مساء الخير
لقد كبرتُ في عائلة عصيبة، وتعرض أفراد من عائلتي للعنف اللفظي والجسدي، وكان كل حلمي عندما أكبر هو أن أستطيع الاستقلال وأترك كل ذلك، ولم أكن أريَد إنجاب أطفال نهائياً. كبرت قليلاً وتعرفت على الفلسفة الإنجابية، وكنت أشعر أنني مائلة بطبيعتي لهذا الفكر. ثم كبرت أكثر وأصبحت مستقلة مادياً وتركت الدين، والآن يوجد شخص في حياتي مثلي لا يريد أطفالاً، لكنني أصبحت الآن أشعر أنني أنا من تريد ذلك.
لعبت مع أطفال كثر في الفترة الأخيرة، وشعرت بشيء غريب جداً تجاههم؛ شعرت أنني عالجت صدمات طفولتي خلاص، وبإمكاني مشاركة حياتي مع أحد وتربيتهم ورؤيتهم يكبرون أمامي ويمرون بمراحل حياتهم كلها معي. لكنني في الوقت نفسه خائفة جداً؛ خائفة أن يصيبهم مكروه، خائفة ألا أجد أحداً بنفس تفكيري، خائفة أن أكتشف أنني مثل أهلي وأُفرغ غضبي عليهم، وخائفة أن أندم بعد أن أنجبهم وحينها لن يستطيع أحد في الدنيا كلها إصلاح هذا الخطأ. خائفة ألا أنجبهم فأكبر وأبقى وحدي وأشعر بالفراغ بعد فوات الأوان.
كل من يُنجب يتوكل على الله وحسب، ولا يفكرون كثيراً ويدعون الله أن يرزقهم وانتهى الأمر، لكنني لست قادرة على الاقتناع بذلك؛ ورغم أنني مؤمنة بالله، إلا أن حياتي دائماً تسير بالحسابات، وهذه صفقة خسرانة من كل النواحي.
لكن لا تزال لدي رغبة غريزية في أن يكون لدي أسرة ومؤنس وراحة،
غير أنني خائفة جداً ولا أعرف كيف أُطمئن نفسي.
7/10/2026
الردد. ماري جرجسمساء النور يا "صفاء" ❤️
أول أمر أود قوله لك هو أن حيرتك مفهومة تمامًا، وأنك غير مطالبة بحسم قرار بهذا الحجم لمجرد أنك بلغت سنًا معينًا، أو لأنك بدأت تشعرين برغبة في الأمومة، أو حتى خوفًا من الوحدة في المستقبل.
لقد نشأت في بيئة سادها العنف والألم، وكان حلمك الأساسي أن تكبري وتستقلي وتخرجي من تلك الدائرة. ومن الطبيعي ألا يكون قرار الإنجاب عندك مجرد رغبة عاطفية، بل يرتبط أيضًا بخوف عميق من تكرار التجربة التي عشتها. فأنت لا تسألين فقط: هل أود الإنجاب؟ بل تسألين أيضًا: هل سأقدر على أن أكون أمًا مختلفة عن أهلي؟ وهل سأستطيع حماية طفل من الألم الذي عانيته؟
دعيني أطرح عليك أمورًا عدة بالغة الأهمية:
أولًا: رغبتك الجديدة في الأمومة لا تعني البتة أن أفكارك السابقة كانت خاطئة.
فأنت قد تغيرت، وتجاربك تبدلت، ونظرتك إلى الحياة تطورت. وعندما تعاملت مع أطفال ورأيت نفسك صحبة منهم، ربما ظهر جانب داخلك لم تكوني ترينه من قبل، أو جانب كنت تؤجلينه لانشغالك بالنجاة وبناء حياة آمنة لنفسك.
