السلام عليكم
يا معشر المجانين، جئت موقعكم وأنا فعلا من القلب حزيييييييين أحتاج اليوم أن أتحدث بجدية للمرة الأولى. لقد اكتشفت أنني الشخص الذي يقتل نفسه ببطء وهو يظن أنه يحميها. أنا الشخص الذي لا يستطيع الشعور بالنعمة إلا حين تضيع من يده، وكأنما كُتب عليَّ أن أعيش في "الندم" فحسب.
مرت حياتي بثلاث محطات، كل واحدة منها كانت "إشارة" من الله بأنني غالٍ، لكنني كنت أعمى:
الأولى: كانت تقول لي "لا تستسلم لصوت عقلك والوساوس التي بداخلك"، كانت تحاول تهدئة الحرب في رأسي، لكنني صدقت صوت الخوف وخسرتها لأنني كنت لا أزال "على البر" وأرى نفسي قليلاً.
الثانية: التي حاولت إفاقتي بأجمل كلام يمكن لإنسان أن يسمعه، قالت لي "أنت لا تُعوض، شكلك وصوتك وعقلك وحنانك مميزون، أنت غالٍ وعزيز وأغلى مما تتخيل"...... كانت ترمي إليَّ بطوق نجاة وتقول لي أحِبَّ نفسك، لكنني أيضاً هربت.
الثالثة: كانت تنظر في وجهي وتقول لي "ابتهج، أنت ناجح وجيد، ثق بالله"، كانت ترى النجاح الذي لا أراه في نفسي وسط ضغط العمل.
والنتيجة؟ في كل مرة كان ردي هو "الهروب". أهرب فور شعوري بأنني بدأتُ أُحِب، أو فور شعوري بأن هذا الشخص أصبح أغلى من اللازم، أو بمجرد معرفتي بوجود عقبة (كأن تكون مخطوبة) فأسحب نفسي بمنتهى القسوة والبرود الذي يمزقني أنا قبلهم.
أنا اليوم أشعر بأنني أسوأ شخص في الدنيا، لدرجة أنني تمنيت الموت من فرط الوجع. لست قادراً على مسامحة نفسي لأنني أضعتُ أناساً كانوا "سنداً" لي في وقت كنتُ فيه ضائعاً. لماذا لا أجيد التمسك بالشيء وهو في يدي؟ لماذا يجب أن يضيع لكي أعرف قيمته وأجلس أبكي عليه؟
أنا لا أطلب شفقة، أنا فقط أعترف بأنني "خائف". خائفٌ أن أُحَبَّ ثم أُترك؛ فأسبق أنا بالهروب. أنا إنسان ناجح في عملي Top Achiever وأبني جسدي في الصالة الرياضية، لكن "الإنسان" الذي بداخلي هش وضعيف وجبان أمام مشاعره.
هل هناك أحد مثلي؟ يكره نفسه ولا يراها؟
هل هناك أمل في أن أكف عن إضاعة النعم التي في يدي وأتعلم المواجهة بدلاً من الهروب؟
18/9/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا "أمير"،
قرأت رسالتك بتأنٍّ، وأكثر ما لفت انتباهي فيها أنك لا تعاني من عدم معرفة قيمة الآخرين، بل يبدو أنك تعاني من الخوف من التعلّق ومن الألم الذي قد يأتي بعده.
أنت تصف نمطًا واضحًا: عندما يبدأ شخص في الاقتراب منك وتشعر أنه أصبح مهمًّا بالنسبة إليك، يبدأ الخوف في الظهور؛ فتنسحب قبل أن تُترك، وتبتعد قبل أن تتألم، وتُغلق الباب قبل أن يمنحك أحد فرصة حقيقية لتجربة العلاقة بأمان.
وهذا لا يعني أنك شخص سيئ أو أنك لا تعرف الحب. أحيانًا يكون الهروب وسيلة قديمة لحماية النفس من شيء تخشاه بشدة. المشكلة أن الوسيلة التي تحاول بها حماية نفسك من الألم قد أصبحت هي نفسها مصدرًا للألم.
وأريد أن أتوقف معك عند جملة مهمة جدًا: "أنا أسوأ شخص في الدنيا". لا يا "أمير"، أنت لست أسوأ شخص في الدنيا، ولا ينبغي أن تتحول أخطاؤك وندمك إلى حكم نهائي على قيمتك كإنسان. أنت شخص أخطأ، وخاف، وهرب، وربما اتخذ قرارات ندمت عليها، لكن الفرق كبير بين أن تقول: "لقد أخطأت"، وبين أن تقول: "أنا شخص سيئ ولا أستحق الخير".
