ما في ظاهره ظاهر... وما في باطنه باطن... أو هكذا يبدو لنا.
املؤوا الدنيا احتفالًا على ما وصلتم... أو املؤوها صراخًا على عثراتكم المتتالية... كل منا يسعى في حياته أن يكون الأفضل... لكن السؤال: الأفضل من من؟ وما هو النجاح الذي يجب أن يتحقق لكل شخص كي يدرك ويقتنع أنه الأفضل؟
وأيضًا كل منا في حياته يسعى كي يتجنب العثرات... ولكن من قال أيضًا إنها عثرات؟ الموضوع نسبي لكل منا: في الفرحة وقت النجاح... وفي الحزن وقت التعثر.
هل هناك سقف للسعادة أو الحزن؟... يبقى هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا. السعادة تختلف من شخص لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن مجتمع لآخر... ومن عرف وتقاليد لأخرى... ومن ومن ومن... وكذلك الحزن أيضًا... فالطبيعي بالنسبة لك... من الممكن أن يكون نقطة السعادة المتناهية بالنسبة لحياة شخص آخر. وكذلك أي عثرة تحدث في حياتك، والتي تمثل خط النهاية لك في حياتك... من الممكن أن تكون نقطة البداية بالنسبة لشخص آخر.
ولنفترض مثلًا أنك تريد أن تطير... فهناك من يستطيع الطيران كبعوضة... وهناك من يستطيع الطيران كصقر... كلاهما يطير، لكن هل كلاهما بنفس الصفات؟ فكر في هذا السؤال... وستفهم المعنى. نعم، كلاهما يطير... كلاهما يملكان جناحين... كلاهما يستطيع الارتقاء من على الأرض محلقًا في السماء.
لكن مرة أخرى... هل هما بنفس الصفات؟ فالبعوضة، إذا توافرت البيئة المناسبة وفي أحسن ظروفها، يمكنها أن تطير لمسافة لا تتعدى الخمسة عشر كيلو، وذلك إذا أتيحت الظروف المناسبة كما ذكرنا من قبل. أما الصقر، ولما يمتلكه من خواص أفضل... يمكنك أن تعرف مدى طيرانه، والذي بالفعل مداها أكبر بكثير من البعوضة.
ويبقى السؤال: هل تريد أن تحلق مثل البعوضة أم مثل طائر جارح كالصقر؟ حتى هذا السؤال، يا عزيزي، نسبي، والمقارنة غبية، لكن مدى الطيران أنت تستطيع أن تحدده وفي نفس الوقت أيضًا لا يمكنك، لأنه يعتمد على خواصك... الظروف المحيطة... الأسرية... المجتمعية... في أي قارة نشأت... إلخ.
وبمقارنة بسيطة، إذا وضعنا الصقر والبعوضة في سباق، من سيكون الفائز؟ بالتأكيد الصقر، وإن لم تتأثر البعوضة وتدخل في دوامة من قوة الهواء المنبعث من تحريك الصقر لجناحه.
إذا يجب عليك أن تتوقف عن المقارنة السخيفة التي أنشأها عقلك وعقل كل من يقرأ هذا الكلام.
فللمرة الثانية... نشأتك... مجتمعك... قيمك، وحتى تفاصيلك التي تدركها ولا تدركها، هي من تحدد ذلك.
فأنت لا تستطيع أن تطير مثل البعوضة، ولا أن تحلق مثل الصقر. أنت أنت... مرة أخرى... أنت أنت، وهذا ما يجب أن تدركه.
مرة أخرى... ويأتي السؤال: متى يجب أن تبدأ المقارنة؟
لو افترضنا جدلًا أن هناك توأمين من نفس الأم والأب، وقمنا بتربيتهم على نفس النهج ونفس التفاصيل الصغيرة جدًا... هل من الممكن، أو من الشرط، أن يسلكوا نفس الطريق بتفاصيله... من نجاح... لسقوط... لسعادة... إلخ؟ يبقى الرد عن هذا السؤال لك أيضًا.
يا عزيزي، عش الحياة والدنيا بتفاصيلها... بكل ما يدور حولك... بكل من تعرفهم من القريب والبعيد... بكل شيء.
ليس من الشرط أن تكون الأفضل... لكن من الشرط أن تسعى للأفضل... ولكن أيضًا، كما قلنا، ليس الأفضل لك هو أيضًا الأفضل للآخرين... والعكس صحيح.
لا تبالغ في الحزن أو السعادة... ليست السعادة بدائمة، ولا الحزن بدائم.
ليس من الشرط أن يستمر الحال كما هو. وإن كنت تعتقد ذلك... فلِمَ وجدنا أصدقاء وأحبابًا يفترقون؟ ولِمَ وجدنا أناسًا بعيدين كل البعد عن بعضهم، رغم ذلك أصبحوا كشخص واحد؟ توقف عن المقارنة وعش حياتك كما تريد... لكن لا تؤذ أحدًا. فطريقي ليس بطريقك... وطريقك ليس بطريقي. وكذلك ما ننتعله في أقدامنا مختلف... لذا الرحلة مختلفة. ما تراه مبهرًا لك، ليس من الشرط بأن يكون مبهرًا للآخرين. عليك أن تجلس مع نفسك وذاتك، وأن تحدد ماذا تريد... ليس من الشرط الوصول... لكن من الشرط أن تسير على خطى ثابتة.
توقف عن المقارنة...
واجعل حياة الآخرين أفضل... وإن لم تستطع جعل حياتك كذلك... فهي، يا عزيزي، جناح بعوضة.
واقرأ أيضًا:
قولي لهم / وأكتب / قراءة وترتيل!
