إغلاق
 

Bookmark and Share

مسارُ البدانة من الصحة إلى المرض ::

الكاتب: أ.د.وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 7/26/2004

ما يزال الكبار من القراء من جيل الستينات وما قبله يذكرون بالتأكيد كيف كانت التعليقات التي يسمعونها في سنوات طفولتهم أو مراهقتهم عن الشخص البدين أو ما كانت جداتنا تقلنه عن الطفل البدين، ويذكرُ بعضهم على الأقل، كيفَ أصبحت الفكرةُ الشائعة فجأةً عن البدانة معاكسةً لما نسمع من جداتنا، وكيفَ اقتنع كل واحدٍ بينه وبين نفسه بأن جدته من زمن آخر لم يكن العلم الطبي تقدم فيه لكي يخبرنا بحقيقة أن البدانة مرض،(حتى أنني أذكرُ من قال لآخر ولي تعليقًا على بدانة أحدهم: لا يا عزيزي البدانةُ مرضٌ وليست صحة فقد تقدم الطب وعرف الأسباب وطرق العلاج!).

فمن الناحية الطبية وعلى مسارٍ موازٍ لمسار البدانة من الجمال إلى القبح ، وإن كانَ المسارُ الطبيُّ أقلَّ تأثيرًا إلى حد ما خاصةً في صغار السن، فقد توالت عناوين المقالات في الدوريات الطبية وغير الطبية التي تربط السمنة بالمرض لا بالصحة كما يظنُّ الجهلاء!، وبدأ الأطباءُ في كل مكانٍ ينصحون مريضهم بالانتباه إلى وزنه، أو تقليل وزنه، ويعلقونَ النجاح في علاج مرضه بنجاحه في تقليل وزنه، وفعل الكل ذلك وما زالوا يفعلون وكلهم إيمانٌ بأن البدانة تحمل كثيرًا من الأخطار على صحة الفرد وعلى حياته بصفةٍ عامة.

وهكذا أصبح الارتباط بين السمنة وبين ما اشتهرَ بأنهُ من أمراض السمنة، كارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين والذبحة الصدرية ومثل مرض السكر، وأمراض المفاصل وغير ذلك كثيرٌ من الأمراض الخطيرة أو المزعجة، إلى درجةِ أن تقارير علمية حديثة تربطُ بين السمنة والموت المبكر حتى في صغار السن من الأطفال ومن المراهقين، ذلك الارتباطُ أصبح بمثابة الأمر المسلم به في أدمغة معظم المختصين بالطب والصحة.

وتعتبرُ أكثر الطرق الطبية شيوعًا اليوم لتحديد مستوى بدانةٍ أو نحول شخص ما هي الطريقة التي تعتمد على حساب منسب كتلة الجسد وينتج هذا المنسب عن حاصل قسمة الوزن بالكيلوجرام على مربع الطول بالمتر، إلا أن الخطر الذي قد تمثله البدانةُ على الصحة العامة لا يمكن استنتاجه فقط بالرجوع إلى منسب كتلة الجسد لأن هناك عواملُ أخرى عديدة من أهمها توزع الدهون في الجسد، ومستوى اللياقة البدنية بغض النظر عن الوزن، فمن المعروف أن تجمع الدهون في نصف الجسد الأعلى (أي في منطقة البطن والمناطق المحيطة بالأحشاء) يحمل خطورةً أعلى لأمراض السكر والقلب وارتفاع ضغط الدم، وذلك مقارنةً بتجمع الدهون في نصف الجسد الأسفل(منطقة الفخذين والأرداف)، وعادةً ما يقدر تجمع الدهون في منطقة البطن بقياس محيط الخصر Waist Circumference حيثُ تعتبرُ زيادة محيط الخصر عن 102 سم في الرجال وعن 88 سم في النساء عامل خطورةٍ لعديد من الأمراض الاستقلابية.

