إغلاق
 

Bookmark and Share

صفحات من تاريخ الطب النفسي (1) ::

الكاتب: أ.د مصطفى السعدني
نشرت على الموقع بتاريخ: 12/20/2006

الصفحة الأولى: الصحة النفسية في الفكر الإغريقي
لاشك مفهوم الذات من أقدم المفاهيم النفسية في فهم الشخصية ولهذا تحدث عنه علماء النفس، فهم يعتبرونه المحور الأساسي في بناء الشخصية الإنسانية والإطار المرجعي لفهمها، فهو يعتبر جوهر الصحة النفسية للإنسان. فالطفل يعتبر كينونة فيزيقية بعد ميلاده في الأسرة ثم ينمو مفهوم ذاته مع تطور نموه ولو سبقنا التاريخ نجد أن سقراط الفيلسوف الإغريقي تحدث عنه في عبارته المشهورة "اعرف نفسك بنفسك" فهذه المقولة تعتبر جوهرًا روحيا ومعرفة لذات النفس.

تعامل الإغريق مع الإنسان على اعتبار أنه مكون من شقين : النفس والجسد. وقد استخدم فلاسفتهم الروح والنفس بمعنى واحد. كما حاول الفلاسفة الطبيعيون أن يقدموا تصورا لماهية النفس، فمنهم من رأى أنها الدم، ومنهم من اعتبرها الحرارة الكامنة في الجسد... إلخ. أما الجسد فهو يتكون من الأصول الأربعة للكون: النار والتراب والهواء والماء بنسب متفاوتة.

إن أي اختلال في نسب الأخلاط المذكورة أعلاه والسوائل الكيماوية التي تدور في الجسم والناشئة أساسا من النار والتراب والهواء والماء يؤدي إلى اضطراب نفسي، وحيث أن هذا الاضطراب هو مؤشر دال على سوء الصحة النفسية للفرد، فإنها أي الصحة النفسية تصبح مرتبطة بالنسب التي تتحد بها الأصول الأربعة للكون لتكون جسد الفرد الإنساني، فغلبة أي عنصر من العناصر الأربعة يُحدِث لدى الفرد استعدادا مرضيا، وعليه فقد قسًم الناس إلى أربعة أنماط مزاجية هي:

المزاج الناري: تغلب على صاحبه إفرازات الصفراء من الكبد، وهو مقاتل وشجاع وطموح وانفعالي وعرضه للإصابة بالهوس والبارانويا.
المزاج الترابي: تغلب على صاحبه إفرازات الطحال، وهو متشائم، منقبض وكثير التأمل وعرضه للإصابة بالاكتئاب والميلانخوليا.
المزاج الهوائي: يغلب على صاحبه تدفق الدم من القلب، وهو متفائل ومرح وحاد الطبع وعرضة للقلق والهذاء .
المزاج المائي: تغلب على صاحبه إفرازات السائل الدماغي في المخ، وهو بليد وخامل ولا مُبالي وعرضة للإصابة بالصرع والتخلف العقلي .

إن رد الاضطرابات النفسية إلى أسباب عضوية لدى أطباء الإغريق يشكل الأساس للاتجاه المادي الذي ذهب إليه المحدثون من علماء النفس والذي بموجبه يتعاملون مع المرض النفسي تعامل الأطباء مع المرض الجسمي. ونحن وإن كنا لا ننكر آثار ما يعتري الجسم من اضطرابات على نفسية الفرد إلا أننا نعتقد أن هذا التفسير الأحادي المادي للاضطراب النفسي غير كاف للتدليل على سلامة الصحة النفسية للفرد أو عدم سلامتها أو على مساواة مفهوم الصحة النفسية لمفهوم الصـحة الجسدية.

وبظهور أفلاطون ظهر التصور الفلسفي الأكثر وضوحا لثنائية الإنسان سواء من حيث البنية أو الوظيفة أو نمط العلاقات الرابطة بين شقي الإنسان: النفس والجسد. وكانت دعوته هي معرفة النفس مما حدا بأفلاطون أن يقدم تصورا فلسفيا للنفس، فقد ذهب إلى أنها ذات طبيعة مادية نقية طاهرة، تأتي من عالم مغاير لعالم الطبيعة وتصور أنه عالم الخير المطلق والحق المطلب والسعادة المطلقة. وبقوة ما تجبر هذه النفس على مغادرة عالمها لتستقر في الجسد لتصنع معه الإنسان. هذا الجسد الذي هو من طبيعة مغايرة لطبيعة النفس. فهو من عالم الطبيعة. مادة غير نقية ولا طاهرة، مشدود دائما إلى أسفل بغرائزه ورغباته وحاجاته.

إنه سجن للنفس يحجبها عن الرؤيا وينسيها مؤقتا ما كانت تعرف قبل حلولها فيه، ولكنها تبدأ في استعادة ذكرياتها من خلال ما تتعرف عليه عبر الحواس الخمسة لتبدأ بذلك قصة الصراع والنضال من أجل أن تعود إلى عالمها وتتحرر نهائيا من الجسد. وقد تصور أفلاطون أن الإنسان يشبه إلى حد ما "المخلوط" بالمفهوم الكيماوي لهذه الكلمة، أي أنه يتكون من عنصرين مختلطين، فرغم تواجدهما في مكان واحد إلا أن كلا منهما يحافظ على خصائصه مستقلا عن الآخر. فلا علاقة بينهما إلا علاقة التجاور في المكـان والزمان. ولما كانتا من طبيعتين متناقضتين لكل منهما رغباته وحاجاته المناقضة لرغبات وحاجات الآخر. فلا غرو أن يكون الإنسان في صراع داخلي دائم لا يعرف الراحة ولا الهدوء ولا الاطمئنان.

