إغلاق
 

Bookmark and Share

مدرسة الإسكندرية الطبية ::

الكاتب: أ.د مصطفى السعدني
نشرت على الموقع بتاريخ: 4/29/2007

أظن أن مدرسة الإسكندرية ببلاد مصر دليل على أن المشرق أضاف إلى الفكر الهلليني (الإغريقي) الكثير و الكثير، فادعاء الغرب وبيادقه بالداخل من أنصار العولمة أن الفكر الهلليني انتشر بالعالم مع الإسكندر الأكبر، أراه مجرّد كلام صادر عن مجموعة مصابة بمرض الأنوية؛ حيث يدعي الغرب أن الإسكندرية ومعهدها للحكمة museion ومكتبتها المشهورة كانت قد نشرت الفكر الهلليني (الإغريقي) بالمنطقة.

لا أحد ينكر أن بطليموس الأول جدّ كليوبترا الذي حكم مصر بعد موت الإسكندر الأكبر وبعد تقسيم المنطقة بين جنرالاته، أخذ بطليموس نائب الإسكندر الأول حكم مصر وما حولها، ونائبه الثاني سلوقس أخذ سوريا وما حولها أيضاً، وبطليموس هو الذي بنى المدينة العلمية في ساحة قصر المدينة. ولا أحد ينكر أنه بساحة قصر المدينة كانت الأقسام تحمل أسماء إغريقية مثل مركز أرسطو lyceum ، ومركز لإفلاطون أو لنقل (أكاديمية إفلاطون)، وحديقة ل Epikuros ، ومركز لزينوس (للفلاسفة الرواقيين).

ولا أحد ينكر أن المدرسة أنجبت عمالقة مثل إقليدس في الرياضيات، وهيرو الذي صنع أول محرك بخاري بالتاريخ، وأرشميدس ومفهومه للآلة، وقاعدته الشهيرة عن الأواني المستطرقة، وهيروفلس الذي قام بدراسة خلايا المخ البشري وكان يقوم بتشريح الجثث رسمياً، وبموافقة ومباركة من بطليموس نفسه!، وليس في الخفاء، كما فعل غيره من عظماء الأطباء القدامى!، ولقد وصف الفروق بين الشرايين والأوردة والأعصاب، وتعرف على الأوعية الليمفاوية والأذينين والبطينين بقلب الإنسان، وهو الذي أطلق على الاثنى عشر أسمها المعروف حالياً، كما وصف أغشية العين الثلاثة، وأطلق على سحايا المخ الأم الجافية والحنون والعنكبوتية، ووصف بطينات المخ وتلافيفه!، والعجيب أنه كان خبيرا بأمراض النساء والتوليد ووصف المبيضين وقناتي فالوب والرحم وأوعيته.

ومن عجيب ما يروى عنه أن سيدة من أثينا تُدعى "أجنوديس"، حلقت شعرها ولبست ملابس الرجال وقلدتهم وتعلمت طب النساء والتوليد على يديه بالإسكنرية، وذلك لأنه كان ممنوع في أثينا ممارسة النساء للطب!، وعند رجوعها إلى هناك نالت شهرة واسعة بين نساء أثينا وكانت أحيانا تكشف لمرضاها من النساء عن أنها واحدة منهن، ولقد أثار ذلك حقد زملائها من الرجال فاشتكوه (على أنها رجل) بتهمة إغواء النساء، وأمام المحكمة كشفت عن شخصيتها كسيدة، فبرأتها المحكمة من التهمة ولكنها حظرت عليها ممارسة الطب، فما كان من نساء أثينا إلا أن تظاهرن احتجاجاً على هذا التمييز العنصري والظلم الواقع على جنسهن، وتم إلغاء قانون حظر ممارسة الطب على النساء!.

كذلك علم الفلك الذي تطور كثيرا بالمدرسة عن طريق هيباركوس وغيرهم، ولا أحد ينكر أن الإسكندرية كانت عاصمة العالم في العلوم المختلفة في ذلك العهد. أما أيرازستراتس، وكان يُقال عنه أنه ابن أخي أرسطو أو ابن أخته، فقد كان من تلامذة مدرسة الإسكندرية وبعد ذلك واحداً من أساتذة المدرسة المرموقين في علم الفسيولوجيا أو وظائف الأعضاء، وهو الذي وصف القصبة الهوائية ووظيفتها في نقل الهواء للرئتين، وكذلك ذكر دور لسان المزمار في إغلاق فتحة القصبة الهوائية عند البلع حتى لا يدخلها الطعام، ولقد أسهب في محاولة تفسير الروح على أنها بخاراً لطيفا يملأ كل فراغ في الجسم؛ "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" (الإسراء 85).

