إغلاق
 

Bookmark and Share

مؤتمر حوار الحضارات ::

الكاتب: أ. نانسي نبيل
نشرت على الموقع بتاريخ: 17/02/2007


المكان: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة
الزمان: الثلاثاء 13-2-2007
الحدث: مؤتمر حوار الحضارات أو ندوة التحيز 2

في الزمان والمكان المحدد تم تجمع عدد كبير من المفكرين والباحثين من جميع أنحاء الوطن العربي في محاولة لتوضيح جوانب التحيز Bias في علم النفس والطب النفسي وذلك برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رئيس المؤتمر وصاحب نظرية التحيز في العلوم الانسانية.

وكانت البداية مع الدكتور رضوان الخياط زميل في الجمعية الملكية البريطانية للطب النفسي المتخصص في العلاج النفسي (السلوكي المعرفي) من جامعة أوكسفورد، وقد تحدث عن البنى الفكرية ومفهوم التحيز وهي محاولة في فهم منشأ أنماط التحيز الفكرية، أساليب الحفاظ عليها، كيفية تحديدها، ومقدمة عن كيفية تغييرها، وأوضح أن البنى الفكرية هي عناصر منظمة ناجمة عن الخبرات السابقة للفرد تشكل مجموعة معرفية متماسكة ومستمرة إلى جد ما قادرة على التحكم في الإدراكات والتقويمات اللاحقة. وهي مركزية ومحورية في نظرة المرء إلى نفسه وللعالم من حوله. يسعى المرء للحفاظ عليها ولو أدت إلى نتائج سلبية ضارة. كما بين أن محاولة تغيير البنى الفكرية تواجه عادة بمقاومة شديدة من قبل صاحبها.

لقد تأثرت منظومتنا الفكرية بعوامل كثيرة خلال عقود متطاولة خلفت فينا تحيزاً في اختيار أسلوب القوة والعنف في حل مشكلاتنا على عدة مستويات. يبتدئ هذا التحيز من خلال تعاملنا داخل الأسرة وأيضاً عندما نتصدى لحل مشكلات مجتمعنا المستعصية.

كما أوضح أيضاً وسائل الحفاظ على البنى الفكرية من خلال وسيلة معرفية، ووسيلة سلوكية. فالوسيلة المعرفية الذهنية: تقوم بالحفاظ على البنى الفكرية من خلال الالتفاف (الواعي أو غير الواعي) إلى المعلومات التي تؤكد البنية الفكرية وإبرازها أو المبالغة بأهميتها، ومن خلال نفي وإغفال وإنقاص قيمة ما يعارضها بشكل واع أو غير واع أيضاً، وأما الوسيلة السلوكية: فمن خلال التحكم في البنية الفكرية بأنماط السلوك أي كيف نتعامل مع الآخرين ويعود السلوك بدوره ليؤكد البنية الفكرية ويزيدها رسوخاً وثباتاً مع مرور الوقت.

ثم تفضل الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي رئيس الجلسة بالتعقيب، وتلا ذلك حديث الأستاذ الدكتور محمد عمر سالم أستاذ الطب النفسي جامعة الإمارات حيث تناول بالحديث ضرورة مراجعة المناهج المحلية لعلم النفس والطب النفسي حيث قدم عرضا موجزا عن أسس نشأة علم النفس والطب النفسي الغربيين، كما تناول بالحديث رؤيةً للنفس البشرية تنطلق من منظور عربي وتلا ذلك تعقيب الأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي.

ثم قدم الدكتور ممدوح العدل (مصري مغترب) واستشاري الطب النفسي بإنجلترا حيث تناول بالحديث بعض الجوانب النفسية في ظاهرة التحيز وأوضح أن التحيز ظاهرة إنسانية معروفة وقد يكون التحيز منتشرا في حياتنا بدرجة أكبر مما يتصور الكثيرون من أهل العلم والفكر فضلا عن العامة.

ولكي نتدارس ظاهرة التحيز بعمق ونستوعب الأمر بالقدر الذي يليق به يجب علينا أن نعرف بعض الجوانب النفسية في ظاهرة التحيز وقد قدم طرحا لمجموعة من الأسئلة هل التحيز حالة عرضية أم نهج والتزام من منا ليس متحيزا؟ ومن لا يستطيع أن لا يتحيز؟ هل التحيز كله شر؟

ثم تناول بالحديث ما يعرف باسم التنافر المعرفي (Cognitive dissonance) والتحيز، إذ يعرف التحيز بأنه ميل العقل إلى جانب ما، ويعتقد المتخصصون في مجال الدراسات النفسية أن سبب التحيز يرجع إلى حدوث ما يسمى بظاهرة التنافر المعرفي. ويحدث التنافر المعرفي عندما تتواجد معرفتان متناقضتان مما يؤدي إلى درجة من المعاناة تدفع الشخص إلى العمل على التخلص من هذه الحالة، فيعمل على التخلص من التنافر المعرفي أو على الأقل الحد من آثاره.

والتحيز لا يمكن اعتباره مجرد مسألة فكرية لكن له جوانب فكرية (معرفية) وعاطفية وسلوكية. ولا ينحصر التحيز في سلوك الأفراد بل يمتد ليشمل الجامعات والمؤسسات وتشمل وسائل تقليل التنافر المعرفي ما يلي:
1- العنصر المثير للتنافر:
- التغيير: استبداله بعنصر معرفي آخر.
- التهميش بالتقليل من أهمية العنصر المعرفي المثير للتنافر.
2- العنصر المتوافق: بإضافة عنصر معرفي متوافق أو يؤدي إلى التوافق.
3- مصدر التنافر: تجنب هذا المصدر سواء كان عنصرا معرفيا أو اجتماعيا أو غير ذلك.
ثم تلا ذلك تعقيب للأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي.

