إغلاق
 

Bookmark and Share

الاسم:   ن 
السن:  
15-20
الجنس:   C?E? 
الديانة: مسلمة 
البلد:   السعودية 
عنوان المشكلة: أكل الثلج : عقعقةٌ، ربما؟! 
تصنيف المشكلة: نطاق الوسواس OCDSD عقعقة Pica 
تاريخ النشر: 12/3/2003 
 
تفاصيل المشكلة
عادة أكل الثلج السيئة
 
 بسم الله الرحمن الرحيم
 السلام عليكم......

 مشكلتي بدأت منذ سنتين تقريبا وهي أنني آكل الثلج بشراهة كما يمكنني أن أطحنه طحنا ولا أشعر ببرودته لتعودي على هذا الأمر ..
 
 في بداية الأمر كنت آكله بمعدل 3 كاسات ممتلئة يوميا أما الآن فلم أعد آكله إلى هذا الحد لأن أخي أخافني قد أخبرني أن صديقا له قد أصيب بفيروس في القلب مزمن فأصبح يأخذ إبرة كل شهر لتخدير هذا الفيروس لأنه كان يأكل الآيس كريم كثيرا..
 
 فأصبحت آكل الثلج في كأس صغير يحوي أربع إلى خمس مكعبات منه
...
 
 
أريد التخلص منها نهائيا لأنها لا شك عاده سيئة صحيا ..وحينما يسألني أخواني عن سبب أكله أقول لهم بأنه يبرد على حلقي
.....
 
 
مشكورين
 
 29/11/2003
 
 
التعليق على المشكلة  
الابنة العزيزة ، أهلا وسهلا بك وشكرًا على ثقتك بصفحتنا استشارات مجانين ، فأما ما تستشيريننا بشأنه وهو أكل الثلج ، أو أكل مادةٍ غير مغذية فيسمى في الطب النفسي بالعقعقة Pica ، وإن كان تصنيف أكل الثلج Pagophagia والثلج من الماء عقعقةً أمرًا يحتاجُ إلى توفر العديد من الشروط لكي يكونَ اعتبارًا صحيحا ، وسوف نبدأ ردنا عليك أولاً بعرض لهذه الظاهرة التي نسميها بالعقعقة :
 
 فالعقعقةُ (أو القطا حسب ترجمة تصنيف منظمة الصحة العالمية العاشر) هيَ اشتهاءُ أكل موادٍ غير غذائية ، أو هيَ الأكلُ المستمرُّ لموادٍ غير مغذيةٍ ، أو هيَ الأكلُ المتعمدُ والقهريُّ لموادٍ غير مغذيةٍ ، أو هيَ اختيارٌ غريبٌ لطعامٍ ما أو لمزيجٍ ما من الأطعمة ، وليسَ مفهوم هذا الاضطراب النفسي واضحًا بعد ، بشكلٍ يوافقُ عليه الجميع ، حتى أن سؤالاً كسؤال هل يكفي الاشتهاءُ أم أنه لابدَّ من الأكل هوَ سؤالٌ ليستْ له إجابةٌ واحدةٌ بعد ! ، وتتداخلُ العقعقةُ مع ظاهرة الوحم في الحوامل من النساء ، وفي غير الحوامل أيضًا في فترةِ ما قبل الطمث ، ورغم غرابة الظاهرة في الكثير من الأحيان إلا أنها كثيرًا ما تدخلُ في حياة الأسر وتختلط بملابسات تلك الحياة ، أي أن علاقاتها بالأبعاد الاجتماعية والثقافيةِ متشابكةٌ بشكلٍ كبير ، كما أن الاهتمامَ بها في الطب العام قليلٌ جدًا ، فمثلاً عند طبيبِ النساء والتوليد لا تعني العقعقةُ أكثرَ من أنها علامةٌ من علامات الحمل ، كانت في الماضي مهمةً في تشخيص الحمل وأصبحت الآن بلا قيمةٍ تقريبًا ! لأنهم يستطيعونَ الآن التشخيصَ بدقةٍ وبأساليب متطورة إلى أبعد الحدود ، كما أن عندهم ما يكفيهم من المشاكل الجراحية والطبية المصاحبة للحمل والولادة فهم بالتالي نادرًا ما يخضعونَ العقعقةَ أو الوحام للدراسة العلمية.
 
