وسواس قهري استنجاء وضوء صلاة! م4

المتابعة 4 من 4من متابعات هذه الاستشارةابدأ من الأول

السؤالالردردود القرّاءاستشارات مشابهة

السؤالسائلة، مصر

وسواس قهري استنجاء وضوء صلاة! م3
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 كيف حالك يا دكتور؟ لقد تواصلت مع حضرتك من قبل؛ فأنا أعاني من الوسواس القهري الديني وأتناول عقار (فافيرين) بجرعة 150 ملغم يوميًا. الأمور تمضي بين مد وجزر، لكن الحال يسير.
 المشكلة التي أريد أخذ رأيك فيها هي أنني دائمة الخوف من ردود أفعال الناس. لقد انتقلت من عملي السابق بعد قضائي فيه سبع سنوات؛ لأنني كنت أشعر بعجزي عن الرد ووضع الحدود وأخذ حقي. أجدني دائمة الخوف منهم ولا أعلم لماذا، حتى وإن كان الشخص أصغر مني سنًا. لست خائفة من خسارتهم، لكنني أخشى دخول معركة لست أهلاً لها، فأختار الاستسلام والسكوت.
 
 لذا قررت منذ سنة أن أنتقل إلى عمل جديد، وأن أقف في وجه أي شخص يوجه لي أي كلام. وبالفعل، أول شخص تحدث معي صرخت في وجهه وأثرت جلبة، لكنني شعرت بعد ذلك أن الناس يتجنبونني، خاصة أنني كنت جديدة ولم أمتلك سوى أسبوعين في المكان، فبدأت أنكمش وأخجل وأنعزل لشعوري بأنني منبوذة (رغم أنني لم أكن مخطئة وقتها).
 
 ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، أذهب إلى العمل كل يوم وأنا في حالة قلق؛ لا أعلم ماذا سيحدث، وهل سأتمكن من الرد والتعامل أم سأتعرض للإحراج؟ فقررت ألا أتعامل مع أحد، وأن يقتصر الأمر على حدود العمل فقط، لا سيما أن الفتيات في العمل الجديد أكثر جرأة ويتحدثن بالمواجهة، مما يجعلني قلقة من عدم قدرتي على الدفاع عن نفسي. والمشكلة الأكبر أنني لم أفعل أي شيء بالأساس، لكنني أخشى أن يلقي أحدهم باللوم علي، وأنا من السهل جدًا إشعاري بالخطأ حتى وإن لم أكن مخطئة، فأتحسر أكثر وألوذ بالصمت.
 
 لقد اكتشفت يا دكتور أن القلق لم ينتهِ؛ فأنا أنتابني القلق حتى ونحن جالسون لمجرد وجودنا في المكان نفسه، وأخشى أن يوجه إلي أي شخص كلامًا أو سؤالاً في أي لحظة: هل سأعرف كيف أرد بطريقة جيدة؟ أم سأبدو أبلهة في ردي؟ هل سيستثقلون ظلي؟ ولو حدثت مشكلة، هل ستستطيعين الدفاع عن نفسك؟ وتتوالى خمسمائة علامة استفهام ورجاء خلف بعضها.
 
 ذهبت إلى طبيب نفسي وظل يدربني عبر (محاكاة الأدوار/Role play) لأكون مستعدة، لكنني أجد كل ذلك يتبخر في الموقف الفعلي، وأشعر أن ردوده لا تمثل شخصيتي وهي أقوى مني بمراحل. ورغم أنه أخبرني بوجوب الرد بتلك الطريقة، إلا أنني وقت الموقف أشعر أن أي شخص أمامي أعلى مني وأنا أدنى منه، وأنه أقوى وأصلب وأوعى، وحتى لو قاومت فسأظل أنا الضعيفة؛ لذلك لا أستطيع تطبيق أي شيء مما يمليه علي وأستسلم.
 
 شعرت وسألت نفسي: إلى متى سأستمر هكذا؟ ولابد أن أحاول الحديث حتى في الظروف العادية. وعندما وجدتك يمزحون، قلت لنفسي سأحاول، لكنني وجدتني يا دكتور أُقلل من شأن نفسي وأظهر لهم أنهم أفضل ويملكون المعرفة وأنا لا، وأصبحت أحكي لهم مواقف سيئة عن والدي وعن إخوتي، ولا أقول شيئًا حسنًا، ولعل ذلك لكوني أشعر أن الحديث السيئ يشد الانتباه أكثر!.... وبعد ذلك ندمت لدرجة أن قلبي يعتصر من الحزن، ونمت وحلمت بالموقف وسألت نفسي: لماذا فعلت ذلك وأظهرت العائلة بمظهر القسوة وهم ليسوا كذلك في الواقع؟ ألم أقل لكِ أن تتكتمِي ولا تفتحي فمكِ؟
 
 ثم يأتي موقف آخر: إذا كان الشخص ذو مظهر أنيق وأردت التعامل معه، أشعر بأنني أقل منه بكثير ولن أتمكن من التعامل بشكل جيد، فأبدأ بالتلعثم وأحاول التحدث بأقل قدر ممكن حتى لا يمسك علي خطأ، أو يشعر بأني لا أحسن الكلام، أو يتساءل: «ما هذه الطبيبة البلهاء؟».
 