أما جالينوس وكما يطلق عليه كل الأطباء العرب لقب "الفاضل"، فكان الطبيب الأول في الإمبراطورية الرومانية القوية، وهو من أكثر الأطباء تأثيرا على عقول أطباء البشر لما يزيد عن أربعة عشر قرنا من الزمان، وصدق هذا أو لا تصدقه، هذا الطبيب العبقري كان من تركيا حيث تقع بلده "برجام" على بعد 80 كيلومتر من أنقرة ومن سلالة أطباء تُنسب لإله الطب عند الإغريق "إسقلابيوس"، ولقد تعلم جالينوس الطب أساسا على يد أساتذة الطب بجامعة الإسكندرية القديمة، ثم أصبح الطبيب المعالج للمصارعين بروما، ثم الطبيب الأول لرجال الدولة والأباطرة بروما!!.

ولا أحد ينكر أن مدرسة الإسكندرية نشرت في العالم ما وصلت إليه من نتائج في الميادين العلمية الطبية والفلكية وقياس الأراضي وكل ما له علاقة بالبحر.. الخ، لكن هناك فرق شاسع بين مدرسة الإسكندرية وأثينا ولا يمكن المقارنة بينهما.. فمدرسة الإسكندرية كانت علمية بحتة واهتمت بالعلم وورثت ذلك عن الفراعنة، وكانت بعيدة عن التساؤلات الوجودية، أي كانت معهدا للأبحاث العلمية والتجارب فقط، أما الجانب الديني بها فكان محدودا جدا.

ولو نظرنا إلى عمالقة الفكر المصري في ذلك العهد مثل إفلوطين وآري وأوريغن وكليمانس وغيرهم نجد أن أفكارهم ونظرتهم الروحية للوجود كانت شرقية بحتة. فإفلوطين كان وثنيا شرقيا بحتا، وآري وأوريغن كانا من النصارى الشرقيين وحاربا الكنيسة الغربية، وقد طردهما البابوات الغربيين من قائمة المسيحيين... الخ.

وعندما نزلت الرسالة على النبي (صلى الله عليه وسلم) كانت منطقة الجزيرة العربية شبه عذراء من الأفكار الدخيلة الهدامة ومن الآراء الفلسفية المرهقة للعقول البسيطة، فقبلت الأكثرية الدين الجديد وارتقت المنطقة وساهمت في تطوير العقل البشري .لقد قامت الحضارة الإسلامية بهضم الفكر الهلليني واللاتيني والفارسي وغيرهم من أفكار أهل الحضارات الموجودة بالمنطقة، ونتج للعالم فكر حضاري جديد هو خليط من الحضارات الموجودة في ذلك الوقت، ويغلب على هذا التيار الحضاري المتنامي الفكر والروح الإسلامي؛ فعندما ظهر الإسلام وفتح المسلمون فارس والعراق والشام ومصر في القرن السابع الميلادي، رأوا ما في هذه البلاد من مدارس تحتضن حضارة اليونان وفكرهم.

وكذلك الفكر البيزنطي والرومي، ولم يكونوا على جهل بهذه الثقافات جهلا تاما، لأن بعض المؤثرات الثقافية من المدارس السابقة تسربت إليهم. وبفضل ما أثاره الإسلام من حماسة للعلم وحث الدين الجديد على التسامح إزاء الديانات الأخرى قامت حضارة زاهرة مستنيرة وسطية أخلاقية القيم والمعاني في منطقتنا المتوسطية الموقع من العالم، ولهذا حق لنا نحن العرب والمسلمين أن نعتز بهذه الحضارة العظيمة، والتي لم تبخل أبدا على الدول المتخلفة التي من حولها بنشر أنوار ومشاعر الفكر والثقافة وبلا مقابل مادي مدفوع -وبالذات أوروبا ككل- وهذا ما تفتقده الحضارة الغربية الآن، والتي تحتكر العلم والمعرفة المتقدمة، ويفتخرون بأنهم يحجبون علوم التقنية المتقدمة في كل المجالات من علوم وراثة وذرة ووسائل اتصالات ومواصلات وأسلحة متقدمة وزراعة وصناعة عن الدول الفقيرة والمتخلفة كي تظل تابعة لهم، تدور في فلكهم، وتسبح بحمدهم ليل نهار!.