 وأما طبيبُ الأطفال أو طبيب الأمراض الباطنية العامة فإن العقعقةَ بالنسبة لأيٍّ منهما قد تعني نقصَ الحديد أو الكالسيوم ولا تعني أكثرَ من ذلك إلا أنها يمكنُ أن تكونَ سببًا من أسباب التسمم في بعض الأحيان وهم أيضًا لديهم ما لديهم من الأمراض الملغزة التي يستطيعونَ البحثَ فيها بسهولةٍ فيجدون النتائجَ التي يفهمونها ، على عكس حالات العقعقة التي تبدو غريبةً وغير قابلةٍ للدراسة بالنسبة لهم ، فإذا وصلنا للطبيب النفسي وجدناهُ آخرَ من يُطرقُ بابهُ إن طرقَ لعرض أمرٍ كهذا عليه وهوَ بالتالي إن أراد دراسةَ الظاهرة وجدَ القليل من المرضى الذي لا يسمح بتعميم النتائج ، ورغم ذلك فالعقعقةَ تحدثُ في الرجال وفي النساء من مختلف الأعمار والأجناس وفي العالم كله ومنذُ ابتدَأَ التاريخ ، فتسمعُ عن من يأكلُ الطينَ وعن من يأكلُ الفحم ، ومن يأكلُ الطباشيرَ ومن يأكلُ الثلجَ ومن يشتهي القشَّ وما هوَ أغربُ من ذلك بكثير.
 
 ولكلمة العقعقةِ قصةٌ شخصيةٌ معي فعندما كنتُ طالبًا في السنة الخامسة من سنوات الطب كانت كلمة بيكا Pica توضعُ ككلمةٍ تقالُ ضمنَ علامات الحمل ، ولم أكن أفرقها يومئذٍ عن الوحام ، وعندما درستُ الطب النفسي بعد تخرجي لم تكن البيكا بالموضوع المهم أصلاً في معظم الأحيان لأنها وضعت في تصنيف الأمراض النفسية حديثًا جدا ، وعندما صدرت الترجمةُ العربيةُ لتصنيف منظمة الصحة العالمية العاشر للأمراض النفسية ، وجدتُ أن البيكا قد ترجمت إلى القطا ، وعندما سألتُ أحد أساتذتي ما هيَ القطا قال لي "هوَ اسمُ طائر يأكلُ أي شيء" ، وسعدتُ جدا في بداية الأمر بوجود كلمةٍ عربيةٍ تصلحُ لترجمة البيكا لأنني كنتُ أحسها شيئًا غير الوحام ، إلا أنني كنتُ أريدُ أن أعرفَ رأيَ العرب والمسلمين في الأمور المتعلقة بالقطا أو البيكا على أساس أن القطا طائرٌ سيئ السمعة يأكلَ كلَّ شيءٍ حتى الجيف ، لكن الذي حدثَ أنني فوجئتُ بأن القطا طائرٌ محترمٌ في تراثنا العربي ! كما تؤكدُ ذلك صفحاتٌ كثيرةٌ على الإنترنت فهوَ : "ضرب من الحمام ، يمتاز ببصر حاو ، لذا فإنه يستطيع تحديد موقع الماء من مسيرة عشرة أيّام ، ومن صوته تستدل القوافل على وجود الماء في موضع ما". ويضرب به المثل على الإرشاد والدلالة على الطريق ، فيقال : "هو أهدى من القطا، أو هو أصدق من القطا" والقطا طائرٌ حذرٌ ذكيٌّ فهو عندما يهبط بأرض وبها ماء ويجد بها ما يريد من الآكل مثل القمح أو الأعشاب البرية , فانه يجلس بها ويستوطنها ويتكاثر بها.
 
