السؤالسائل، 26 سنة، مصر القاهرة الجديدة

أتمنى أن تكونوا بخير،
 
في الواقع لا أدري من أين ينبغي لي أن أبدأ، ولكن: أنا مثليّ (G*y) كما يقولون منذ نعومة أظافري. ظهرت ميولي وأنا في الخامسة من عمري — دون أن أتعرض لأي شيء على الإطلاق — وكنت أنتظر رجلاً يحبني ويحنو عليّ. لم يكن الأمر مجرد حب أو مشاعر فحسب، بل كانت فكرة الزواج والاستقرار مع رجل هي الفكرة المسيطرة عليّ؛ أردت أن أكون له وحده فقط.
 
 كبرت ودخلت في علاقات عديدة على أمل أن أجد الرجل الذي أستطيع معه الاستقرار والعيش معاً طوال حياتنا. ولكن كما تعلمون، الرجال — سواء كانوا مثليين أم غيريين أم ثنائيي الجنس، وأياً كانت ميول الرجل — فهم سواء.
 
 تعرضت للكثير من الخداع باسم الحب، ولا أنكر أنني تنازلت عن مبادئي في محاولة مني لإنجاح العلاقة واستمرارها، ولكن كم كنت أحمق! إن الثقة في رجل تشبه ثقة صناع سفينة "تيتانيك"؛ كلاهما أمر خيالي.
 
 لا أنكر أنني قابلت إنساناً طيباً عرفني معنى الحب، ورأيت معه معنى (الحب، والطمأنينة، والراحة، والسلام النفسي). لكن علاقتنا لم تكتمل لأنه قرر السفر وإكمال حياته في الخارج.
 
 ودخلت في علاقة مؤخراً ولم يستطع التعامل معي أو فهمي، ولما أوضحت له أننا غير متوافقين وأنه غير قادر على فهمي أو المبادرة، اتهمني بالأنانية والمادية وكلام هو أقسى ما يكون.
 ولكن من فضلكم، لا تتحدثوا عنه بسوء، فمهما كان لم أرَ منه إلا كل خير.
 
 ولكن بعد كلامه الأخير أصبحت أسأل نفسي:
 هل أنا حقاً سيئ؟! هل كوني بحاجة إلى أن يتعامل معي بشكل معين، أو أن يتصرف بطريقة ما، يجعلني إنساناً سيئاً؟!
 
 الفكرة أنني للأسف الشديد أعاني من رهاب (فوبيا) الوحدة؛ لا أريد أن أكون وحيداً على الإطلاق. طوال حياتي وأنا أعيش بمفردي وسط أهلي، ولا أريد أن أكمل ما تبقى من حياتي وحيداً.
 هذه الفكرة تميتني، وكلما مر الوقت أشعر أنني أفقد نفسي، وأخشى أن تراودني أفكار سوداوية.
 
 وفي الوقت نفسه، أشعر أنني بحق أحلم بوجود رجل محترم ومهذب وحنون ويحمل صفات حميدة لنكمل حياتنا معاً.
 ليس هدفي الجنس بقدر ما هو بناء حياة هادئة ومسالمة، مليئة بكل الحب والسلام والطمأنينة.
 لماذا يصعب عليّ إيجاد ذلك؟! إنه شخص واحد فقط، وهذا حب، ولا يفترض به أن يكون بهذه الصعوبة!
 
 أسف على الإطالة، ولكنني كنت بحاجة إلى الحديث.
 شكراً لكم.

أُرسل السؤال في

الردأ.د السيد صالح

19/9/2026
 هل أنا سيئ؟! حين يصبح البحث عن الحب فخاً لجلد الذات
 مرحباً بك يا "رأفت"، أشعر بألمك وبكل حرف كتبته، وأول أمر يجب أن تسمعه بوضوح ويستقر في قلبك هو: لا....، لست شخصاً سيئاً، ولست أنانياً ولا مادياً لمجرد أنك بحاجة إلى الشعور بالأمان والاهتمام؛ فالاحتياج للحب والاحتواء غريزة إنسانية فطرية وموجودة لدى كل إنسان، لكن المشكلة الحقيقية التي تنزف بسببها وتوصلك إلى هذه الأفكار السوداوية ليست مجرد انتهاء علاقة أو كلام قاسي سمعته من شخص ما، إنما تكمن المشكلة في الجرح القديم الذي سميته بنفسك "رهاب الوحدة"، وهو الذي يجعلك طوال الوقت تشعر بأنك غريق ومستعد للتشبث بأي قشة حتى لو كانت ستؤذيك وتجعلك تتنازل عن مبادئك.
 
المفارقة الجميلة هنا أن الطب النفسي يلتقي تماماً وبشكل مذهل مع جوهر الدين لمعالجة هذه النقطة بالتحديد؛ ففي علم النفس نسمي حالتك "التعلق القلق والاعتمادية الوجدانية"، والمثال على ذلك كالشخص الذي يشعر بعطش شديد وبدلاً من أن يشرب ماءً نَقِيّاً، يسارع إلى الشرب من ماء البحر المالح، فكلما شرب ازداد عطشاً وتعباً؛ أنت تضع فكرة أن وجود شريك هو الإكسير الوحيد الذي سيملأ فراغ روحك، وفي الوقت نفسه في ديننا تقول القاعدة الإيمانية الشهيرة: "من تعلّق بشيءٍ وُكِل إليه"، أي عندما يتعلق قلبك ببشر تعلقاً تاماً ويرى أنه هو مصدر الأمان الوحيد والسلام النفسي، تكون النتيجة الحتمية هي الخذلان والكسرة والشتات الداخلي، لأنه لا يوجد إنسان في الكون مهما كان ملاكاً يستطيع تحمل مسؤولية أن يجعل السعادة والطمأنينة والرضا عن الذات ملازمة لك طوال الوقت، فهذا عبء يكسر أي علاقة ويجعل الطرف الآخر يهرب أو يتهمك بالأنانية لأنه شعر بأنه مخنوق بمسؤولية ليست من اختصاصه.
 