وهذا لا يعني البتة أنك ملزمة بالإنجاب، كما لا يعني أن عليك التمسك بقرارك القديم. فمن حقك مراجعة أفكارك، ومن حقك كذلك أن تكتشفي أنك ما زلت لا ترغبين في الإنجاب. والمهم هو أن ينبع القرار من رغبتك الحقيقية، لا من خوف أو ضغط.
ثانيًا: خوفك من أن تصبحي مثل أهلك يحتاج إلى تفهم، لا إلى تحويله لحكم تقضين به على نفسك.
فكونك خائفة من تكرار أساليب تربيتهم، وتفكرين في أثر غضبك على طفل، يدل على أن الموضوع يعينك وعلى أنك واعية باحتمال تكرار بعض الأنماط. غير أن الوعي وحده ليس ضمانًا، والخوف وحده ليس دليلًا على أنك ستكررينها.
وما يساعدك حقًا هو أن تعملي على معالجة آثار طفولتك، وتتعلمي كيفية تنظيم الغضب، والتعامل مع الإحباط، والاعتذار والإصلاح بعد الخطأ، ووضع حدود من غير عنف أو إهانة. ومن المهم أن تعلمي أنك غير مطالبة بأن تكوني أمًا مثالية؛ بل المطلوب منك أن تكوني أمًا قادرة على التعلم، ومراجعة نفسها، وتحمل مسؤولية تصرفاتها.
وتذكري أن علاج جروح الطفولة لا يعني أبدًا أنك ملزمة بالإنجاب لتثبتي لنفسك أنك تعافيت، ولا يعني كذلك أنك إذا قررت عدم الإنجاب فمعنى ذلك أنك لا زلت تعانين من مشكلة.
ثالثًا: ليس ثمة قرار يضمن لك عدم الندم بنسبة مئة بالمئة.
فقد ينجب أحدهم ويكون سعيدًا، وقد يواجه صعوبات لم يكن يتوقعها. وقد يختار آخر عدم الإنجاب فيعيش حياة ملؤها الحب والمعنى، وقد يمر بفترات يتمنى فيها لو اختار مسارًا مختلفًا.
وأنت تحاولين الوصول إلى قرار يضمن لك أنك لن تندمي أبدًا، غير أن هذا الضمان غير موجود. وهذا لا يعني أن قرار الإنجاب صفقة خاسرة، بل هو قرار له مكاسب وتكاليف ومسؤوليات حقيقية، شأنه شأن سائر القرارات المصيرية في الحياة.
وبدلًا من أن تسألي نفسك: ما القرار الذي لن أندم عليه قط؟ اسألي: ما الحياة التي أستطيع اختيارها وأنا واعية بمسؤولياتها، ومستعدة لتحمل صعوباتها، ومتصالحة مع حقيقة خلوها من الضمانات الكاملة؟
رابعًا: انتبهي إلى نقطة بالغة الأهمية.
لقد ذكرت أنك خائفة من أن تنجبي فتكتشفي عجزك عن تحمل المسؤولية، وخائفة في المقابل ألا تنجبي فتظلّي وحدك وتشعرين بالفراغ.
إلا أن هناك فرقًا جليًا بين أن تريدي طفلًا لأنك ترغبين حقًا في تربيته ومشاركة الحياة معه، وبين أن تحتاجي طفلًا لكي يضمن لك وجود شخص بجانبك في المستقبل.
فالأمومة قد تكون علاقة عميقة ومفعمة بالحب، لكنها ليست ضمانة ضد الوحدة، كما أن الطفل ليس مسؤولًا عن تعويض أمه عن ألمها القديم أو ملء فراغها المستقبلي. وفي المقابل، لا يعني عدم الإنجاب بالضرورة الشعور بالوحدة؛ فالعلاقات الإنسانية، والصداقة، والشراكة، والحياة المهنية، والاهتمامات كلها مصادر للاستقرار والانتماء والمعنى.