كما أن هناك دراساتٍ بينت أن الشخص النحيل الذي يفتقد اللياقة البدنية يكونُ أكثرَ عرضةً لأمراض القلب والأوعية الدموية أكثر من الشخص البدين الذي يمتلك اللياقة ويحافظ عليها، كما بينت دراساتٌ أخرى أن الخلفية العرقية للشخص هيَ أيضًا من العوامل المؤثرة في مدى خطورة منسب كتلةِ جسده على صحته، فمثلاً تعتبرُ قابليةُ شخص من جنوب شرق آسيا للإصابة بأمراض القلب والسكر عند منسب كتلة جسد ما أعلى من الشخص القوقازي ذي منسب كتلة الجسد المماثل، وهو ما يعني أن الأمور ليست أبدًا بالبساطة التي تمكننا من إرجاعها إلى عاملٍ واحد بالشكل الذي يسمح للأطباء في كل مكانٍ في العالم أن يربطوا بين بدانةِ شخص ما بمجرد رؤيته والأمراض التي تصيبه.

فإذا أضفنا المفهوم الخاطئ الشائع والقائل أن البدين مسئولٌ عن بدانته فإن تأثير ذلك يمتدُّ لا فقط ليؤديَ إلى الإساءة للبدانة كحالةٍ طبيةٍ للجسد البشري، بل إنهُ يمتدُّ أيضًا ليؤثرَ على تعامل المشتغلين بالصحة مع المريض البدين، حتى أنه يؤثرُ على تقبل هؤلاء المختصين للمريض البدين وانطباعاتهم عنه واستعدادهم لسماعه وتوقعهم لمآل حالته المرضية، وقد بينت دراساتٌ متعددةٌ أن ذلك كلهُ يكونُ أسوأ من مثيله في المريض الرشيق، وسببُ ذلك بالطبع إنما يرجعُ إلى مجموعة الأفكار الشائعة التي تحمل تحيزًا لا يقبلُ النقاش ضد البدانة، وتوقعًا لعدم التعاون من المريض البدين أو قلة احتمالية تحسنه بشكلٍ يرضي العاملين في المجال الطبي.

ورغم ذلك الشيوع والأثر القوي لفكرة ارتباط البدانة بالمرض، إلا أن الباحثَ المدقق سيكتشفُ أو سيصدمُ بأن ذلك الارتباط بينَ البدانة والأمراض ليسَ مؤكدًا ولا قويا من الناحية العلمية والإحصائية بالشكل الذي يبررُ التسليم الحاصل بأن السمنة مدعاةٌ للمرض ناهيك عن اعتبارها هيَ نفسها مرضًا (باستثناء السمنة المفرطة بالطبع)، وهذا هو ما ينادي به كثيرون من العقلاء في الميدان العلمي والطبي، لكن أصوات هؤلاء نادرًا ما تجد من يضعون لها الأبواق المناسبة.

ومنذ منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأت الحرب على الدهون بشكل كبير حتى أن أحد الأمريكيين يقول متفكهًا: "نحن في أمريكا لا نخاف الله تعالى ولا نخاف الشيوعية وإنما نخشى الدهون، وقد قامت المصانع الغذائية بدورها عندما أنتجت بدائل للدهون تصل إلى خمسة عشرة ألف منتج وأصبح هوس الدهون يشكل نوعا من الهستيريا التي أصبحت بعيدة عن واقع مراكز الأبحاث المتخصصة ومعروفٌ أن الدهون الحيوانية تزيد من احتمال تصلب الشرايين إلا أن الأبحاث الميدانية لم تكن متطابقة مع هذه النتائج فتناول الدهون بنسبة تتجاوز ما توصي به الحكومة ثلاثين بالمائة لم يؤد إلى أمراض قلب أو وفاة مبكرة كما أن الإقلال لا يؤدي إلى إطالة العمر".