وبالتالي لا مناص من إنهاء الوجود الإنساني لكي تستعيد النفس حريتها وسعادتها وطمأنينتها أو على الأقل تغليب حاجات النفس على حاجات الجسد كي نوفر نوعا من الهدوء للنفس عزاء لها عما فقدته بحلولها في الجسد، وتمهيدا لعودتها النهائية إلى عالم المثل.

إن هذا التصور الأفلاطوني يجعل الصحة النفسية نوعا من الخرافة، ويحولها إلى أمل يستحيل على الإنسان بلوغه وتحقيقه في هذه الحياة الدنيوية، ذلك لأن الصحة النفسية هي صحة النفس وسعادتها وطمأنينتها. وهي ليست يجعل الصحة النفسية نوعا من الخرافة ويحولها إلى أمل يستحيل على إنسانٍ بلوغه وتحقيقه في هذه الحياة الدنيوية، ذلك لأن الصحة النفسية هي صحة النفس وسعادتها وطمأنينتها، وهي ليست صحة الجسد الفاني ولا صحة الإنسان بنفسه وجسده، فهو منحاز بشكل واضح للنفس رمز الطهارة والنقاء والصفاء في نظره. إنها نظرة غير متوازنة بين النفس والجسد.

ويأتي أرسطو لينزل الفلسفة من السماء إلى الأرض كما يقال عنه يأتي ليطرح تصورا أكثر واقعية لكل من النفس والجسد والإنسان، وليقسم الموجودات إلى هيولي وصورة أي إلى مادة وشكل، ويطبق هذا التقسيم على الإنسانٍ فيرى أن الجسد هو الهيولي وأن النفس هي الصورة، وأن الوجود لا يتحقق إلا باتحاد الهيولي والصورة اتحادا بالمفهوم الكيماوي يتولد منه مركب جديد له خصائص جديدة مغايرة لخصائص كل عنصر من عناصره على حده.

ويعرف أرسطو النفس في كتابه بقوله: إن النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة، وهي عبارة عن مجموعة الوظائف الحيوية، كالتغذية والنمو والإحساس والحركة والتفكير. ويضيف أيضا أنه لا مجال لإطلاق صفات أخلاقية على أي من النفس أو الجسد، ذلك أننا نتحدث عن صفات للإنسان لا عن صفات لأي جزئية على حدة، والصفات التي تهمنا هنا هي الأداء الأفضل والأكمل للوظائف الحيوية التي تدل على الوجود الحقيقي العياني للإنسان.

إن نظرية أرسطو لا تتحدث عن صراع داخلي بالشكل الذي رأيناه في نظرية أفلاطون، بل إن مصادر القلق والإزعاج للإنسان تتمثل في المعوقات التي تعيق الأداء الواضح للإنسان من تغذية ونمو وحركة وتفكير ... الخ. وكلما قلت هذه المعوقات كلما أُديت الوظائف بشكل أفضل وأسهل وتمتع الفرد بالصحة النفسية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حديث أرسطو ينصب على إنسانٍ في كليته لا في أجزائه. لدرجة قد تنسينا أن الإنسان مكون من نفس وجسد، ويتحدث عن هذا الكل المنتظم المتآلف، مع أن الحقيقة غير هذا فلا يخفى على عاقل أحاسيس الإنسان بوشوشات الضمير وعتابه أحيانا، كما لا يخفى على عاقل أحاسيس الإنسان بالانفعالات المتضاربة التي يعيشها والأحداث التي لا يجد لها تعليلا، وذلك مع الاشتياق إلى معرفة أكثر للعوالم الخفية، وكل ذلك ينفي أن يكون هذا الكل متجانسا لدرجة ينتهي معها الصراع الداخلي لديه، ومع ذلك فإن نظرية أرسطو ظلت مصدر وحي وإلهام للكثير من المفاهيم النفسية الحديثة.

إن التصور الأرسطي للإنسان ربط بين صحة الإنسان النفسية من جهة، وقدرته على الأداء الأكمل والأفضل لوظائفه الحيوية. وهذه نقطة موجبة لصالح هذا التصور من حيث أنها وضعت لأول مرة معيارا يمكن من خلاله تلمس ملامح صحة الفرد النفسية. تلك الصحة التي تعني نجاح الفرد في أداء وظائفه الحيوية.

المراجع:

1 - د.محمد عودة محمد ود. كمال إبراهيم موسى.الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام.2004

2- د.عامر النجار.تاريخ الطب في الدولة الإسلامية.1994

3- فهيم أبادير. من محاضرات ناريخ الطب.1982

4- د.محمد عثمان نجاتي. الدراسات النفسانية عند العلماء المسلمين.1993

للمشاركة والتواصل:
maganin@maganin.com

واقرأ أيضا:
الطب النفسي الإسلامي /
شبهات وردود



الكاتب: أ.د مصطفى السعدني
نشرت على الموقع بتاريخ: 12/20/2006