إغلاق
 

Bookmark and Share

قيمة العقل في الإسلام! ماذا جرى؟ مشاركة ::

الكاتب: أ.رفيف الصباغ
نشرت على الموقع بتاريخ: 22/09/2008


أرسلت بريق (24 سنة، مسلمة) تقول:

قيمة العقل في الإسلام! ماذا جرى؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حضرة الدكتور وائل أبو هندي المحترم:
واحدة من إبداعاتكم الكثيرة في هذا الموقع، مقالة: قيمة العقل في الإسلام! ماذا جرى؟، قرأتها -وكما هي العادة في باقي المقالات أو المدونات- روت غليلي حول موضوعها، إلا أنني فهمت أمراً من خلال كلامكم –وربما يكون فهمي خاطئاً- وهذا الأمر هو: أنكم تحملون العتب على بعض العلماء القدامى -وذكرتم منهم الحافظ العراقي- حيث قلتم: (حتى وجد تراثنا من حملوا على العقل واتخذوه عدوا، حتى أن الحافظ العراقي يقول في نهاية تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين التي ورد فيها لفظ العقل: "ولم يصح في فضل العقل شيء")، ولكن الأمر ليس على هذا الوجه الذي ذكرتموه، خصوصاً أن الحافظ العراقي هو من أئمة الحديث الكبار المعروفين بالضبط والحفظ والإتقان، وذلك مذكور في كتب التراجم، أذكر منها ما قاله الزركلي في "الأعلام": (بحَّاثة، من كبار حفاظ الحديث)، كما أنه صاحب منظومة: الألفية في علم مصطلح الحديث وغيرها من الكتب المصنفة في هذا العلم... معنى ذلك أن كلامه في الحديث حجة، حتى ولو كان في أحاديث العقل!

كما أن تضعيفَ أحاديث العقل، أمرٌ يكاد يكون مجمعاً عليه من قبل المحدثين خاصة، وكل من كان له باع ولو قصير في هذا العلم.
- من ذلك ما ذكره ابن القيم في "نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول": (وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصح في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم ابن حبان والله أعلم)
- وأيضاً: ما ذكره ابن الجوزي في "تذكرة الموضوعات"، قال: (وكل حديث ورد فيه ذكر العقل لا يثبت)
- وأيضاً: ما ذكره العجلوني في "ك شف الخفاء"، قال: (وباب العقل وفضله لم يصح فيه حديث نبوي)

وأما الحديث المذكور في المقالة نفسها،(لكل شيء آلة وعدة...إلخ)، فهو حديث موضوع، فلا ينبغي قول: ("قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" في البداية، ولا: "صدق رسول الله" في النهاية) وابن المُجَبَّر المذكور في تخريجه هو داود بن المجبر (الضعيف) واضع كتاب العقل، ذكر ابن القيم في "نقد المنقول": (قال الخطيب حدثنا الصوري قال سمعت الحافظ عبد الغني يقول أخبرنا الدارقطني بأن كتاب العقل وضعه أربعة، أولهم: ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المجبر وركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر، وسرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخرى. قلت: يريد كتاب العقل للأودي المختلق الكذاب وهو سفر). ومثل هذا منقول عن الحافظ العراقي، وكذلك عن الملا علي القاري.

بل إن من قمة إعلاء قيمة العقل، أن لا نأخذ بأحاديث العقل –والتي هذا وصفها-، لأن هذه الأوصاف إنما جاءت بها الموازين العقلية الشديدة الدقة التي قام عليها علم الجرح والتعديل خاصة، وعلم مصطلح الحديث عامة.

ويكفي لإثبات أهمية وقيمة العقل في ديننا الحنيف –دين العقل- ما جاء في كتاب الله وما ورد من الأحاديث الصالحة للاحتجاج في هذا الشأن أيضاً، كالأحاديث الواردة بشأن إعمال العقل في الاجتهاد وغيره....

