"اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الزمر 42).
الله- سبحانه وتعالى- هو الذي يقبض الأنفس حين موته، وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت بانقضاء الأجل، ويقبض التي لم تمت في منامه، وهي الموتة الصغرى، فيحبس من هاتين النفسين النفس التي قضى عليها الموت، وهي نفس مَن مات، ويرسل النفس الأخرى إلى استكمال أجلها ورزقه، وذلك بإعادتها إلى جسم صاحبه، إن في قبض الله نفس الميت والنائم وإرساله نفس النائم، وحبسه نفس الميت لَدلائل واضحة على قدرة الله لمن تفكر وتدبر. ومن الدلالة على أن الألوهية لله الواحد القهار خالصة دون كلّ ما سواه، أنه يميت ويحيي، ويفعل ما يشاء, ولا يقدر على ذلك أحد سواه، فجعل ذلك خبرا نبه الناس به على عظيم قُدرته. وقد ذكر في التفاسير أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها.
وهذا الذي يحدث كل ليلة من نوم وأحلام يعتبر معجزة كبيرة من الناحية العلمية، ولم يصل العلم بعد إلى كل أسرار هذه الظاهرة التي تتكرر كل يوم، فالنوم معجزة عظيمة حيث يتوقف الوعي بشكل جزئي مؤقت، ويفقد الإنسان شعوره بالزمن وتفاعله مع البيئة من حوله، ومع ذلك تبقى بعض الوظائف الفسيولوجية الحيوية لتحافظ على بقاء الإنسان، ويتم إصلاح ما تلف من الأنسجة والخلاي، والتخلص من النفايات والعوادم الكيميائية، وتحدث الأحلام بما تحويه من نصوص قصيرة وسريعة فيها من الرمزية والتحويل والتكثيف والإسقاط، والتصوير والتنفيس، وكأن المخ يقوم بعمليات إنتاج أدبي وفني كل يوم، ومن المعلوم أن الإنسان يقضي 20-25 % من وقت نومه في الأحلام ولكنه لا يتذكر إلا القليل منها.
ولنأخذ بعض مظاهر الإعجاز في هذه الآية:
أولا: مدخل إلى مفهوم الوعي في القرآن والعلم
الوعي هو أعظم ما يملكه الإنسان، وهو ما يجعله مدركًا لذاته والعالم، وفي القرآن، يُشار إلى الوعي من خلال مفاهيم النفس والروح والقلب، أما في العلم، فيُدرس الوعي من خلال نشاط الدماغ.
والنوم يمثل حالة انتقالية بين الوعي واللاوعي، وهو ما يجعله مفتاحًا لفهم هذه الآية.
ثانيا: النوم كتجربة انفصال جزئي
تشير الآية إلى أن النوم هو نوع من التوفي، أي قبض النفس جزئيًا. ومن الناحية النفسية، الإنسان أثناء النوم ينفصل عن الواقع الخارجي ويعيش تجربة داخلية كاملة. ومن الناحية العلمية، الدماغ يظل نشطً، خاصة في مرحلة حركة العين السريعة،، حيث تنشط مناطق الخيال والذاكرة وتنتج الأحلام.
ثالثا: النوم والموت – مقارنة تحليلية
النوم : توقف جزئي للوعي، مع نشاط دماغي مستمر, مع إمكانية العودة إلى حالة الوعي مرة أخرى بوجود مؤثر أو بدون وجوده.
الموت: توقف كامل للوظائف الحيوية، وانقطاع دائم عن العالم ليس له عودة.
وهذا يفسر قوله تعالى: "فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى"
رابعا: هل تسافر النفس؟
هناك ثلاثة اتجاهات:
1 - ديني: النفس قد تتصل بعالم الغيب بشكل لا نعلم كنهه ولا طريقته، وقد تنتج بعض الأحلام والرؤى من هذا الاتصال.
2 - علمي: الأحلام نشاط دماغي خالص ينتج عن بعض مراكز المخ وتتصل بالأحداث والذكريات والرغبات والأمنيات والغرائز والمخاوف، ومؤثرات البيئة المحيطة والبيئة الداخلية في الجسم.
3 - توفيقي: الدماغ أداة والنفس مدركة، فالمراكز المخية تعمل كوسيط بين عالم الشهادة وعالم الشهود (أي وسيط بين الغيب والواقع).
ويتبع : الإعجاز النفسي في آية النوم والموت2
واقرأ أيضًا:
قانون الأحوال الشخصية... بعيدا عن التحيزات الذكورية والمظلوميات النسوية / حين يتكلم النور... "دولة التلاوة" وصوت السماء