إذن فالسؤال الذي نريدُ تنبيه القارئ إليه في هذا الفصل هو السؤال الذي يرددهُ كثيرونَ من العقلاء في أيامنا هذه التي أصبحت فيها مشكلةُ الوزن وتجارةُ أنظمة الحمية المنحفة وأدوية تثبيط الشهية واحدةً من أكثر القطاعات الاقتصادية جذبًا لأموال الناس على مستوى العالم كله، فوسائلُ الإعلام كلها تتكلمُ عن البدانة باعتبارها مرضًا،، وشركاتُ إنتاج الدواءِ تتكلمُ عن البدانة باعتبارها مرضًا خطيرًا، كما أن المنشورات التعليمية الموجهة للأطباء أو العاملين في مجال الصحة أو حتى لعامة الناس تعتبرها مرضًا، وكذلك افتتاحيات العديد من الدوريات الطبية المحترمة تعتبرها مرضًا، وعلى عكس ذلك يتساءلُ كثيرونَ في الدوريات الطبية المختلفة: هل من الإنصاف اعتبار البدانة مرضًا (بل ومسببَ أمراض خطيرةٍ عديدةٍ) بهذا الشكل المتفشي تماما بين الناس.

ومن الطريفِ أن كلاًّ من الذين يشيرونَ إلى البدانة باعتبارها مرضًا والذين يشككونَ في صحة اعتبارها مرضًا، كلاًّ من هذين الفريقين لم يقدم تعريفًا عامًا محددَ المعالم للمرض ولم يحاول أحد أن يفندَ البدانةَ وما يصاحبها من أعراضٍ وعلامات ليرى ما إن كانت تنطبقُ عليها صفات المرض أو لا؟!.

فحقيقةُ الأمرِ أننا كأطباء إذا اعتبرنا البدانةَ أو زيادةَ كتلةِ الدهن في جسد إنسانٍ ما عن عتبةٍ معينةٍ، نضعها نحنُ بناءًا على مقاييس اخترناها نحنُ أو اختارتها لنا شركاتُ التأمين على الحياة، أو اختارها لنا صناعُ تجارة الجسد الجميل أو تجارُ صناعة الجسد الجميل، ونحنُ قبلناها وصدقناها، فإننا سنواجهُ ومباشرةً -كأطباءَ - عدةَ مشكلات:

-أ- إن العلامةَ أو العرضَ الوحيدَ للبدانة(أن دهنًا كثيرًا يوجدُ في الجسد)، وهذا هو نفسُ الصفة المميزة للحالة، وليستْ هناكَ علاماتٌٌ أخرى مؤكدةٌ(سريريةً أو حتى قبلَ سريريةInevitable Clinical or Sub-clinical Signs).

-ب- هناكَ الكثير من البدينين لا يعانونَ من أي إعاقةٍ بسبب بدانتهم.

-ج- هذا الاعتبار يتجاهلُ نقطةً مهمةً ألا وهيَ الطبيعة الاحتماليةُ للبدانة بأيٍّ من الأمراض التي نتهمُّ البدانةَ بأنها عاملُ خطورةٍ لها، مع أن معنى عاملُ خطورةٍ في حد ذاته يعني أن الأمرَ لا يعدو كونهُ احتمالاً في الأساس.

-د- وثمة مشكلة في مفهوم العرض والمرض، إذْ كيفَ تكون الحالةُ نفسها عرضًا أحيانًا ومرضًا أحيانًا بالمفهوم الطبي؟

إلا أنهُ في حالات البدانةِ الشديدةِ كالتي نراها عند زيادة منسب كتلة الجسد عن 40 يوجدُ دليلٌ واضحٌ على التعارض مع الأداء الجسدي والاجتماعي للشخص البدين وربما حتى يصلُ التعارضُ حد الإعاقة، والحقيقةُ التي لا يمكنُ إغفالها بالرغم من ذلك هيَ أن المجتمع من حولنا يحوي العديد من الأشخاص البدينين الذين لا تمثلُ بدانتهم مشكلةً بالنسبةِ لهم في أي منحى من مناحي حياتهم اللهم شعورهم بأنهم يتعرضونَ للتفرقة الجسدية الاجتماعية، فهم مثارُ سخرية أو استغراب أو استظراف المحيطين بهم، وهم ضحيةُ التحيز الاجتماعي للجسد النحيل أو الممشوق كما أنهم يعانونَ في أبسط الأشياء كانتقاء الأزياء، خاصةً في العالم الذي يسمونهُ عالمٌ نام.