هذه الحضارة الغربية التي تسأل الأجر المادي أولاً وبشراهة واستغلال حتى عن حق اكتشاف أدوية علاج الفقراء والمعدمين من أمثال مرضى الإيدز والسرطان!؛ وهذا باختصار أخواني الكرام هو الفرق الجوهري بين حضارتنا العلمية الأخلاقية في القرون الوسطى وحضارة الغرب الوجودي المادي العلماني أوالديني اللا أخلاقي في واقعنا المعاصر؛ فعن أي تنوير تتكلمون أيها المتغربون المولودون في الشرق!! وماذا فهمتم من عصر التنوير!!، هذا التنوير الغربي بناه رجاله على فكرة واحدة وهي أن: "العقل الغربي متفوق على كل العقول"، ولقد كذبوا فيما قالوا!.

هذه الأسطورة صنعها الهراطقة العرب من أنصار الفكر الهلليني (الإغريقي)، وأرباب الفكر الغربي، الذين تربوا على موائد الغرب وأكلوا وشربوا عليها، وبعضهم مازال يمد يديه ليأخذ أجر عمالته من حكومات الغرب!، عن أي تنوير تتكلمون وأنتم تقولون لنا بأننا كائنات بلا عقول وغير قادرين على التمييز بين الخير والشر!، عن أي تنوير تتكلمون وأنتم تقولون لنا: انبطحوا أمام الغربي، إنكم أقل منه مقاما؛ لذا يجب عليكم أن تقلدوه حتى في البيبسي والشيبسي والكورنفليكس والديرتي جينز وماركات النيكي والأديداس والفله ومحلات آدامز ونيكست وبي إتش إس وماركس أند سبنسر والفيديو كليب وأكلات الهمبورجر والبيتزاهت والكنتاكي وماكونالدز وستاربكس، (وكأن البرنامج العربي في الكومبيوتر مل من طلب تصحيح تلك الأسماء الغربية وزهد فيها ويطلب مني الرحمة والتوقف!!) وفوق ذلك أفلام الإغراء والعنف والمافيا والمخدرات و...و...و...

وللأسف فأسيادكم من التنويريين الغربيين صنعوا من الغربي إنسانا يثق بنفسه، ويفتخر بما أنتجه أجداده وكانوا أعداءً للتسلط وحاربوا الفساد في الدولة، بينما أنتم أيها التنويريون المستغربون من الشرقيين قد نشرتم بيننا عقدة تفوق عقل الغربي وسخرتم من كل ما أنتجه أجدادنا!!؛ فاتقوا الله أيها المستغربون فلم يعد في الأمة بقية وإن كنتم تشعرون أنه ما زال في أعماركم بقية! فلا أظن ذلك!!.

فولتير ليس الوحيد الذي طلب من بني جلدته ضرب المشرق؛ فالغربيون منذ عصر النهضة وحتى قبله طلبوا من حكامهم توجيه أسلحتهم ضدنا، ألم يطلب ليبنيتز سنة 1670 من لويس الرابع عشر شن حرب مقدسة ضد مصر ؟!!، ألم يطالب ماركس باحتلال الجزائر!!?.. الخ.

ومما يقال عن المستفيدين من مدرسة الإسكندرية من المسلمين: يقال أن خالداً بن يزيد بن معاوية استقدم من الإسكندرية راهبا بيزنطيا اسمه مريانس وطلب منه أن يعلمه علم الصنعة "الكيمياء" ولم يكتفِ بذلك و إنما طلب من آخر اسمه اصطفن ترجمة ما أتى به مريانس إلى العربية.