وتناول الدكتور محمد طه أستاذ مساعد علم النفس بجامعة عين شمس وجامعة أبو ظبي موضوع قياس الذكاء والمفهوم الكامن عن الإنسان محاولة أولية لاستكشاف ملامح الذكاء من منظور عربي- إسلامي حيث عرض عرضا موجز لتطور مفهوم الذكاء وقياسه في الإطار الحضاري الغربي بداية من نشأته في أوربا وجهود الرواد الأوائل في الولايات المتحدة وحتى تطوره كصناعة ومؤسسة تعكس العديد من الجوانب الفنية والاقتصادية والقانونية كذلك، ثم تناول بالحديث كيفية تأثير التحيزات الأيدلوجية والسياسية وأوجه الجدل الاجتماعية بل والتحيزات الشخصية فيما يبدو أنه علم موضوعي يتدثر بالأرقام ويلتحف بعباءة الموضوعية Objectivity وما يترتب على هذه التحيزات من نتائج وعواقب على الصعيدين العلمي والاجتماعي وكيفية استخدامه أحيانا كمبرر لدعاوى التفرقة العنصرية وتبرير الظلم الاجتماعي.

كما قدم الدكتور محمد طه محاولة مبدئية لاستكشاف طبيعة وأبعاد مفهوم الذكاء في إطار الحضارة العربية الإسلامية وفي النهاية أوضح أن المفهوم العربي الإسلامي للذكاء أكثر رحابة وثراء ويتضمن البعد القيمي والأخلاقي كما يحتفظ بعلاقة توافقية -لا اقتحامية مع الطبيعة ويتسع صدره لجوانب ذكاء الحياة اليومية التي تتسم بالرقي أو الانحطاط ثم تلا ذلك تعقيب للأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي.

وفي الختام قدم الأستاذ الدكتور وائل أبو هندي الأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة الزقازيق موضوعه وهو من التحيز إلى القصور دراسة الوسواس شاهدا، إذ بين أنه برغم ارتباط الوساوس بالخلفية الثقافية فإن المقاييس المتاحة باللغة العربية مشبعة بالثقافة الغربية إلى حد كبير، إما لأنها ترجمة لمقاييس أجنبية بعينها أو لأنها مصممةٌ من خلال التحليل العاملي لبعض قوائم الوسواس القهري الأجنبية، وواصل الدكتور أبو هندي عرضه مبينا أنه نتيجة لما تشكل لديه من خبرةٍ إكلينيكية مع مرضى الوسواس القهري من العرب بشكل عام والمصريين بشكلٍ خاص، فقد تبين له أننا بحاجة إلى أداة قياس نفسي صادقة المضمون وقادرة بالتالي على اكتشاف أعراض المرضى من العرب ذوي الثقافة الإسلامية.

فمن بين محاور عديدة لدراسة ظاهرة الوسواس القهري عرضَ الدكتور وائل في هذه الندوة للتحيز الكامن في محور قياسات الوسواس القهري، فهناك مقاييس أجنبية عديدة للوسواس القهري وبعضها ترجم وقنن في البلاد العربية، وهناك أيضا المقياس العربي للوسواس القهري وكلها مع الأسف مقاييس اكتشفت أنها لا تعبر بصدق عن واقع حال مرضانا من العرب المسلمين، لأن جلَّ وساوسهم الدينية تختزل في عبارة أو عبارتين في تلك المقاييس، واكتشفت أن معظم المرضى لا يجيب عليها بنعم رغم أنها موجودة بل وبشكل معيق لدى المريض، ومن العجيب أن المقاييس التي تطبق حتى الآن في الدراسات العربية تغفل فقراتها الوساوس ذات المحتوى الديني رغم أنها تمثل ما يصل إلى 60% من الوساوس في مجتمعاتنا، فبينما يكون المريض في مرضه متحيزا لثقافته وتدينه، تحاول المقاييس المتاحة أن تكون غير متحيزة دينيا فتفشل في التقاط أعراض كثيرين.

ثم أضاف هذا التحيز الكامن أدى إلى: قصور الأدوات التي نستخدمها في بحثنا وممارساتنا الإكلينيكية عن تَحَسُّس -فضلا عن تفنيد وتوصيف- أعراض المرضى في حالة الوسواس القهري، ثم عرض كيفية إعداده مقياس لأعراض اضطراب الوسواس القهري مناسب للبيئة العربية بحيث تكون بنوده قادرةً على اكتشاف كل أعراض الوسواس القهري في ثقافتنا، ويقصد بذلك وضع مقياس مؤلف وليس مترجما، وفي النهاية أوصى الدكتور وائل ودعا الباحثين لإجراء دراسات تبحث في مفاهيم أخرى كالقلق والاكتئاب وبعض الاضطرابات النفسية الأخرى، وأضاف ربما يبينُ استقراء الواقع -في محاولة لتصميم مقاييس عربية- كثيرا من القصور الذي لا ندري به، بسبب التحيز الكامن في ما نستخدم من أدوات ومفاهيم.

وفي النهاية علق الأستاذ الدكتور يحي الرخاوي قائلا أن الدكتور وائل بدأ فعلا العمل فسار خطوة في اتجاه لا فقط مواجهة التحيز وإبرازه وإنما وضع بداية لكيفية التخلص منه من خلال الاعتماد على دراسة الظاهرة كما تحدث في ثقافتنا، وتمنى له التوفيق.

واقرأ أيضاً:
الجميع يوسوس ..ويتألم: مقياس الوسواس

خمس ليالٍ في المنامة مع المسيري



الكاتب: أ. نانسي نبيل
نشرت على الموقع بتاريخ: 17/02/2007