الخوف والخيانة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحب أن أبدأ بالشكر للسادة القائمين على الموقع وجزاكم الله بما تعملون خيرا.
أبدأ بعرض مشكلتي منذ أن كنت صغيرا، طفل صغير يعيش مع فتيات كبار يتم تربيته بعيدا عن أبيه وأمه وأخواته يتربى مع إحدى قريباته وبناتها. كل الرعاية تقوم بها هذه القريبة ولكنى أحس أنها ربتني كالبنات بمعنى ده عيب وده غلط لا تتكلم عندما يتكلم من هو أكبر.
كبرت وكلى خجل من الفتيات لا أكاد أتحدث مع واحدة حتى أتصبب عرقا من الخجل. حتى دخلت الجامعة وكانت جامعة خاصة بالذكور ولكن في السنة الثالثة تعرفت على بعض الفتيات وكنت أقضي معهن بعض الوقت في التنزه والذهاب إلى المعارض كمجموعة من الشباب.
ولكن أعترف بأنني كنت أتعلق بهن وأحببت بعضهن ولكن في صمت كما تعودت. فانا لا أستطيع أن أبوح بما في داخلي من مشاعر لا أعرف لماذا هل هو خوف أم خجل أم كلاهما؟
المهم ولأول مرة أرسب في دراستي بعد أن كنت متفوقا ولم يعاتبني أحد على ذلك وكنت أود أن يلطمني أبى كي أفيق من غفلتي هذه وتعلقي بتلك الفتيات.
وبعد ذلك قررت الابتعاد عن تلك الفتيات واجتهدت في المذاكرة وتخرجت من الجامعة. واشتغلت في شركات خاصة ولكن ظهرت المشكلة ففي كل شركة توجد فتاة أو فتيات أتعلق بها أو ببعضهن ولكني أظل صامتا لا أتحدث إليهن أخاف من المعصية أخاف من الخطأ.
ولكن فتاة أحست بي وبحبي لها في صمت وكانت فتاة جميلة الكل يحبها في العمل وكانت أيضا مخطوبة لزميل في قسم آخر في الشركة وكانت تكبرني بعامين وكنت جديدا بالعمل. تعلقت بهذه الفتاة وأصبحنا نتحدث كثيرا ونخرج من العمل سويا وأقوم بتوصيلها إلى مكان قريب من البيت لأن خطيبها مشغول معظم الوقت.
وفى إحدى المرات سألتني عن مشاعري نحوها فقلت إنك زميلة عزيزة وأخت لي ولكنها كانت تحاور بطلاقة ولم تكتفي بهذه الإجابة حتى قلت لها أنني أحبها؟ نعم لم أستطع مقاومتها فهي أنثى بكل معاني الأنوثة وتعرف كيف تستخدم أسلحتها جيدا. وبدأ الخروج في الحدائق وتعرف ما يحدث فيها تعلقنا ببعضنا البعض محادثات هاتفية ليلاً ونهارا وأحيانا إلى أن تطلع الشمس.
وبعد ذلك قررت أن تستمر مع خطيبها وتتزوجه وتزوجته فعلا وتركت أنا العمل في هذه الشركة وعملت في شركة أخرى ولكنى كنت مجروحا وأخاف أن أتعامل مع الفتيات وكانت هناك محاولات من بعض الفتيات للتقرب مني ولكني كنت أحاول معاملتهن كصديقات أو زميلات عمل فقط
ولكن منذ فترة تقربت إلى فتاة متدينة طيبة أحبتني وكما تعودت أحببتها في صمت ولا أستطيع أن أقول لها ذلك فأنا خائف من الزواج خائف من الخيانة من أن يكون اختياري غير صحيح من مسئولية الزواج والأبناء خائف من أن أكون غير قادر على إشباع رغبات زوجتي.
ولكن هذه الفتاة ابتعدت عني لأني لم أتخذ أي خطوات جادة لأتزوجها. ولا أخفى عليكم أنني أحس بعض الوقت أنها ابتعدت عني ورفعت عن عاتقي كل هذا التفكير بها وبالزواج ولكنى أحيانا أخرى أحس بها وأشتاق إليها ولكني دائما أهرب من المواجهة.
اليوم أحس أني عمري تقدم بي ولم أتزوج وأخشى من الزواج ولا أعرف ماذا أفعل فأنا أحس بالوحدة.
فماذا أفعل؟
27/05/2005
رد المستشار
أخي العزيز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لكي ينشأ الإنسان صحيحا نفسيا فهو يحتاج لأن يربى في أسرة يتحقق فيها النموذج الكامل للأسرة من أب وأم وإخوة وأخوات، ففي هذا النموذج يجد صورا مختلفة لتنويعات البشر يحتاجها لكي تتكون منظومته النفسية بشكل سليم فمثلا يتقمص دور الأب ليكتسب منه صفات الرجولة ويعرف معنى الذكورة، ويتعامل مع الأم ليعرف معنى الأمومة ومعنى الأنوثة، ويتعامل مع إخوانه وأخواته وتحدث بينه وبينهم صداقات وأحيانا عداوات وغالبا منافسات، ومن كل هذا يتعلم قوانين التعامل مع البشر على اختلاف أنواعهم وتتكون لديه مستقبلات للذكورة والأنوثة ويتعلم قوانين الحب والصراع والمنافسة، وتتكون لديه منظومة سلوكية متوازنة تؤهله للدخول للحياة والتعامل مع البشر بشكل طبيعي، وكأن الأسرة الكاملة بما فيها من علاقات ومعاملات وصراعات وقوانين هي نموذج مصغر للمجتمع الأكبر.