 وهناك مواقف أخرى أنكمش فيها، مثل: رغبتي في السؤال عن سعر سلعة في محل، أو ذهابي إلى مكان راقٍ، أو تعاملي مع سائق ذي مظهر جيد، أو لقائي بصديقة، أو حارس عمارة، أو سكرتيرة طبيب، أو أي شخص له سلطة فوقية كمدير، أو تحتية كحارس عمارة.
 
 وحتى لو حاول أحدهم الاستهانة بي وفهمت قصده، أشعر أنه لا يصح أن أظهر له أنني فهمت، فأماشيه وأشعره بأنني بالفعل بلهاء ولا يصح أن يظهر اسمي بغير ذلك، مع أنه والله يا دكتور قال لي الطبيب: «أنتِ لا ينقصكِ أي شيء إطلاقًا».
 
 نسيت أن أقول لحضرتك إن الأشخاص الوحيدين الذين لا أخاف منهم هم الضعفاء الذين لا سلطة لهم؛ مثل رجل يستعطي، أو امرأة ذات مستوى مادي بسيط، أو شخص محدود التعليم؛ لأنني وقتها فقط أشعر أنني مهما تحدثت أو تصرفت ببلاهة فلن يستطيع مسك أي شيء علي لأن معرفته بسيطة أصلاً ولا يفهم ما أتحدث فيه.
 
 فأتمنى أن أكسر هذا الرعب الذي بداخلي يا دكتور، خاصة أنني لست صغيرة بل أوشكت على بلوغ الخامسة والثلاثين. وما يحزنني في هذا الأمر هو أختي الصغيرة؛ لأنني بصراحة أتسلط عليها طوال الوقت دون أن تفعل أي شيء، لمجرد أنني أبحث عن شعور القوة؛ فمثلاً إذا أرادت الخروج أقول: «لا»، وإذا أرادت شراء شيء أقول: «لا»، وأكون عالمة بما يضايقها وأفعله كي أراها حزينة وأشعر حينها بالقوة، ثم أعود لألوم نفسي ولكن يبقى الوضع على ما هو عليه.
 
 أنتظر رد حضرتك بفارغ الصبر،
 وشكراا جدا لحضرتك 🌻
 20/9/2026

الردأ.د وائل أبو هندي

الابنة المتابعة الفاضلة "أسماء" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك ومتابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.

ما تمرين به هو ثنائية متكاملة بين الوسواس القهري والرهاب الاجتماعي الممزوج بضعف تقدير الذات Low Self-Esteem فالوسواس لا يقتصر على الأفكار الدينية التي تتعالجين منها بـ (الفافرين)، بل يمتد ليمارس سطوته على علاقاتكِ من خلال «الأفكار الاجترارية»» و"خمسمائة علامة استفهام" تسكن رأسكِ قبل وبعد كل موقف.

ما مضى من حوارنا توجه الاهتمام فيه إلى مشكلة الوساوس والقهور الدينية، لكنك اليوم تشتكين من مشكلة تتعلق بتأكيد الذات والقلق الاجتماعي الشديد، ومشكلتكِ الحقيقية ليست في مهارات التواصل، ولا في افتقاركِ للرد، بل في «آلية حماية نفسية» مشوّهة تشكّلت لديكِ، وجعلت العقل يتعامل مع أي تفاعل اجتماعي وكأنه معركة بقاء.

بداية يجب أن تتخلصي من آليات الدفاع المعيقة وغير الناضجة التي تمارسينها مثلا:
1- الاستسلام المبكر خوفاً من الرد: عقلكِ يضخم الآخرين ويضعهم في مرتبة «الأقوى والأصلب»، في حين يضعكِ في مرتبة «الأدنى والضعيفة». هذا الشعور يجعلكِ تستسلمين مسبقاً كي تجتنبي المعركة، لأن الفكرة الوسواسية تقنعكِ بأن أي رد منكِ سيكون "بلاءً أو بلاهة".
2- الانفجار غير المحسوب فأنت عندما عندما قررتِ المواجهة في عملكِ الجديد، انتقلتِ من أقصى درجات الكبت إلى أقصى درجات الهجوم (الصراخ والجلبة)، وهذا رد فعل طبيعي لشخص كتم مشاعره لسنوات ثم أراد وضع حدود فجأة. الخوف هنا جعلكِ تستخدمين "السلاح الثقيل" في موقف لا يحتاجه، مما أدّى لانكماشكِ مجدداً فور شعوركِ بالتحاشي.
3- تقليل الشأن ومشاركة الأسرار: لجوؤكِ للحديث السيئ عن عائلتكِ أو إظهار نفسكِ أقل معرفة لم يكن إلا «حيلة دفاعية» لتجنب حسد الآخرين أو اتخاذهم موقفاً هجومياً ضدكِ، وكأنكِ تقولين لهم ضمناً: "أنا ضعيفة ومحطمة فلا تؤذوني". والندم بعد ذلك هو صوت ضميركِ الحقيقي.
4- التسلط على الأخت الصغرى: ما تفعلينه مع أختكِ الصغرى هو مفهوم نفسيّ معروف يُسمى "الإزاحة". الشعور بالضعف والهوان أمام الآخرين يخلق شحنة غضب وقهر داخلية، وبما أنكِ لا تستطيعين تفريغها أمام "الأقوياء" في نظركِ، يفرغها عقلكِ اللاواعي على الشخص الآمن الوحيد (أختكِ) لاسترداد وهم السيطرة والقوة.