وعلى خلاف ذلك إذا نظرنا إلى من يعانونَ من درجات البدانة البسيطة فإننا نجدُ معاناتهم أقلَّ وكونِ هناكَ خطورةٍ على وظائفهم أو أجهزتهم الحيوية أيضًا أقلَّ، كما نجدُ المجتمعَ أكثرَ تقبلاً لهم وهم بالتالي أقلَّ عرضةً للسخرية الاجتماعية وأيضًا للتحيز الاجتماعي ضدهم، صحيحٌ أنهم يقفونَ من الناحية الطبية على باب الدخول في البدانة الشديدة بكل ما يعنيه ذلك من تهديد لصحتهم العامة وأدائهم الاجتماعي والنفسي، إلا أنهم يضعونَ المفاهيم الطبيةَ الشائعة والشعبيةَ أحينًا في موقفٍ محرجٍ عندما يعيشونَ حياةً ناجحةً نشيطةً على كل المستويات، وكأننا وضعنا وصمةَ المرض على ما لم يكن مرضًا إلا أن كانَ من المقبولَ أن نعتبرَ -بمثابةِ المرضِ- حالةً لا تؤثرُ بالسلب مطلقًا على صاحبها على الأقل خلال فترة من حياته، وأعودُ أيضًا لأكررَ هنا أن من الصحيح أن بعض الأشخاص البدينين قد يفشلونَ في مجاراة الآخرين في مهاراتٍ تعتمدُ على خفةِ الوزن، مثل صعود السلم بسرعة مثلا! أو الجري (خاصةً بسرعةٍ لمسافةٍ طويلةٍ)، ولكنَّ هذا ليسَ مقصورًا عليهم، فهناكَ كثيرونَ من ضحايا الحياة العصرية الخاملة في عالمنا النامي وأيضًا في العالم الذي يحسبُ نفسهُ صاحيًا هناكَ الكثيرونَ لا يستطيعونَ الجريَ ولا صعود السلم بسرعة أو قفزًا، صحيحٌ أن الرشاقةَ والانسجام البدنيَّ أمرٌ مطلوبٌ، ولكنَّ غيابهُ لا يصحُّ أن يعتبرَ مرضًا من الناحية الطبية العامة

صحيحٌ أن النموذج التقليدي لفهم المرض والذي كانَ يعتمدُ على مفهوم الجرثومة أو الإصابة أو الأذى، أصبحَ غير مناسبٍ لضم المفاهيم الحديثة للمرض داخل إطارٍ واحد، فمثلاً إساءةُ استعمال العقاقير والإدمان والكثيرُ من الاضطرابات النفسية هيَ حالاتٌ يوجدُ فيها شذوذٌ ما يمثلُ إتلافا وإفسادًا وإضعافًا لأداء الإنسان في الحياة، لكن معظمها يُعَرَّفُ اجتماعيا أو بعد اتفاقٍ اجتماعيٍّ طبي، إلا أن الأمر ليسَ بهذه البساطةِ لأن اعتبارَ شذوذٍ ما مرضًا إنما يضع تبعاتٍ على المجتمعِ لصالح المريض تتمثلُ في جوهرها في إعفائه من المسؤولية عن حالته وكذلك إعفائه من بعض التزاماته الاجتماعية والوظيفية، وأما الالتزامُ الذي يطلبُ من المريضِ في مقابل ذلك فهو أن يسعى للشفاء أي أن عليه ألا يستمرِأ المرضَ، وأن يلتزمَ بطاعة أوامر الطبيب الموكلِ إليه علاجه.