هذا هو النموذج المثالي الذي نرجوه ولكن في الحياة الواقعية ربما تسقط بعض أركان هذا النموذج، فإذا لم يحدث تعويض مناسب للركن الذي سقط فإننا نواجه بمشكلات سلوكية بقدر حجم الركن أو الأركان التربوية التي سقطت.
وفى حالتك فقد تربيت بعيدا عن الأب والأم، وتولت تربيتك امرأة (إحدى قريباتك) فنشأت بين بناتها وهن كبار عنك سنا، وكنت تشعر بالخجل بينهن فأنت الذكر الوحيد بينهن وفى نفس الوقت أنت أصغر من في البيت. إضافة إلى ذلك كانت قريبتك _ ربما حرصا منها على حسن تربيتك كما تتصور هي_ تبالغ في التحذير والتحريم (هذا غلط وهذا عيب)، ومن هنا نشأت ولديك بعض المشكلات والتناقضات والمخاوف فأنت تتوق إلى المرأة كمصدر للأنوثة والحنان ولكنك تخشاها وتعتبرها شيئا أعلى وأكبر، وأنت تتمناها ومع ذلك تخجل منها خجلا شديدا، وأنت تريد الاقتراب ولكن لا تقدر عليه، فعلاقتك بقريبتك وبناتها - تلك العلاقة المليئة بالمشاعر المتناقضة من حب وتقديس وخوف وخجل- جعلتك تحمل كل هذه التناقضات في علاقتك بالمرأة عموما بعد ذلك.
وبوجه عام نستطيع القول بأن هناك التباسا نفسيا لديك تجاه صورة المرأة كأم مقدسة ناقدة وصورتها كأنثى مرغوبة ومشتهاة وصورتها كأخت محرمة، وهذا الالتباس هو الذي يربكك حين تتعامل مع أي فتاة حيث تختلط لديك الصور فتنتابك مشاعر متناقضة وفى النهاية تهرب هي منك أو تهرب أنت منها وتستريح فترة من الوقت لهذا الانفصال ولكن ما تلبث أن تعاودك رغبتك في الاقتراب مرة أخرى ويتكرر السيناريو.
وربما تؤدى هذه التركيبة التي عشتها في حياتك إلى أن تبحث عن زوجة أكبر منك سنا تقوم بدور الأم فتأخذ هي المبادرة في كل شيء وتحمل عنك المسئولية (لاحظ أن فتاتك الأخيرة التي تعلقت بها كانت أكبر منك سنا كما ذكرت) ويصبح هذا الدور امتدادا لدور قريبتك التي قامت على تربيتك.
ومعرفتك بهذه الديناميات يجعلك مستبصرا بجوانب المشكلة وهذا هو نصف الطريق إلى الحل ويبقى النصف الآخر وهو تجاوز هذه الأخطاء التربوية واتخاذ القرار بالتغيير الواعي على المستوى الشخصي والذي ربما يساعدك فيه وجود رمز أبوي رشيد في حياتك يدعم الجزء الذكوري بداخلك بشكل ناضج ويمنحك نموذجا للرجولة تتقمصه وتحترمه وتحبه، وفى نفس الوقت يساعدك على فك الاشتباك بين صور المرأة المختلفة في وعيك، وهذا الرمز الأبوي يمكن أن يكون أحد الأقارب أو أحد الأصدقاء أو أحد المعالجين النفسانيين. وهذه مرحلة انتقالية تكتسب منها مزيدا من الثقة لتنتقل منها إلى مرحلة الرشد العاطفي والاستقلال الكامل.
وقرار الزواج ربما يلقى الكثير من التردد بسبب ما ذكرناه من التباسات وديناميات في برنامجك النفسي لذلك حاول التغلب على هذا التردد مدفوعا برغبتك في إقامة أسرة كاملة تنعم فيها بالسكينة والمودة والرحمة وتهيئ لأبنائك وبناتك ما حرمت أنت منه من نموذج الأسرة الكاملة وشيئا فشيئا تتربى لديك قناعات بأن المرأة -ممثلة في زوجتك- ليست مقدسة ولا محرمة، وهى ليست أما ولا أختا، بل هي زوجة وإنسانة يحق لك أن تتبادل معها كل أنواع المشاعر بلا خوف أو خجل، وأن العلاقة المشروعة بالمرأة ليست خيانة للأم المقدسة ولا للأخت المحرمة وإنما هي رعاية لها وللحياة وإرضاءً لله.