أكثر ما يؤلمني في النضج أو التقدم في العمر ليس الشيب، ولا حتى تراجع قدرتنا الجسدية، بل هو ذلك الانطفاء الهادئ والمدمّر لدهشتنا!
حين كنا أطفالًا، كان كل شيء حولنا سببًا كافيًا ليفتح عيوننا على اتساعها، وكانت قطرة المطر الأولى كافية لإبهارنا، وكانت زهرة صغيرة على جانب الطريق كافية لنقف أمامها وكأننا اكتشفنا قارة جديدة، لكننا الآن نمر بنفس الأشياء، بنفس الوردة، بنفس المطر، ولا شيء من كل هذا قادرٌ على أن يُثير فينا أدنى درجات الدهشة!
ما الذي حدث لنا؟ كيف فقدنا القدرة على أن نندهش؟ كيف تحوّل العالم حولنا إلى شيء مألوف، مكرر، ورتيب، بعدما كان ساحة مليئة بالاكتشافات الصغيرة التي تُشعل عقولنا وأرواحنا؟
الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في الأشياء من حولنا، بل في الطريقة التي اعتدنا أن ننظر بها إلى العالم، فحين كبرنا، أصبحنا أسرى لتوقعاتنا، ولأحكامنا المسبقة، وافتراضاتنا الجاهزة، ولم نعد نرى الأشياء كما هي، بل صرنا نراها كما اعتدنا أن تكون، وبذلك فقدنا تدريجيًا القدرة على رؤية الجمال المختبئ في التفاصيل الصغيرة.
فقدان الدهشة يعني أننا صرنا نعيش الحياة على السطح، ولم نعد نغوص في عمق الأشياء، وعندها تمر الأيام متشابهة، ويُخيّل إلينا أننا رأينا كل شيء، وأن الحياة لم يعد لديها ما تقدّمه لنا من مفاجآت.
لكي نستعيد الدهشة من جديد، علينا أولًا أن نتعلّم من الأطفال كيف ينظرون إلى العالم، بفضول حقيقي، دون توقعات مسبقة، ودون تحليلات مُعقّدة، أو أحكام قاطعة، نعم، نحتاج أن نُذكّر أنفسنا دائمًا بأن كل لحظة نعيشها، حتى وإن بدت عادية جدًا، تحمل في داخلها إمكانية الدهشة، إذا فقط سمحنا لأنفسنا أن ننظر إليها بعيون جديدة!
علينا أيضًا أن نبطئ إيقاع حياتنا بعض الشيء، وأن نتوقف عن الاندفاع المستمر وراء أهدافنا وانشغالاتنا اليومية، وأن نتعلّم كيف نتوقف قليلًا أمام مشهد جميل، أو لحن عابر، أو ابتسامة عفوية من شخص لا نعرفه، فهذه اللحظات الصغيرة هي بوابات دهشة حقيقية، لكنها تحتاج منّا أن نتوقف لنراها.
الدهشة لا تذهب بعيدًا عنا، بل نحن من يُغلق الباب في وجهها، لكن الخبر الجيد هو أنها لا تزال موجودة، تنتظرنا خلف كل زاوية من حياتنا، وكل ما علينا فعله هو أن نسمح لأنفسنا برؤية الحياة مرة أخرى بعين الطفل الذي كُنّاه ذات يوم.
تذكّر أن استعادة الدهشة ليست ترفًا، بل ضرورة، لأن الحياة بلا دهشة تفقد نكهتها، وتتحول إلى شيء عابر، مُمل، ورتيب، فالدهشة هي سر حياتنا، وهي التي تجعل أيامنا تستحق أن تُعاش بصدق، وحين يهطل المطر مجددا، توقّف للحظة، وامنح نفسك فرصة أن تُدهش من جديد...... كما كنت تفعل في طفولتك!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الوحدة... صديقنا السيئ السمعة! / فوبيا الفرح المفاجئ!