 وفي البداية بحثتُ عن أنواع القطا فلربما يكونُ أحد أنواعها هو الذي يصحُّ فيه ذلك الوصف إلا أنني قرأت عن الأنواع الأربعة عشر للقطا فلم أجد ما يشيرُ إلى غير أكله للحبوب ، بل إنهُ طائرٌ يخشونَ انقراضهُ الذي صار وشيكًا بسبب الصيد ، وعند هذا الحد بدأتُ أحسُّ بأن خطأ ما لابد قد وقعَ فلا يمكنُ أن يكونَ القطا طيرًا سيئَ السمعة مثلما كنتُ أظنُّ ، فبدأتُ البحثَ في أصل الكلمة الإنجليزية فوجدتُ أن البيكا اسمٌ محورٌ لطائرٍ اسمه Magpie ، وعندما بحثتُ عن صفات هذا ال Magpie وجدتُ أنهُ طائرٌ سيئُ السمعة يهدمُ أعشاش الطيور ويأكلُ بيضها وفراخها ويأكلُ الطير الجريحَ والمريض ويأكلُ الحشرات ويعتبرونه من الطيور القَـمَّامَةِ التي تقتاتُ بالقمامة ، كما أنهُ طائرٌ كبيرٌ يصل طول جسمه إلى نصف متر ، وهو طويل الذنب وجسمهُ أسود إلا بطنهُ وبعضُ بقعٍ على جناحيه ، وهكذا فتحتُ قاموسَ المورد لمنير البعلبكي (2001) ، لأرى كيفَ يترجمُ كلمةَ Magpie فوجدتهُ يترجمها بالعقعق ، وعندما بحثتُ عن العقعق في لسان العرب لابن منظور وجدتُ ما يلي : "عقعق الطائر بصوته جاء وذهب والعقعق طائر معروف من ذلك وصوته العقعقة قال ابن بري وروى ثعلب عن إسحق الموصلي أن العقعق يقال له الشججى وفي حديث النخعي يقتل المحرم العقعق قال ابن الأثير هو طائر معروف ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب قال وإنما أجاز قتله لأنه نوع من الغربان" ، وأما مختارُ الصحاح فلم أجد فيه إلا العقعقُ طائرٌ معروفٌ وصوتهُ العقعقة ولم يضفْ القاموس المحيط شيئًا عن ما يأكلهُ العقعق.
 
 وعندَ هذا الحد عرفتُ أن لديَّ ما يكفي لأن أقولَ أن ترجمةَ البيكا بالقطا هيَ خطأٌ يجبُ أن يصحَحَ ، وأن لديَّ من الشجاعةِ ما يجعلني أقترحُ أنا وزميلي
الدكتور أحمد عبد الله بدايةً كلمةَ العقعقَ وهو اسم الطائر ثم استبدلناها بكلمة العقعقة لتصفَ اضطرابَ أكلِ ما لا يؤكل عادةً واتفاقًا في مجتمعٍ ما في وقتٍ ما ، وكلمةُ العقعقةِ تعطي لدى السامع العربي شعورًا ما يتماشى مع هذا الاضطراب نظرًا لإيقاعها التكراريِّ بينما تعطي كلمةُ القطا إحساسًا بالتيه أكثرَ من التكرار ، وهذا في النهاية رأينا المتواضع.
 