كذلك، كونك ناجحًا في عملك وتمارس الرياضة وتحقق إنجازات لا يعني بالضرورة أن الجانب العاطفي لديك يجب أن يكون قويًّا بالقدر نفسه. الإنسان قد يكون شديد النجاح في حياته العملية، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى أن يتعلم مهارات لم تتح له فرصة تعلمها في الجانب العاطفي، مثل تقبّل القرب، والتعبير عن الاحتياج، وتحمل عدم اليقين، والبقاء في العلاقة دون الهروب عند الشعور بالخوف.
وأنت بالفعل بدأت خطوة مهمة جدًا: لقد لاحظت النمط. فبدل أن تقول فقط "أنا أضيع كل شيء"، حاول أن تسأل نفسك:
- ماذا أشعر تحديدًا عندما يبدأ شخص في الاقتراب مني؟
- ما الفكرة التي تأتي في رأسي قبل أن أهرب؟
- هل أخاف من الرفض؟ أم من الفقد؟ أم من أن أكون غير كافٍ؟
- هل أهرب لأن الشخص غير مناسب فعلًا، أم لأن القرب منه جعلني أشعر بالخوف؟
- ماذا أتوقع أن يحدث لو بقيت ولم أهرب؟
هذه الأسئلة قد تكون بداية مهمة لفهم نفسك بدلًا من جلدها. والأهم: لا تجعل الندم هو الطريقة الوحيدة التي تعرف بها قيمة الأشياء.
يمكنك أن تتعلم أن تقدّر الإنسان وهو موجود، وأن تقول كلمة طيبة في وقتها، وأن تعبّر عن مشاعرك دون أن تشترط أن تكون متأكدًا من النهاية، وأن تتحمل قدرًا من الخوف دون أن تتخذ قرارًا فوريًا بالانسحاب.
ليس مطلوبًا منك أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى شخص لا يخاف. المطلوب أن تتعلم تدريجيًا أن تقول لنفسك: "أنا خائف، لكن الخوف لا يعني أن عليّ الهروب."
وهنا أنصحك بجدية أن تعمل مع معالج نفساني بصورة منتظمة؛ لأن تكرار هذا النمط في أكثر من علاقة، مع وجود كراهية شديدة للذات وتمنّي الموت، يستحق تقييمًا نفسيًا مباشرًا ومتعمقًا، وليس مجرد نصيحة عابرة. يمكن أن يساعدك العلاج على فهم جذور هذا الخوف، وطريقة ارتباطه بنفسك وبالآخرين، وتدريبك عمليًا على تحمل القرب والمشاعر دون اللجوء إلى الهروب.
وأريد منك تحديدًا ألا تمر على جملة "تمنيت الموت من فرط الوجع" مرورًا عابرًا. إذا كان تمنّي الموت عندك مجرد تعبير عن شدة الألم دون رغبة أو نية لإيذاء نفسك، فمن المهم رغم ذلك أن تخبر المعالج بذلك بوضوح. أما إذا كان لديك الآن تفكير في الانتحار، أو خطة، أو وسيلة متاحة لإيذاء نفسك، فلا تبقَ وحدك ولا تؤجل طلب المساعدة؛ تواصل فورًا مع شخص تثق به واذهب إلى أقرب قسم طوارئ أو اتصل بخدمات الطوارئ في مكان وجودك. وفي مصر، تذكر وزارة الصحة أن الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان هو 16328 ويعمل على مدار الساعة لتقديم الدعم النفساني والاستفسارات المتعلقة بخدمات الصحة النفسية.
وأخيرًا يا "أمير":
أنت لا تحتاج إلى أن تعاقب نفسك على الماضي حتى تثبت أنك نادم.
التغيير هو الاعتذار الحقيقي لنفسك ولمن آذيتهم دون قصد.
ما حدث لا يمكنك تغييره، لكن الطريقة التي ستتعامل بها مع خوفك من الآن فصاعدًا ما زالت بين يديك.
وقد تكون هذه المرحلة تحديدًا هي المرة الأولى التي لا تحتاج فيها إلى الهروب.
هذه المرة، يمكنك أن تتوقف، وتفهم خوفك، وتتعلم كيف تبقى.
نعم، هناك أمل. وليس لأنني أعدك بأن كل شيء سيكون مثاليًا، وإنما لأنك بدأت بالفعل في رؤية النمط الذي يؤلمك، ورؤية النمط هي أول خطوة حقيقية لتغييره
واقرأ أيضًا:
نفس اجتماعي: الثقة بالنفس والتوكيدية Self Assertion
ردود القرّاء
لم يكتب أحد من القرّاء بعد. إن مررت بشيء يشبه هذا، فشارك صاحب السؤال ما ساعدك.
أضف ردك