الوصمة الاجتماعية للبدانة:
يعتبرُ التحاملُ الاجتماعيُّ على البدانة هو المحركُ الأساسي لمعظم المشكلات التي تواجه الشخص البدين في المجتمع البشري الحديث، ويكادُ يكونُ من المؤكد أن البدين يبخس حقوقه في ذلك المجتمع إلى حد بعيد بما في ذلك حقوق التعليم والعمل وربما الترقيات بسبب وزنه، ونستطيعُ القولَ بأن الإهانة التي يلحقها المجتمعُ بالبدينين أبعدُ بكثيرٍ من مجرد اعتبارهم أقل جاذبيةً مثلاً من الآخرين، فمنذ طفولة الشخص البدين ومنذ سنين الدراسة الأولى وربما منذ وجوده في رياض الأطفال وهو يتعرضُ لمن يتوقعون منه الغباء أو الكسل أو القذارة أو القبح أو النكد، بل إن هناك من يرجعون الآثار الصحية السلبية للبدانة لا إلى البدانة في حد ذاتها بل إلى تحيز المجتمع ضد البدين والعزلة التي يفرضها عليه وما تؤدي إليه من كرب مزمنٍ يعيشُ فيه، وهو ما تدعمهُ نتائجُ دراسةٍ أجريت على الأفارقة في مجتمعاتهم التي تقبل البدانة كتنوع بشري فلم تجد زيادةً دالةً في الآثار الصحية السلبية تلك.

ثم أليسَ فيما تحملهُ معظمُ المجتمعات البشرية اليوم من موقفٍ متحيز ضد الشخص البدين نوعٌ من إلقاء المسؤولية عليه، أليسَ ضمنَ مبررات المجتمع لموقفه هذا أن الشخصَ البدينَ مسئولٌ عن بدانته؟ أليسَ هناكَ كثيرونَ يعتبرونَ الأمرَ واقعًا داخل حدود الاختيار، ألا نتهم الشخص البدينَ بالمسؤولية عن بدانته عندما نقولُ بأن البدانةَ لا تنتجُ إلا من زيادةِ الوارد إلى الجسد من طاقةٍ عن الصادر منه من طاقة؟ ألا يعني هذا أن الشخصَ البدينَ يأكلُ أكثرَ مما يجب أو أكثرَ مما يحرقُ من طاقة؟ فهل البدانةُ مرضٌ من نوعٍ مختلف أي أنها مرضٌ يتحملُ المريضُ مسئوليته، أم أن التوجهَ ناحيةَ اعتبارها مرضًا هو شيءٌ مختلفٌ عن التوجه ناحيةَ اعتبارِ أن الشخص البدينَ لابدَّ أن يسعى نحو التخلص من البدانة لكي يفي بالالتزام الذي يطلبهُ المجتمعُ من المريضِ كما ذكرتُ من قبل؟

ومن المهم هنا أن نشير إلى تضارب الآراء ونتائج الدراسات حول الآثار الصحية السلبية لزيادة الوزن، فهناك من يرون أن عوامل الخطورة للأمراض التي يظنُّ أنها مرتبطةٌ بزيادة الوزن ربما كانت أكثر ارتباطًا بعوامل وراثية أو بمكان تجمع الدهون في الجسد، أو بالحمية المنحفة المتكررة أكثر من ارتباطها بزيادة الوزن في حد ذاتها، وهناك من يرون أن البدانةَ قد لا تكونَ عامل خطورةٍ مهم لأمراض القلب أو غيرها من الأمراض في من لا توجد لديهم عوامل خطورة أخرى غير، وغالبًا قبل، حدوث البدانة، بل إن هناك ما يشيرُ إلى أن صاحب البدانة المتوسطة (زيادة الوزن بحوالي 15 كيلو جرام) قد يمتلك صحةً أفضل من صاحب القوام النحيل.