وأما قولك: (إذن هل لي أن أتساءل متى يؤمن الناس فعلا بأن الإسلام دينٌ يدعو إلى العقل؟ بحيثُ يكونُ إيمانهم بدعوة الإسلام للعقل والتعقل مفعَّلاَ في حياتهم؟ هل لنا أن نحلم بذلك؟)
اسمحوا لي أن أجيب عنه بـ: (نعم، لك هذا الحلم الذي سيكون حقيقة إن شاء الله)، لكن اسأل قبل ذلك: متى يصحو أصحاب زمام العلم الإسلامي –كما يدعون-، ويكفون عن بث الترهات والأوهام (التي لا يقبلها رجل عاقل فضلاً عن مسلم عاقل) بين عامة الناس؟؟؟!
هذا ما أحببت نقله لكم من أجل الأمانة العلمية رغم تقادم العهد على هذا المقال، واقبلوا اعتذاري إن كان في كلامي إساءة للأدب، ونهاية أود أن أقول:
كل الاحترام والتقدير لجهودكم المبذولة في هذا الموقع الرائع النادر، وكل آيات الولاء لما في سطوره النيِّرة، ولا أجد له مثلاً في هذا الحال المتأزم للأمة، إلا كمثل الصخرة التي اعترض المسلمين يوم حفر الخندق والتي أعطت البشارة للمسلمين في وسط أزمة الخندق الخانقة، فمزيداً من بوارقكم، حباكم الله نورا...

بريق
11/9/2008

السلام عليكم؛
حضرة الدكتور وائل أبو هندي المحترم....
وصلتني رسالتكم بشأن مشاركة الأخت بريق في وقت كنت أفكر فيه في المشكلات التي نسمعها، ونراها، ونقرأها في هذا الموقع وغيره، وأتساءل: هل هي تعبير حقيقي عن حال مجتمعنا العربي؟ وكنت أقول: من المؤكد أنها لا تعبّر تعبيراً دقيقاً، لأن أصحاب الوجه الآخر من المجتمع لن يرسلوا ويقولوا: مشكلتنا أننا بخير وليس عندنا مشكلة..!
فجاءت رسالة بريق لتعطيني بريقاً من الأمل لأنها تعبر عن نموذج يقرأ، ويفهم، ويشارك على هذا المستوى العلمي....
وجاء اهتمامكم بهذه الرسالة ورغبتكم الصادقة في معرفة الصواب والحق فيها –رغم كون الكاتبة في عمر أولادكم- نموذجاً -آخر- نادراً في أيامنا من التواضع، والصدق في طلب الحقيقة.

أقول للدكتور وائل:
إن ما جاء في رسالة الأخت بريق صحيح علمياً، فالحافظ العراقي -فعلاً- هو من كبار الحفاظ والمحدثين وكلامه حجة في هذا العلم.
والأحاديث الواردة بشأن فضل العقل لم يصح منها شيء –كما جاء في النقول الصحيحة التي أثبتتها- بمعنى: أنها إما أن تكون موضوعة، وإما أن تكون شديدة الضعف غير صالحة للاحتجاج...
وحديث: (لكل شيء آلة وعدة وإن آلة المؤمن العقل...) -فعلاً- موضوع، كما ذكر أكثر من واحد، منهم: أبو الحسن الكناني في كتابه "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة".

وقد نبه العلماء قديماً وحديثاً إلى وجود أحاديث واهية وباطلة في كتاب "الإحياء" للغزالي، ولعل قائلاً يقول: كيف يكون هذا من إمام كبير كالغزالي؟ فالجواب: من المعروف عن الإمام الغزالي أنه لم يكن له باع طويل في علم الحديث، وأنه بدأ بطلبه وتعلمه في آخر أيامه، حتى قيل عنه: (لو عاش، لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام). كما أن معرفة صحيح الأحاديث من سقيمها لم يكن يسيراً -على غير المحدثين- في زمانهم كما هو الحال اليوم، حيث يجلس أحدنا خلف الحاسب فيحصل على روايات الحديث، ومواضعه، ودرجة صحته في خمس دقائق...

