد الخاتم. وهذا طبيعي. وذكروا أن الناس تشاءموا وقالوا: بأن عثمان قد حاد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فعاقبه بنزع الخاتم منه. وعلق ابن الأثير في كتابه أسد الغابة بأن هذا الخاتم منذ اختفى عمت الكوارث البلاد...
وبالنسبة للسيدة عائشة رضي الله عنها، فقد كانت تمدح سيدنا عثمان، وتلعن قاتليه، ويقول المحققون في الأخبار الواردة في هذا الأمر: إن كل ما ورد عنها من ذم له، أو أمر بقتله، مكذوب مفترى عليه...
غير أني مع ذلك أطلب من الدكتور إذ كان نص كلامها القاسي عنده أن يذكره لي فربما لم أغرف أي قولها أراد.
الحمد لله.. تتمة
أما ما أعتب فيه عليكم، فهو مقارنتكم سيدنا عمر بن الخطاب بجبابرة يومنا هذا...، فصحيح أن عمر رضي الله عنه كان قاسيا على من حوله، ولكن في إقامة الحق والعدل، وكان كذلك على نفسه...
أما قسوة جبابرة هذه الأيام فمختلفة كل الاختلاف...
فمقارنته بهم إساءة بالغة في حقه...
فهذا إذن يقيد من حرية إبداء الرأي في التاريخ والدين، ويجعل من اللازم أن يتمتع الإنسان بقدر معين من الثقافة والعلم يجعل كلامه أقرب للصواب، وأبعد من الخطأ...
ومن الممكن لكل جاد في المعرفة أن يحصل هذا القدر...
وهذا يصدق على كل متكلم في علم من العلوم سواء كانت علوماً إنسانية أو تجريبية...
وهل يسركم أن يتكلم عامي في تاريخ الطب النفسي دون علم، ويقول فيه ما يبخسه حقه؟
هذا أهم ما وددت قوله...، وإن كانت ثمة شيء آخر فليس هذا مكان ذكره، إنما المطلوب هنا إشارات وتنبيهات...
منذ ما يقرب من العام قررت أن أتعلم من كل من وما حولي، ومن حينها لم أعد سريعة الحكم أو التعصب أو الانفعال، وأصبحت أفكر بمرونة أكثر وبشكل أعمق من الصورة السطحية. أتذكر أنني منذ عدة أشهر قابلت مسلمة عربية شيعية مقيمة بإنجلترا، ثم إستأذنتني لتدخن مع فنجان القهوة فقلت لها افعلي ما تريدين، وأتذكر أنها كانت تمدح السيدة خديجة رضي الله عنها، وتقول ماذا قدمت لنا عائشة "رضي الله تعالي عنها وعن أمهات المؤمنين أجمعين"، كنت أسمعها لأفهم مذهبها ثم تناقشنا في أمور كثيرة وشكرتها علي ما قدمته لي من فائدة في أمور أخرى، فبالرغم من عدم اتفاقي معها في شيء إلا أنني لم أرفضها في كل شيء.
اندفع البعض في التعليقات على المقال للدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا أحد ينكر فضل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وعند الحديث عنهم ينبغي أن نتحدث بالشكل الذي يليق بخير البشر الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم, ثم حملوا أمانة تولي شئون المسلمين.
و لأنهم بشر فهم ليسوا بمعصومين من الخطأ، وقد أفادني كتاب العواصم من القواصم في شرح ما حدث أثناء خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
أما عمر رضي الله تعالى عنه، فالبرغم من ما قيل عن قوته وحسمه إلا أنه كان رقيق القلب كما في الرواية الآتية: عن ابن عمر قال قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى،فقال عمر لعبد الرحمن: هل لك أن تحرسهم الليلة من السرقة.
فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه،فسمع بكاءه، فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلي مكانه، فلما كان من آخر الليل سمع بكاءه، فأتي أمه فقال لها: ويحك إني لأراك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟
قالت: يا عبد الله، قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبى. قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطم. قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا. قال: ويحك لا تعجليه.
فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم، قال: يا بؤسًا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين.
تكملة
تكملة
فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم، قال: يا بؤسًا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين.
ثم أمر مناديًا فنادى: أن لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق: أن يفرض لكل مولود في الإسلام [صفة الصفوة].
و هذه ليست قسوة على النفس وإنما ورع وخشية.
هل ممكن أن يكتب د.سداد مصادره؟
شكرًا يا سورة
صدقت يا سورة، جزاك الله خيرًا على نصائحك التي شملت الجميع...
أسألك الدعاء بحسن الخلق!!!
تعليق
ليس هناك في المقال إشارة سلبية للفاروق والإشارة إلى قسوته على نفسه.
مقولة عائشة(رض) مدونة وهي اقتلوا نعثلاً فقد كفر
المصادر هي: الطبري وابن إسحاق وابن كثير
فجر الإسلام لأخمد أمين
الفتنة الكبرى لعميد الأدب العربي رحمة الله عليه
كلمة فظاً غليظاً استعملها عميد الأدب العربي
لا مقارنة بين الفاروق وجبابرة العرب وانتهى.
الغاية من المقال الإشارة إلى الكفاءة الإدارية والعمرانية وطيبة القلب لعثمان رحمة الله عليه والإشارة إلى غياب هذه الصفات في من تزعم العرب ومن يتزعمهم الآن
هناك أيضاً مصادر أخرى بالإنكليزية لروجرسون وغيره
أما الإشارة إلى ثقافة الإتسان وتحصييله في مجال ما فهو أمر شخصي بحت. لكل إنسان الحرية في إبداء رأيه والمسلم إن سمع ما لا يوافقه فأقل ما يجب أن يتحلى به الآية 199 من الأعراف التي تعرف أخلاق المسلم.
من أجل ما نقل عن السيدة عائشة وغيرها من الصحابة رضوان الله عليهم
قد قلت حقًا يا دكتور، والحق لا يماري فيه أحد...، كان عليّ أن ألتزم الأخلاق النبوية أكثر في نقاشي، وأسأل الله تعالى أن يعينني على هذا في نقاشاتي القادمة.
ولكن باعتباري أنا التي سألت عن قول السيدة عائشة رضي الله عنها، فسأعلق عليه...
من المعروف أن الطبري وابن إسحاق وابن كثير هم من الإخباريين الذين يعتنون بنقل الأخبار، لكنهم لم يجعلوا من منهجهم تفنيدها وبيان الصحيح منها من الضعيف، غير أن ابن كثير يعلق أحيانًا على الخبر وليس دائمًا، فسكوته ليس دليلًا على أنه يعتبر الخبر صحيحًا...
ولكن –بحمد الله- قد علق على ما روي عن الصحابة من تحريضهم على عثمان، وذكر أن كل هذا مفترًى ومكذوب عليهم
من أجل ما نقل عن السيدة عائشة وغيرها من الصحابة رضوان الله عليهم .. تتمة
قال ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية": (وذكر ابن جرير [أي الطبري].... أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها).
وقال الإمام أبو بكر ابن العربي (وهو غير ابن عربي المتصوف)، قال في كتابه: "العواصم من القواصم": بعد أن ذكر عن السيدة عائشة خبرًا تنفي فيه تحريضها الناس على عثمان قال: (وبه يتبين - وأصل المسألة سلوك سبيل الحق - أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه).
قد أتيت بخلاصة ما ذكره المؤرخون، فالمكان لا يتسع لشرح أكثر، وهناك أدلة وروايات كثيرة اعتمد عليها كبار العلماء الذين خلصوا إلى هذه النتيجة، يمكن لمن أراد الاطلاع عليها أن يطلبها في مظانها...