0 إن إنكارَ كونِ البدانة مشكلةً صحيةً اجتماعيةً ليسَ هو المقصود من كلامي هنا، وإنما المقصود هو أن من الخطأ اعتبارها مرضًا بينما هيَ لا تفي بالشروط اللازمة لكونها مرض في كل الأحوال بالمعنى الطبي، حتى لو قلنا أن البدانةَ تعتبرُ مرضًا من أجل تنبيه الناس للتخلص منها لأنها تمثلُ عاملَ خطورةٍ للكثير من الأمراض العضوية، فإن هذا في الحقيقة قد يبررُ في يومٍ من الأيام أن تحاولَ النساءُ التخلصَ من كونهن نساء لأن من الثابت الآن في الطب النفسي أن النسوية تكادُ تكونُ عاملَ خطورةٍ للاكتئاب، أنا أعرفُ بالطبع كم الغرابة في المثال الذي أضربه، ولكنني أريدُ أن أنبه إلى ضرورةِ وضوح المفاهيم سواءً في الطب أو في المجتمع.

بل إن الأمانة العلمية تقتضي منا ما هو أبعدُ من ذلك، فبينما نجدُ العامة في أيامنا هذه على وعي تامٍ بالآثار الصحية السلبية للبدانة، نجدُ العامة ومعظم الخاصة لا يعرفون أقل القليل عن الآثار السلبية للحميات المنحفة، وجراحات التنحيف وشفط الدهون على الصحة، فمتتبعو الحميات كثيرًا ما عانوا من مضاعفاتٍ صحيةٍ في منتهى الخطورة منها اختلال وظائف القلب والمرارة وحتى الموت، بل إن البدانة المتصاعدة الناتجة عن الحميات المتكررة وما يصحبها من تأرجح الوزن وصولاً إلى زيادةٍ نهائية في المحصلة هي أكثر خطرًا على الجسد (خاصةً على القلب)من الناحية الصحية من البقاء بدينًا مدى الحياة.

وكما يقول أحمد عبد الله لا يعني رصدنا لهذه الظواهر والمتغيرات أننا نشجع على نشر وتعميم هذه الأجساد "البرميلية" التي تسير في شوارعنا، وتتثاءب في بيوتنا!!، كما لا نرى الخير في "كرش" السيد "آدم"، والذي تزداد استدارته وترهله مع العمر! بل نحن ندعو إلى الرياضة من أجل الصحة، ومن أجل أن يكون الجسد سليمًا، ونعتقد أن هذه السلامة والعافية: اكتسابها والمحافظة عليها بالرياضة وغيرها تدخل تحت باب: "إن لبدنك عليك حقًا"، ما نستنكره هنا هو أن يكون السعي نحو نموذج معيَّن للجسد -أو أن يكون الهدف الأسمى من الجسد السليم- أن يصبح مثيرًا للشهوة؛ رغم أن الشهوة في أصلها ليست حرامًا، وهي من الله، وليست من غيره، ودور الإنسان أن يضعها في الإطار المنضبط إذا كان ملتزمًا بدين أو خلق، لم يجبره أحد حين التزم به. إذن نريد الرياضة بالمعقول، وبنَيَّة أداء حق البدن.

** إذن فحقيقة الموقف الطبي الموضوعي هي أن البدانة في حد ذاتها لا يصح أن نعتبرها مرضًا، والطب رغم ما يبدو تقدما في مجالات شتى فيه، ما يزال عاجزًا عن المعرفة الكاملة أو حتى الفهم الكامل لكلٍّ من الأسباب وطرق الخلاص من البدانة، ما تزال أجسادنا تنتصر علينا ببساطة لأنها ليست مجرد آلاتٍ أو أدوات نستطيع التحكم الكامل فيها.



الكاتب: أ.د.وائل أبو هندي
نشرت على الموقع بتاريخ: 7/26/2004