إغلاق
 

Bookmark and Share

على باب الله: زائدة دودية ::

الكاتب: د. أحمد عبد الله
نشرت على الموقع بتاريخ: 23/04/2007

 


للانقطاع عن الكتابة أسباب مثلما للكتابة دوافع!!
كتبت سابقاً على عدة مواقع، وانقطعت أحياناً لسبب أو لآخر، ومازلت أراجع وأتأمل كل يوم في: لماذا الكتابة؟!!
المعنى والجدوى، القارئ والأمل، الوقت والمشاعر، الهدف والاحتياج، الفاعلية والآلية، الأثر والعزوف!!
يقيناً يحتاج الناس دائماً لأكثر من مجرد كلمات، وبخاصة في مثل ما نعيش من ظروف، ويقيناً فإن الكلمات تؤثر أيضاً بحسب الأحوال، كما هي العادة في كل مكان وزمان.

هذا بمثابة بديهية عندي، ولكن الجديد هو أنني صرت أشعر أن في الاقتصار على الكتابة فقط، أو التركيز فيها وحدها يمكن أن يصبح نوعاً من الخيانة للذات، والتعذيب للآخرين!!
أتأمل أن هؤلاء الكتبة من حولي يشبهون ظاهرة صوتية أو مهرجان خطابة أو حناجر، مسابقة أقلام تجري على الورق بالأحبار تحمل الأفكار والأخبار لتصبها في ثقوبنا السوداء!!
فلا أثر يظهر لتغيير، ولا حصاد سوى الحروف، ووهم الفعل، وتخدير الضمير، وإعطاء الانطباع أن هناك حياة عندنا فيها صحافة أو إعلام، وفيها حوار وتبادل رأي، وكلمه زيف، أو أغلب ما أراه، هو مسرحية سخيفة، ومباراة في الأداء والأدوار، سواءاً من يبدو جاداً أو المهرجون!!

طنين فارغ، وطحين قليل، ضجة هائلة، وحصاد زهيد، وإمكانات ضخمة تتبدد في سوء الاستثمار، وبؤس الأخلاق والأوضاع!!
بالأمس وفي أحد أهم ميادين العاصمة المسكينة رأيت ضابطاً شاباً يمسك بمضرب البيسبول، وفجأة ودون مقدمات يكسر به بعض زجاج وفوانيس سيارة نقل جماعي "ميكروباص"، استسلام السائق لما بدا له قدراً، والضابط يضرب سيارة تلو أخرى، ثم يعيد المضرب إلى سيارته أو سيارة صديقه الذي كان يقف معه، والناس تتفرج، و.. و.. عادي!!
شعرت بالخزي والقهر والتشويش، وكأن الضربات الجبانة من ذاك البلطجي الحكومي في ملابسه الرسمية قد نزلت على وجهي، وعلى بدني!!

أسرعت بالانصراف لأن اللعنة تنزل على من يحضر مشهداً يُضرب فيه رجلٌ بظلم، وتفكرت أن الفرار من بلدي ربما يصبح فرض عين على كل من يرى الحاصل فيها، ولا يستطيع سوى السكوت، والضرب يحصل كل يوم، وفي كل زاوية، ويمارس أفراد السلطة، أو بالتأكيد بعضهم أكثر من آخرين، كما يمارس الناس بأسلوبهم حتى قرأت اليوم مقتطفاً من مدونة "نجوم الحيرة" يقول: "القمع في الصغر.. كالنقش على الحجر".. تعليقاً على قصة طفل يبكي فهدده الجميع بالضرب والشتيمة، والتخويف بالحقن، وضباط البوليس، وكل هذا لأنه كان يريد أن يتحرك من جانب أمه في الأتوبيس!

والكتبة ما زالوا يكتبون ويكتبون دون كلل أو ملل، ويقول لك البعض: هذه قدراتنا، وهكذا خلقنا الله "حملة أقلام "ومحترفي مقالات"!!
وكنت أتصفح سطور الصحف في"أبو ظبي"، وأشعر بمأزق من يكتب بشكل منتظم، ويحاول، ويحاول أن يكون ممتعاً وجاداً، في واقع عبثي ومقبض، رغم البريق واللمعان في أرجاء الوطن العربي كله.
وتتجول عيوني بين السطور، والعناوين الصحيفة، وصور الأغلفة فلا أجد غالباً سوى الضجيج والصراخ، والخلافات والشتائم والفضائح، أو كلام لا ينفع، ولا يمتع إلا المحبطين والمتخلفين عقلياً!!

من أجل ذلك وغيره تزدهر ظاهرة الانتحار في عالمنا العربي، والأرقام تتجاوز الألف سنوياً بدءاً من العام الماضي، والضحايا أغلبهم من الشباب ـصغار السنـ الذين تضيق بهم السبل، ويختنقون وسط هذا السيرك ولا يجدون مهرباً من الواقع سوى بالفرار من الحياة كلها!!!

شعوري وتفكيري ويقيني أن تغييراً جذرياً ينبغي أن يحصل في تكوين وعمل كل واحد يريد أن يصبح إنساناً لوجه الله، وللحياة الدنيا والآخرة. هذا التغيير يحتاج إلى إرادة وقرار، وبداية ودأب، وهو ممكن كما كان دائماً، وهو اختيار: هو أو استمرار الدمار والانهيار والانحدار!!
مواجهة الذات، والكف عن خداعها، ووقف الكذب والنفاق الاجتماعي، واستثمار الوقت والجهد في شيء غير ما نفعل ونقول ونكتب غالباً!!
الفرصة موجودة ـكما هي دائماًـ والبداية رهينة في حوزة الرغبة بالإفلات من سوء المصير!

تذكرت تعبير الشاعر "أحمد مطر" عن أن اللسان في أوطاننا مثله كالزائدة الدودية، وأخشى أن أكون بالكتابة منضماً إلى زوائد دودية كثيرة تملأ حياتنا، وفراغ أيامنا وليالينا بحكايات وأحاديث توهمنا بأنهم يفعلون شيئاً حين يكتبون، ونحن نفعل شيئاً لمجرد أننا قرأنا!!
أمسكت بالمصحف أمس، وجلست أقرأ، وما زلت أعجب: أحقاً بعضنا يقرأ هذا الكتاب، وبعضنا فعلاً يحفظه؟!
 
واقرأ أيضًا:
قصيدة أصبحنا / على باب الله: هل أغنى للبطاطس؟! / في مديح المغاربة.... المصرية رائدة مشاركة / على باب الله: طعانون وسماعون / على باب الله: تأملات أندلسية / على باب الله: نتغزل في الحرية، وكلنا عسس / على باب الله: بيداء الوحدة والحرمان  / العزلة طبعاً: هل هناك اقتراحات؟!  / على باب الله: ذات البين 3/3/2007 / على باب الله: بريدي مخترق!! / على باب الله: لماذا ننهزم أمام الشر؟؟ / على باب الله: الهروب / على باب الله: القرآن يتحدى 8/4/2007



الكاتب: د. أحمد عبد الله
نشرت على الموقع بتاريخ: 23/04/2007