 ومن الناحية الدينية الصرفة برؤية نفسية، فإن وجود هذه الميول داخلك منذ صغرك دون إرادة منك هو نوع من "الابتلاء" والصراع الوجودي الذي يعلم الله وحده كم هو ثقيل ومؤلم على روحك، لكن الدين علمنا أن المشاعر ليست هي ما نحاسَب عليه، بل نحاسَب على تصرفاتنا واختياراتنا؛ والمشكلة أنك تبحث عن السلام النفسي والاستقرار في علاقات تدخلك في صراع دائم مع ضميرك وهويتك وعقيدتك، فتجد نفسك تتنازل عن مبادئك من أجل الحفاظ على الشخص، وهذا يكسر احترامك لذاتك ويولد داخلك رعباً أكبر من الوحدة، لأنك تفقد رضا الله وترجع لتفقد الشخص أيضاً، فتشعر بأنك خسرت كل شيء وأصبحت في فراغ لا قاع له.
 
ولكي تبدأ بمعالجة هذه المشكلة بحق وتنقذ نفسك، يبدأ الحل من دمج العلاج النفسي بالمسار الروحي كخطوتين متلازمتين لا تغني إحداهما عن الأخرى؛ فطبياً ونفسياً، أنت بحاجة عاجلة إلى اتخاذ خطوة زيارة طبيب أو معالج نفسي متخصص للبدء في جلسات العلاج المعرفي السلوكي أو علاج المخططات، لتفكيك "مخطط الهجر" وجذور شعورك بالوحدة الذي عشته بين أهلك ومعالجته، ولتتعلم كيف ترسم حدوداً نفسية واضحة وصارمة، وتفهم أنك إن لم تحترم مبادئك وحدودك فلن يحترمها أي شريك في الدنيا، وهذا سيحميك من استنزاف روحك مع أي شخص يستغل ضعفك.
 
 وفي الوقت نفسه روحانياً، فإن "الأخذ بالأسباب" الطبية هذا عبادة يكتمل أجرها بإعادة توجيه بوصلة قلبك، فأنت بحاجة إلى بناء علاقة مباشرة وخاصة جداً ودافئة مع الله بعيداً عن مشاعر الذنب المدمرة؛ وافهم أن الله لا ينتظر منك الخطأ ليعاقبك، فهو أرحم بك من أي إنسان تركض خلفه ليحنو عليك، ومثال ذلك أن تفرغ شحنة الوحدة والبكاء في سجود صادق ومناجاة تطلب فيها العوض والسكينة؛ فعندما تستمد أمانك وقيمتك من علاقتك بالله، يقل خوفك من الوحدة كثيراً، لأنك تدرك أنك لم تكن ولن تكون وحدك أبداً، وساعتها لن تقبل بالتنازل عن مبادئك ولا باسترخاص نفسك من أجل كلمة طيبة أو وعد زائف بالاستقرار.
 
إن الأفكار السوداوية التي تخاف منها هي جرس إنذار أحمر يخبرك بأن طاقتك قد نفدت، وأن الاعتماد على البشر بهذه الطريقة قد استهلك كل ذرة فيك، فرجاءً لا تترك نفسك لهذه الدوامة ولا تستمر في جلد ذاتك؛ أنت شاب في السادسة والعشرين من عمرك، مهندس وفنان وحساس ومستواك ممتاز وموهوب، وحياتك أوسع وأكبر بكثير من أن تختصر في البحث عن شريك أو أن تُقيَّم برأي شخص فيك؛ ابدأ فوراً من اليوم باستشارة طبيب نفسي متخصص، ورتب صلاتك وقربك من الله بنية الاستشفاء، وابنِ صداقات سوية وشبكة دعم اجتماعي من أصدقاء أوفياء يحبونك بصدق ويؤنسونك، لأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من داخلك عندما تتصالح مع نفسك وربك، وساعتها فقط ستعرف أن قيمتك لا تنتظر أحداً ليصادق عليها.
  
واقرأ على مجانين:
أنا مثلي... فكيف يعيش مثلي؟
بعد انتهاء العلاقة متى أبدأ علاقة؟!
مثلي في هذه الحياة معاناة × معاناة!
مثلي في المنتصف لا أقرر أنا أعترف!
عذاب المثلية: متى سينتهي هذا؟!

ردود القرّاء

لم يكتب أحد من القرّاء بعد. إن مررت بشيء يشبه هذا، فشارك صاحب السؤال ما ساعدك.

أضف ردك

صاحب السؤال شخص حقيقي: شاركه ما ساعدك بلطف، دون تشخيص أو أسماء أدوية أو رقم هاتف أو بريد.

يُراجَع كل تعليق لغويًا قبل نشره، فنصحّح الإملاء والترقيم.
البحث عن الحب فخاً لجلد الذات!! | مجانين