وقد اتجه بعض الباحثين الأوروبيين المحدثين أن يشككوا فيما نسب إلى خالد بن يزيد من جهود علمية متميزة مستهدفين غمس الإسلام وطمس دوره في ظهور أعظم حضارة عرفتها البشرية في العصور الوسطى، وفي ذلك شككوا أيضا في شخصية جابر بن حيان الكوفي (القرن الثاني الهجري) الذي يعتبر أبا لعلم الكيمياء، وأيضا شككوا في قسطنطين الأفريقي الذي ينسب إليه ترجمة مؤلفات العرب في الطب إلى اللاتينية مما مهد لظهور مدرسة سالرنو الطبية في جنوب إيطاليا. وقد ذهب الكاتب لوتسيان كاسيموفتش إلى التشكيك في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه "لم يكن هناك محمد إطلاقا"!!!.

ومن الخلفاء الأمويين الذين استعانوا بأساتذة مدرسة الإسكندرية بعد خالد بن يزيد، عمر بن عبد العزيز ( 99- 101 ﻫ)، الخليفة الراشد الخامس، رضي الله عنه وأرضاه؛ حيث اصطحب معه عند ذهابه إلى الخلافة في المدينة أحد علماء مدرسة الإسكندرية بعد أن أسلم على يديه، ويُدعى "ابن أبجر" واعتمد عليه في صناعة الطب. وقد قام الخليفة عمر بن عبد العزيز أيضا بنقل علماء مدرسة الإسكندرية إلى مدرسة انطاكيا سنة 100 ﻫ لكن هذا لا يعني أن مدرسة الإسكندرية أغلقت بل ظلت قائمة في العصر العباسي ومن اشهر أطبائها:
1. بليطان الذي اعتمد عليه هارون الرشيد (170-194 ﻫ) في علاج جارية له.
2. سعيد بن توفيل، والذي كان طبيب احمد بن طولون (254- 270 ﻫ).

نهاية مدرسة الإسكندرية: ونتيجة لانغماس القادة الدينيين في الجدل الديني حول بعض القضايا المسيحية وفور تدين الدولة الرومانية بالنصرانية على عهد الإمبراطور (قسطنطين) (274 - 337م) صبت هذه الديانة جام اضطهادها على الوثنية المصرية، فدمرت معابدها، وأحرقت مكتباتها، وسحلت وقتلت ومزقت وأحرقت فلاسفتها..

وسجل التاريخ كيف قاد بطرك الكنيسة المصرية (تيوفيلوس385 - 412م) حملة اضطهاد عنيفة ضد الوثنيين، واتجه للقضاء على مدرسة الإسكندرية، وتدمير مكتبتها، وإشعال النار فيها، بحجة أنها مكتبة تحتوي على كتب الزندقة والكفر والهرطقة.. وطالت هذه الإبادة مكتبات المعابد.. وتم السحل والتمزيق والحرق لفيلسوفة الأفلاطونية الحديثة، وعالمة الفلك والرياضيات (إناتيه370 - 415م) وذلك فضلاً عن تحطيم التماثيل.. والعبث بالآثار.. ورغم كل ذلك العدوان على مدرسة الإسكندرية استمرت هذه المدرسة في تخريج أفاضل العلماء من الأطباء وغيرهم، والذين استفاد منهم خلفاء المسلمين في العهدين الأموي وعصر النهضة العباسي.

ولبعد مدرسة الإسكندرية نسبيا عن مركز الخلافة خاصة في العصر العباسي، انتهت هذه المدرسة تماما بعد أن ازدهرت مدرسة جنديسابور وأصبحت أقوى المدارس الطبية بالشرق على الإطلاق.

واقرأ أيضاً:
صفحات من تاريخ الطب النفسي (1)  
أوجه الشبه بين قتل صدام والمستعصم  
صفحات من تاريخ الطب النفسي(2)  
الشبه بين قتل صدام والمستعصم مشاركة
صفحات من تاريخ الطب: من محن الأطباء(1)  
صفحات من تاريخ الطب: من محن الأطباء(2)  
الانحرافات الجنسية: أشكالها وتعدداتها
معرض القاهرة للكتاب.. وفكرة عاقلة لمجانين
أحتاج من يقرأ بشدةٍ.. مشاركة
أحتاج من يقرأ بشدة مشاركة 6  
باب جديد الدين والصحة النفسية 



الكاتب: أ.د مصطفى السعدني
نشرت على الموقع بتاريخ: 4/29/2007