إغلاق
 

Bookmark and Share

أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(4) ::

الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 07/01/2006

أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(1)
أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(2)
أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(3)

(دراسة نفسية لجوابات حراجي القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطنة أحمد عبد الغفار في جبلاية الفار)
[4]

حلم الخلود:
ويبدأ في تجاوز ذات الطفل إلى ذات الراشد الذي ينظر إلى الإنجاز ويحترمه ويحيد المشاعر جانبًا:
وحكاية الشوق الزايد ع الحد ده.. ممنوع
سيبك من غربة جوزك واستنبهى للموضوع
ده انتى يا فاطنة نبيهة
وان عيد اتعلم بكرة..
وقرا حكايتي في الجرانين..
يبقى عندك علم..

وهنا بدأ سعيه للخلود وحلمه به فغدا يكبر ويقرأ سيرته في "الجرانين". ثم تعاوده ذات الأب الراعي الحنون في نهاية الرسالة:
لفي العياييل في الليل م البرد..
ويقدرني على ما تخش الشتوية..
انقّى لك حرام صوف
شدى حيلك مع نفسك وولادك إعملى معروف..
واما يعدلها المولى حناجى.

مواكبة التغيير:
وتلمح فاطنة التغيير وتستجيب له وتواكبه:
اتغير قولك يا حراجي.. اتغير صح.
وحديتك بقى زي حديت الرادو.
زي كلام الأساتيذ.
طب اقولك قولة وما تقطعشي الورقة بسن الريشة
وانت بتشتمني؟
النبي نفسي أشوف أسوان..
أشوف المكنة والمواسير والأنفاق..
نفسى أشوف صاحبك لمهندس ده..
متهيأ لي كمان يمكن وشك دلوقت اتغير..
يمكن صوتك برضه
يمكن شبت..؟

ويحدث النمو الموازى على الجانب الآخر:
عيد راح الكتاب واهو ماشي زي القط..
وعزيزة امبارح سخنت لكن قايمة الصبح مليحة..
يمكن حتحصب..

إعادة رؤية الماضي من منظور الحاضر:
ويستعيد حراجي تاريخه الماضي في الجبلاية بشيء من الندم وكأن أيامه ضاعت فيما لا فائدة منه، وهو يمارس تقييم الماضي من خلال منظور الحاضر بعد أن استعاد رؤيته:
فاطنه يا ست الناس.
والله ما ضيعنا يا فاطنه غير.. الفاس
وتاريني يا فاطنة عرفت الهم ف يوم ما عرفت الفاس
أدعي على ابويا والّا على جبلاية الفار؟

المغامرة.. نبضة نمو:

وكانت هذه الذاكرة المرتجعة الاحتجاجية مقدمة للنقلة التالية من العمل بالفأس وجمع الحجارة في بناء السد العالي إلى العمل في زرع الديناميت لتفتيت الصخور التي تعترض بناء السد وهي مهمة خطيرة مليئة باحتمالات الموت ولكنها ضرورية لنمو شخصية حراجي ولتجاوزه لما هو مألوف له(وعنه) من العمل العضلي الشاق بالفأس، وهنا يتضح ارتباط النمو بالمغامرة ربما بالحياة نفسها وهذا أقسى اختبار لكل من يريد أن ينمو وكأنه يمر ببوابات متتالية وفي كل بوابة يغامر ويدفع الثمن لكي يمر وينمو، وفي هذه البوابة كان الثمن هو الحياة نفسها حيث أنه مطلوب منه (وهو الفلاح أو الأجير الصعيدي البسيط) أن يزرع أصابع الديناميت في الجبل بطريقة معينة ثم يجري مبتعدًا قبل أن تنفجر:
وف يوم.. نقاني "الحاج بخيت"
أنا وتلاتة معايا عشان نزرع "دلاميت"
أهي دي الشغله اللي تخوف واللي تموت صح
أصعب ما يكون في أسوان.. هيه حكاية الدلاميت
صوابع طولانه كده.. ننكتها في اللجبال
ونقيد السلك يا فاطنه ورمح
بيفرقع.. نجري ونتكفَّى..
صدقي لما يا فاطنه يقولوا قدّامك
شفنا خلق بتتوفَّى

وفي نبضة النمو هذه يستعيد حراجي الرغبة الكامنة في شخصيته نحو الرؤية والوعي والسبق والجرأة على اجتياز الصعب والخروج على المألوف ولكنها صفات لازمة للنمو والتطور:
ده حتى فيه شغاله في الدلاميت ويانا..
كانوا يحطوا الصوبعين ويفروا..
من غير ما يحققوا فيه
ولا يعرفوا ده اللي في العلبه وبيفرقع لما يحطوه..
كونته إيه؟
لكن جوزك صدّق مالقيها.
عرفوني قوام..
وغويت الشغله يا فاطنه..
تفكرني بأيام العوم..
مش فاكره اتعلمت العوم قبل بقية الولد..؟
بقى ده يقول يا حراجي
وده يقول يا حراجي
أهو من تحت الشغله دهي
اتعلمت الإخير في الجوابات
كنت أنام واصحى وافكر واحلم في الدلاميت
لا عيال ولا مره ولا بيت
"وعلي اب عباس" مارضيش..
قاللي "سيبني في الفحت..
اللي عارفه أحسن م اللي ما تعرفهوش.."
قاللي "سيبني في الكحت..
شغلانه عارفها وعارفاني.. وارتحت
مالي..؟ تاجيني خبطه.. وامي وراي..
خليني قاعد عايش لما تقضّي يومينها"
قلت له "يعني أنا اللى ما ليش ناس يا علي..؟"
قاللي: "لأ.. بس انت معافر..
والدلاميت أعمى وكافر.."

وفيما سبق يتضح وجود بذور التطور في الشخصية مبكرًا فقد تعلم حراجي العوم قبل بقية أقرانه وهو يسعد بذلك ويفخر به أمام زوجته وأمام الناس وهنا تبدو أهمية وجود آخر يشجع النمو ويصفق له أو ينبهر به، ووجود الزوجة هنا في وعيه يدفعه لمزيد من النمو ويحرص على إبلاغها به أولاً بأول وهي تتجاوب معه مندهشة أو منبهرة أو خائفة أو مشفقة أو مواكبة، وهذه علاقة حية نابضة مواكبة ونامية بين زوجين تسمح بالنمو والتواصل المتصاعد.

وفي الأبيات السابقة مقارنة بين شخصية حراجي المغامرة المقتحمة وبين شخصية "على أب عباس" زميله وابن بلدته تلك الشخصية الثانية المتصفة بالانسحاب والميل لما هو مألوف والخوف من المغامرة وتبرير ذلك بالعيش من أجل الأهل ووصم المغامرين بالتهور والاندفاع.

وتواصل "فاطنة" فرحها المشوب بالخوف لتغير حراجي ومواصلة نموه حيث أصبح "أوسطى" بعد أن كان عاملاً زراعيًا أجيرًا يعمل بالفأس:
والنبي يبقى انت صح بقيت أوسطى..
بيقولوا قال.. لابس ..
أقول إيه بس النبي مكسوفة يا زوجي..
قلعت التوب قال..؟
بيقولوا بقيت مهندس يا حراجي وبيقولوا إنك
مستوظف صح.

                                                        ...................وللحديث بقية



الكاتب: د.محمد المهدي
نشرت على الموقع بتاريخ: 07/01/2006