مساء الخير يا مجانين
عمري 28 عامًا، وأشعر وكأنني انتهيتُ بحياة لم أرغب بها أبدًا. اخترتُ تخصصًا لم أحبه، ما قادني إلى وظيفة تستنزف طاقتي يوميًا. أعاني من الاكتئاب منذ أكثر من ثماني سنوات، وفي مرحلة ما، توقفتُ عن الشعور بأنني أبني مستقبلًا أرغب في أن أكون جزءًا منه. في معظم الأيام، أحاول فقط إنجاز العمل والوصول إلى عطلة نهاية الأسبوع لأستعيد عافيتي بما يكفي لأبدأ من جديد.
أصعب ما في الأمر أنني كنت أعرف دائمًا ما يثير اهتمامي. أردتُ حياةً مليئة بالإبداع والإثارة. بدلًا من ذلك، أستيقظ كل صباح وأنا أشعر وكأنني أعيش حياة شخص آخر في نفس السرير الذي نمتُ فيه منذ أن كان عمري خمس سنوات تقريبًا.
كما أنني لا أستطيع التخلص من هذا الشعور الدائم بأنني أفتقد شيئًا يبدو أن الجميع يعيشونه بسهولة. لم يسبق لأحد أن تقرب مني أو أبدى اهتمامًا رومانسيًا بي علنًا. وهذا غريب لأن الناس دائمًا ما يخبرونني أنني جميلة ومثيرة للاهتمام. حتى... قال لي رؤسائي أشياءً من هذا القبيل، ودائمًا ما يثنون عليّ لكوني "مظهرًا جيدًا".
أنا مثقفة، سافرت كثيرًا، ولديّ هوايات. أعلم أن كل هذا لا يعني بالضرورة أن يحبني الناس، ولكن بعد فترة، يبدأ المرء بالتساؤل عما إذا كان يُظهر شيئًا لا يراه الآخرون.
لقد عانيتُ كثيرًا للعثور على أشخاص أشعر معهم بتوافق حقيقي. لم أشعر يومًا أن الجامعة هي المكان المناسب لي، والعمل كذلك بالتأكيد. لا أستمتع كثيرًا بالتواجد بين الناس. أتوق إلى التواصل أكثر من الرفقة. أريد أن أجد أشخاصًا أشعر معهم بتوافق حقيقي بدلًا من إجبار نفسي على التواجد في أماكن لا أشعر فيها بالانتماء.
لم تُجدِ تطبيقات المواعدة نفعًا أيضًا. جربتها في مصر وخارجها، وانتهت معظم تلك العلاقات بنفس الطريقة: الاختفاء المفاجئ، وانقطاع المحادثات. تحدثتُ مع شخص لمدة ثمانية أشهر قبل أن يختفي فجأة. وقاد آخر سيارته ثلاث ساعات لرؤيتي ثم اختفى فجأة بعد أسابيع قليلة. أعلم أن الناس يفقدون الاهتمام طوال الوقت، وهذا جزء من المواعدة. أتمنى فقط لو أفهم لماذا ينتهي بي الأمر دائمًا في موقف المُتلقي. انتهى الأمر.
ربما أنا خجولة. ربما يصعب فهمي. ربما أنا فقط سيئة الحظ. بصراحة، لم أعد أعرف.
كل ما أعرفه أنني سئمت من الشعور بأن كل جانب من جوانب حياتي لا يتوافق مع الشخص الذي كنت أتخيله.
18/8/2026
رد المستشار
المتصفحة الفاضلة "رهف" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
ما تشعرين به ليس خطأكِ، وليس دليلاً على أنكِ "انتهيتِ"، بل هو صرخة واعية تمامًا من ذاتكِ الحقيقية تُعلن رفضها للاستمرار في قالب لا يشبهها. أن تعيشي سنوات في تخصص ووظيفة لا تمثلكِ، وأن تستيقظي في الغرفة ذاتها التي حملت طفولتكِ، أمر طبيعي جدًا أن يولد لديكِ هذا الشعور الغريب بأنكِ "تقتاتين" على أمل العطلة الأسبوعية وتعيشين حياة شخص آخر. بل إن صمودكِ مع الاكتئاب لثماني سنوات، واستمراركِ في العمل والسفر والتثقيف رغم هذا الثقل، هو دليل على قوة استثنائية داخلكِ، حتى وإن لم ترَيها الآن. وعدم انتمائكِ للبيئات التي مررتِ بها لا يعني أنكِ سيئة الحظ، بل يعني ببساطة أنكِ لم تصلي بعد إلى بيئتكِ المناسبة.