لكني أعتب على أختنا، عندما قالت: (لكن اسأل قبل ذلك: متى يصحو أصحاب زمام العلم الإسلامي –كما يدَّعون-، ويكفون عن بث الترهات والأوهام (التي لا يقبلها رجل عاقل فضلاً عن مسلم عاقل) بين عامة الناس؟؟؟!). أَعْلَمُ يا أختي أن هناك من جلس على عرش التعليم قبل أن يتعلم، وصار يلقي على الناس ما يُسمع وما لا يسمع، وبعضهم كان من منهجه منع طلابه من إعمال عقولهم، وأمرهم بهز رؤوسهم موافقين على ما يقوله جملة وتفصيلاً...، وهذا إما بحسن نية ورغبة في تقديم شيء لهذا الدين الحنيف فأفسد من حيث يحسب أنه يصلح، وإما عن خبث طوية ورغبة في التصدر بين الناس...

وأياً كان الأمر، لا يصح أن تقولي (متى يصحو أصحاب زمام العلم الإسلامي كما يدعون..)، هلا أضفت عليها كلمة (بعض) فليس الكل كما تتصورين، فهناك الكثير ممن يضرب المثل بعقولهم، وإخلاصهم، وكلامهم المشرق المنير، وتربيتهم النادرة لعقول طلابهم...، فما ينبغي أن تنظري إلى الأمر من هذه الزاوية المعتمة...، فضلاً عن أن وجود العالم، والمتعالم، والصادق، والكاذب، لا يقتصر على المجال الشرعي بل هو موجود في كل مجال من مجالات العلم، وينبغي على العاقل أن يبحث عن الراسخين في كل علم فيأخذ منهم، ولا يكتفي بما يسمع من هنا وهناك...
.
أعود لمقالكم يا دكتور وائل:
لأقول: مقالكم في العقل مهم، والفكرة التي يقوم عليها صحيحة، كما أنه يتناول أحد الموضوعات الضرورية والحساسة في عصرنا، ولكن يبدو أن الحماس العاطفي قد شارك في كتابته..! ففيه ملاحظات أخرى غير المذكورة في رسالة أختنا بريق...
منها: حديث: "ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل" الذي ذكرتم أنه في سنن الترمذي، لكني لم أجده لا في الترمذي ولا في غيره من كتب السنن، وهو جزء من الحديث الذي ذكرتموه بعده، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وكذلك ذكره (الحكيم الترمذي) في نوادر الأصول (وهو غير الترمذي صاحب السنن)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: (وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو مجمع على ضعفه). وقد ذكرتم ضعف إسناده عند تعليقكم على القسم الثاني من الحديث.

وهناك أمور أخرى، تتناول مبادئ وأفكار محورية-وخاصة في الفقرة التي ورد فيها ذكر الحافظ العراقي-، لا يحتمل هذا الردّ تفنيدها، وإن كانت مناقشتها على غاية من الأهمية...
وأعود لأقول: إن عدم صحة أحاديث العقل، لا يعني أنه ليس للعقل قيمة في الإسلام بل كما ذكرتم: الإسلام هو دين العقل وهو الذي حارب الخرافة والأساطير...، وقد ذكرتم أيضاً عدداً من الآيات التي تحضُّ على إعمال العقل، وأما الأحاديث: فإن لم يصح فيها أحاديث تتكلم بشكل مباشر عن فضل العقل إلا أنها تغصُّ بالمواقف التي تُعلِي من شأن العقل وتحضُّ على إعماله.

بل إن جميع ما جاءت به الشريعة يدور حول خمسة مقاصد: أحدها (حفظ العقل) وحمايته من كل ما يخرِّبه ويذهب منفعته، وذلك من أجل أن يبقى عاملاً في مهمته التي خلق من أجلها.
أخيراً أقول: بارك الله بكم يا دكتور وائل، وبارك الله بأختنا بريق، وأسأل الله تعالى أن يجمعنا على الحق في الدنيا وعلى حوض نبيه صلى الله عليه وسلم في الآخرة، إنه سميع مجيب....



الكاتب: أ.رفيف الصباغ
نشرت على الموقع بتاريخ: 22/09/2008