يسألونك عن رأيك في قرار اتخذه مديرك في العمل، ورغم أنك تعلم تماماً أنه قرار خاطئ وتملك كل الحجج والبراهين على صحة رأيك، لكنك تبتسم وتتظاهر بقلة المعرفة رغم أنك الأكثر دراية، فتخفي ذكاءك خلف قناع التواضع المصطنع، لا لأنك خائف أو جبان، بل لأنك أذكى من أن تدخل معركة خاسرة مع من لا يريد سماع الحقيقة!
بعضنا يمارس فن «التغابي» يومياً، يتقنه كما يتقن التنفس، فلا يبين معرفته عندما يدرك أن إظهارها سيجلب المتاعب أكثر من المنافع، ويتظاهر بعدم الفهم عندما يعلم أن الفهم سيحمله أعباء لا طاقة له بها، فيلعب دور البسطاء في عالم يعاقب أحياناً من يعرف أكثر مما ينبغي!
في المجلس العائلي، يشرح كبير العائلة موضوعاً أنت متخصص فيه، يخطئ بشكل فادح، ويخلط المفاهيم بثقة مدهشة، بينما أنت، من يملك شهادة الدكتوراة في المجال الذي يتم الحديث عنه، تومئ برأسك، تبدي الإعجاب، وتتظاهر بأنك تتعلم منه، لأن الحكمة والتجربة علمتاك أن ليس كل حق يُقال، وليس كل خطأ يستحق التصحيح، خاصة عندما يكون الثمن سلام العائلة وتماسكها الذي قد تهزه مواجهة كبارها... المخطئين!
في اليوم التالي، زوجتك تبدأ بالشكوى من مشكلة مع صديقتها، تسرد التفاصيل بحماسة، وأنت ترى الصورة كاملة، تفهم أين أخطأت هي، وأين أخطأت صديقتها، لكنك تختار دور المستمع الذي «لا يفهم في هذه الأمور»، لأنك تعلمت أنها أحياناً تريد أذناً لا رأياً، وأن إظهار فهمك الكامل قد يحولك من حبيب مواسٍ إلى قاضٍ متطفل!
وفي اجتماع العمل في اليوم الذي يليه، يُطرح مشروع محكوم بالفشل، الجميع متحمس، والرئيس مقتنع، وأنت الوحيد الذي يرى الكارثة القادمة، لكنك تختار الاحتفاظ برأيك لنفسك، وقد تمارس قدرا من التغابي البريء، لأنك تعلم أن صوت العقل وحيداً في زحمة الحماسة العمياء لن يُسمع، وأن من ينذر بالعاصفة وسط الاحتفال قد يُنظر إليه كنذير شؤم لا ناصح أمين!
قد نتساءل أحيانا عن الحد الفاصل بين الحكمة والنفاق، بين التغابي الذكي والتخاذل المقيت، ومتى يكون إخفاء المعرفة حماية للذات ومتى يصبح خيانة للأمانة، والإجابة الصريحة هي أن الخط رفيع وخطر، فمن يتغابى دائماً قد ينتهي به الأمر متجاهلاً حقاً، ومن يتظاهر بقلة المعرفة طويلاً قد يُصدّق هو نفسه هذا التظاهر!
التغابي فن يحتاج لذكاء حقيقي، لأنه يتطلب معرفة متى تُظهر ذكاءك ومتى تخفيه، متى تتقدم بمعرفتك ومتى تتراجع بحكمتك، متى يكون الصمت ذهباً والكلام تراباً، ومتى يصبح الصمت جريمة والكلام واجباً.
في مجتمعاتنا التي تحب كثيرا من «يمشي جنب الحيط»، وتعاقب من «يرفع راسه»، قد يكون التغابي استراتيجية بقاء، لا هروباً من المسؤولية، بل اختياراً حكيماً للمعارك، فالحياة ليست حلبة ملاكمة نحتاج فيها لإثبات قوتنا في كل جولة، بل ماراثون طويل يحتاج لإدارة ذكية لطاقتنا المحدودة، لكن الخطورة تكمن في أن يصبح التغابي أسلوب حياة دائم، فنخفي نور الحكمة حتى ينطفئ، ونهرب من مسؤولية المعرفة حتى نفقد حق امتلاكها، وهنا يتحول التغابي من ذكاء اجتماعي إلى انتحار فكري.
الحكيم يعرف أن هناك وقتاً للكلام ووقتاً للصمت، وقتاً لإظهار المعرفة ووقتاً لإخفائها، وقتاً للتقدم ووقتاً للتراجع، يفهم أن التغابي أحياناً ليس ضعفاً، بل قوة، وأنه ليس جهلاً، بل معرفة عميقة بطبيعة البشر والحياة. وليس عيبا أن نتغابى عندما تقتضي الحكمة ذلك، لكن العيب هو أن نفقد القدرة على التمييز بين مواقف تستدعي إظهار المعرفة وأخرى تستدعي إخفاءها، وأن ننسى أن التغابي مجرد قناع نرتديه عند الحاجة، لا وجه نعيش به طوال الحياة، وأن نتذكر دائماً أن أذكى الناس هو ليس من يُظهر ذكاءه في كل موقف، بل من يعرف متى يكون الغباء المصطنع... أذكى خياراته!
واقرأ أيضًا:
أن نحتفي... بإخفاقاتنا! / المؤتمر السنوي.. للفشل!