حاولي تخيل الأمومة على حقيقتها الواقعية، لا مجرد لحظات اللعب والاحتواء الجميلة: فهي مسؤولية يومية، وقلة نوم أحيانًا، وضغط مادي ونفسي، وطفل ذو شخصية واحتياجات قد تخالف توقعاتك. واسألي نفسك: هل لدي رغبة في خوض التجربة برمتها، بما فيها جوانبها الصعبة، أم إن ما جذبني حاليًا هو الإحساس الجميل الذي اختبرته مع الأطفال؟ إنهما أمران غير متعارضين، غير أن التمييز بينهما ضروري.
خامسًا: لابد من الحديث بوضوح مع شريك حياتك.
لقد ذكرت أن الشخص الموجود في حياتك لا يريد أطفالًا. وتلك نقطة جوهرية؛ لأن قرار الإنجاب ليس قرارًا فرديًا بحتًا متى وُجد شريك وعلاقة مشتركة.
ومن المهم أن تستوضحي منه أينه: أهو قرار ثابت لديه، أم مجرد تفضيل قابل للنقاش؟ وعليك في الوقت ذاته أن توضحي له أن مشاعرك قد بدأت تتغير أيضًا. ليس بهدف إقناعه أو الضغط عليه، بل ليكون كل منكما صادقًا مع نفسه ومع صاحبه.
فإن أصبحت رغبتك في الأمومة أساسية بالنسبة لك، وكان هو متمسكًا تمامًا برفض الإنجاب، فهذا اختلاف جذري في تصوركما للمستقبل، وهو يتطلب مواجهة صادقة قبل الإقدام على أي ارتباط أكبر. ولا يصح أن تعتمدي على أمل في أن يغير رأيه، كما لا يصح أن يعتمد هو على زوال رغبتك الجديدة.
وأخيرًا يا "صفاء"، لستِ مطالبة بطمأنة نفسك عبر الاعتقاد الجازم بأن كل شيء سيكون على ما يرام، ولا بحساب كل الاحتمالات حتى تبلغي اليقين المستحيل.
فالتوكل لا ينافي التفكير، والتفكير لا يستطيع وقايتنا من سائر المخاطر. وبإمكانك الجمع بين اليقين والأخذ بالأسباب، وبين التخطيط وقبول حقيقة أن الحياة لا تضمن بالكامل.
أنصحك ألا تستعجلي القرار، وأن تمنحي نفسك فرصة لفهم رغبتك الجديدة بمعزل عن الخوف من فوات الأوان. وإن كانت آثار طفولتك ما زالت تلقي بظلالها على شعورك بالأمان أو تعاملك مع الغضب، فإن جلسات العلاج النفسي قد تساعدك في التمييز بين الخوف الموروث والرغبة الحقيقية، لتستعدي لأي مسار تخترينه.
وأود تركك مع سؤال مهم تتأملينه بروية:
لو ضمنت أنك لن تكوني نسخة من أهلك، وأن بمقدورك التعامل مع أخطائك وإصلاحها، وأنك لن تبقي وحيدة إن اخترت عدم الإنجاب، فهل ستكون لديك رغبة حقيقية في أن تكوني أمًا؟
وإن كانت الإجابة بنعم، فما الذي تبغين عيشه في الأمومة تحديدًا، بعيدًا عن فكرة تطبيب جروح طفولتك أو ضمان وجود مرافق لك في المستقبل؟
إن إجابتك عن هذين السؤالين قد تعينك على فهم نفسك بدرجة أكبر، لا لتبلغي إجابة فورية، بل لتختاري حياتك بوعي وحرية، ودون أن يكون الخوف هو من يتخذ القرار نيابة عنك...❤️
واقرئي أيضًا:
هذا الردّ توعية ودعم، وليس تشخيصًا ولا بديلًا عن مقابلة مختص. إن كنت في خطر الآن فاتصل بالطوارئ في بلدك.
ردود القرّاء
لم يكتب أحد من القرّاء بعد. إن مررت بشيء يشبه هذا، فشارك صاحب السؤال ما ساعدك.
أضف ردك