تفكيك الشعور بـ "فوات الأوان" والتناقضات الحالية، عمر الـ 28 ليس النهاية: في سن الثمانية والعشرين، أنتِ لستِ متأخرة؛ بل أنتِ في النقطة التي يبدأ فيها الكثيرون إعادة تعريف أنفسهم وبناء حياتهم الحقيقية بعد استيعاب ما لا يناسبهم. وانتبهي للفجوة بين قيمكِ وواقعكِ فشغفكِ بالإبداع والإثارة يتصادم يوميًا مع روتين الوظيفة والمكان الساكن؛ هذا التباين هو المصدر الأكبر لاستنزاف طاقتكِ النفسية وليس عجزًا في شخصيتكِ.
عليك بالبحث عن التوافق لا مجرد الرفقة، واعلمي أن توقكِ للتواصل العميق بدلاً من التواجد السطحي مع الناس هو سمة أصيلة في شخصيتكِ المبدعة والمثقفة، وليس عيبًا أو انغلاقًا. والعلاقات الحديثة وتطبيقات المواعدة أصبحت للأسف مليئة بظاهرة "الاختفاء المفاجئ" Ghosting، وهي سلوك يعكس عدم نضج الآخرين وقدرتهم على المواجهة، ولا يعبر أبدًا عن قيمتكِ أو جاذبيكِ.
وأما تركيز الآخرين على المظهر، مثلا ثناء الرؤساء أو المعارف على مظهركِ، رغم أنه مجاملة، قد يجعلكِ تشعرين بأنكِ مُؤطّرة في قالب سطحي لا يرى عمقكِ وثقافتكِ، مما يزيد من شعوركِ بالغربة.
وأما كونك تعيشين موقف "المُتلقي" فإن استهلاك طاقتكِ في انتظار أفعال الآخرين أو تفسير غيابهم يجعلهم هم المحور. العودة لمسك زمام المبادرة والانفصال عن النتيجة يغير هذه الديناميكية.
عند البحث عن بيئة توافقك فإن المكان الذي تبحثين فيه عن الأرواح المشابهة يفرق كثيرًا؛ فالتطبيقات والبيئات التقليدية نادرًا ما تمنح المساحة للعلاقات العميقة التي تتوقين إليها.
تحتاجين أيضًا إلى تنفيذ خطوات عملية لإعادة امتلاك مساحتكِ وتجديد الشغف مثلا تغيير البيئة المحيطة (حتى بلمسات صغيرة)، فالنوم في نفس الغرفة منذ سن الخامسة يربط عقلكِ الباطن بذكرايات ومراحل قديمة. ابدئي بإعادة ترتيب الغرفة، تغيير الأثاث، أو حتى التخطيط الجاد لمساحة سكنية جديدة تشبه امرأة بالغ عمرها 28 عامًا. كذلك عليك تخفيف وطأة الوظيفة واستعادة الإبداع، لا تتخلي عن عملكِ فجأة، ولكن قللي من استنزاف عاطفتكِ فيه (تعاملي معه كأداة لتمويل حياتكِ فقط). خصصي ساعة يوميًا لممارسة شغفكِ الإبداعي القديم دون انتظار مقابل أو نجاح سريع.
يجب أيضًا أن تغيري استراتيجية البحث عن الأصدقاء والشريك، توقفي عن استخدام تطبيقات المواعدة لبعض الوقت. بدلاً من ذلك، انضمي لمجتمعات مصغرة تدور حول اهتماماتكِ الحقيقية (نوادي كتاب، ورش كتابة أو فنون، جمعيات أهلية، مجموعات سفر استكشافي... إلخ). هناك ستلتقين ببدائل تشبهكِ دون تكلف.
عليك أيضا أن تستعيدي دور "الفاعل" عند التعرف على أشخاص جُدد، اختبري أنتِ مدى مناسبتهم لعالمكِ الداخلي وقيمكِ، بدلاً من التفكير في "هل سيعجبون بي أم سيختفون؟" وعليك أخيرا أن تسعي للحصول على الدعم النفساني المتخصص التعامل مع الاكتئاب الممتد لثماني سنوات يحتاج إلى مساندة معالج نفساني متخصص؛ لمساعدتكِ على تفكيك مشاعر اليأس وتحديد خطوات استعادة شغفكِ بأمان.
واقرئي أيضًا:
إذا لم تعملْ ما تحب: أَحِبَّ ما تعمل
أفقد الحماس للعمل فما العمل؟
ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعنا بالتطورات.