 ونعود بك الآن إلى مشكلتك أنت وهي أكل الثلج ، ففي أواخر الستينات ظهرتْ في الدوريات الطبية أبحاثٌ تبينُ ارتباطَ أكل الثلج بفقر دم نقص الحديد Iron Deficiency Anemia ، وكذلك اختفاءُ هذا النوع من سلوك الأكل الغريب بعد تصليح النقص وعلاج فقر الدم الناتج عنه رغم أنهُ لم يكن معروفًا على وجه التحديد هل تسببُ أكلُ الثلج في إحداثِ فقر الدم أم تسببَ فقر الدم في إحداثِ سلوك أكل الثلج أو العَقْعَـقة (باعتبار الثلج مادةً غير مغذية) ، إلا أن أكلَ الثلج فقط هو النوعُ الوحيد من العَقْعَقة الذي ما زال يبدو مرتبطًا بنقص عنصر الحديد في الجسم ومستجيبًا للعلاج بإصلاح ذلك النقص ، لكنَّ ذلك غير صحيحٍ بالنسبةِ لأشكال العَقْعَـقة الأخرى التي قد لا تستجيب لا للعلاج بالحديد ولا بغيره من العناصر ، إذن نحمد الله أن المشكلة عندك هي أكل الثلج ، وعليك بزيارة الطبيب الباطني لعمل فحوص الدم اللازمة لك فإن كان هناك نوعٌ من نقص الحديد الذي يظهرُ على صورة نقص الهيموجلوبين في الدم ، فإن العلاج سيكونُ سهلاً إن شاء الله.
 
 وأكل الثلج مختلفٌ في رأي الكثيرين عن أكل الطين أو الطباشير أو غيره مما تقدمَ ذكرهُ ، لأن الثلجَ من الماء والماء مادةٌ نشربها جميعًا ،إلا أن مفهوم العَقْعَقة يوسعهُ البعضُ ويضيقهُ البعض فهناكَ من يعرفُ العَقْعَقة بأنها التوق الملح المنحرف للشهية False or Craving Appetite أو يعرفونها بأنها : تعمد اختيارٍ شاذٍّ من الأطعمة أو توليفةٌ معينةٌ من نوعين أو أكثرَ من الطعام ، ويلاحظ أن وصفَ العَقْعَقة أطلقَ على مر التاريخ على مفاهيم مختلفةٍ بعضَ الشيء فمثلاً أطلقَ وصفُ العقعقة على الأكل القهري لبعضِ أنواع الأطعمة بكمياتٍ كبيرةٍ .
 
 وفي العقد الأخير بدأت بعضُ الدراسات العلمية تشيرُ إلى وضع العَقْعَقة داخل نطاق اضطرابات الوسواس القهري ، حيثُ سجلت حالاتُ عقعقةٍ في مرضى الوسواس القهري وفي إحدى الدراسات ذكرَ الباحثونَ وصفَ خمسةٍ من المرضى لسلوك العَقْعَـقة الذي يمارسونه بأنهُ جزءٌ من طقوسهم القهرية التي يشعرونَ بأنهم مقهورونَ أو مجبرون على أدائها ، وأن أكل المادة التي يشكل أكلها عقعقةً هو السبيلُ الوحيد لتخليصهم من الضيق والإلحاح الذي يعانونَ منهُ عند منع أنفسهم من ذلك.
 
 معنى هذا الكلام بالنسبة لحالتك هو أننا نريدُ أن نعرفَ معلومات أكثر عن سبب عدم قدرتك على التوقف عن هذا السلوك ، فإذا ظهرَ أنك لا تعانين من فقر دم Anemia ناتجٍ عن نقص الحديد ، فإن أمامنا عدةُ احتمالات منها أن تكوني ممن يعشن في حمية منحفة دائمة خوفا من السمنة ، ومنها أن تكونَ لديك بعض سمات الوسوسة في شخصيتك ، ولكن لا يكفينا تبريرك الذي ورد في إفادتك وهو : (وحينما يسألني أخواني عن سبب أكله أقول لهم بأنه يبرد على حلقي) ، ونحن ندعو الله أن يهديك إلى تبريد حلقك بذكره سبحانه وتعالى ، وننصحك بعد إجراء الفحوص اللازمة
أن تتابعي معنا وأهلا وسهلا بك دائما.  
   
المستشار: أ.د. وائل أبو هندي