هناك نقطة في منتهى الأهمية هي لماذا لم تنجح "محاكاة الأدوار" مع طبيبكِ؟ أحسب أن تقنيات محاكاة الأدوار تفشل عندما تُفرض عليكِ جمل وتصرفات "أقوى من شخصيتكِ بحجمها الحالي". إذا طلب منكِ الطبيب ردوداً هجومية أو حازمة جداً بينما أنتِ من الداخل تشعرين بأنكِ "أدنى"، سينشأ استجابة خوف حادة تجعلكِ تتجمدين وقت الموقف الفعلي. المطلوب ليس أن تتصرفي كشخص هجومي أو صلب جداً، بل أن تبدئي بـ "الحدود الناعمة وثبات الموقف".

أختكِ ليست ساحة لاستعراض القوة توقفي عن إيذائها فوراً. كلما شعرتِ برغبة في رفض طلب لها لمجرد الرفض، انسحبي واكتبي في ورقة: "أنا غاضبة من موقفي في العمل اليوم ولست غاضبة من أختي". اعتذري لها بطريقة غير مباشرة واجعليها حليفتكِ وليست ضحيتكِ، لأن إيذاءها يغذي شعوركِ بالذنب ويزيد من تدهور تقديركِ لذاتكِ.

دربي نفسك على التوقف عن "قراءة الأفكار" كما يحدث عندما تتساءلين: "هل سيقولون ما هذه الطبيبة البلهاء؟"، تذكري أن هذا صوت الوسواس وليس الحقيقة. أنتِ طبيبة متعلمة ولديكِ مكانة، والخطأ في الكلام أمر وارد ومقبول عند كل البشر.

أيضًا يمكنك بدلاً من الصراخ أو الهروب أن تضعي الحدود بالتدريج فلا تحاولي الرد بشكل قاطع أو حاد في البداية. إذا وُجّه إليكِ كلام لا يعجبكِ، يكفي استخدام "تقنية السكوت المعبّر" أو الردود المحايدة مثل: "سأنظر في هذا الأمر"، "هذا رأيك"، أو "لنتحدث في العمل فقط"...... وتذكري دائما أن الرد لا يعني الشجار؛ الرد يعني إبلاغ الطرف الآخر بوقار أنكِ سمعتِه ولستِ متفقاً مع كلامه، دون الحاجة للرفس أو الصراخ.

لابد من التوقف الفوري عن الكشف عن الذات Over-sharing فإذا شعرتِ برغبة في كسب الآخرين، لا تحكي أسرار بيتكِ ولا تقللي من قدركِ. الاكتفاء بالابتسامة، أو الحديث في موضوعات عامة (الطقس، العمل، الأخبار العامة) هكذا تضمنين الأمان التام لكِ ولنفسيتكِ.

كذلك تجب مراجعة الطبيب المعالج بشأن الدواء فعقار (فافرين) ممتاز للوسواس القهري، لكن الجرعة وتأثيرها على أعراض القلق الاجتماعي قد تحتاج إعادة تقييم من مباشرة من طبيبكِ المعالج وبشأن محاكاة الأدوار، قولي له بصراحة: "أسلوب محاكاة الأدوار الحالي يضغطني لأن الردود لا تشبهني، أحتاج تدريباً على تأكيد الذات أي السلوك التوكيدي الذي يبدأ بمهارات بسيطة جداً وغير صدامية".

"أسماء" لستِ بلهاء، ولستِ ضعيفة؛ أنتِ فقط خائفة ومجهدة من حروب وهمية يخوضها عقلكِ قبل أن تبدأ المعركة الفعلية. استرداد حقكِ ووضع حدودكِ الذاتية لا يحتاج صراخاً ولا تحتاجين فيه لأن تكوني "شرسة"، بل يحتاج هدوءاً وثقة بأن مكانتكِ مصونة بوجودكِ وعلمكِ، وليس برأي الناس فيكِ.
 
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعينا بالتطورات.

ردود القرّاء

لم يكتب أحد من القرّاء بعد. إن مررت بشيء يشبه هذا، فشارك صاحب السؤال ما ساعدك.

أضف ردك

صاحب السؤال شخص حقيقي: شاركه ما ساعدك بلطف، دون تشخيص أو أسماء أدوية أو رقم هاتف أو بريد.

يُراجَع كل تعليق لغويًا قبل نشره، فنصحّح الإملاء والترقيم.