(زانتيبي وسقراط: بين عبقرية الفيلسوف ومرارة الزوجة)
على امتداد أكثر من ألفي عام، ظل اسم سقراط رمزًا للحكمة والتفكير الحر، بينما بقي اسم زوجته زانتيبي محاطًا بصورة نمطية قاسية جعلتها في المخيال الإنساني نموذجًا للزوجة المشاكسة التي لا تكف عن الشكوى والتذمر والإيذاء لزوجها وتسفيه أفكاره وتحقير إنجازاته وعطاءاته . غير أن هذه الصورة التقليدية تستحق إعادة النظر، خاصة إذا حاولنا الاقتراب من القصة من منظور نفسي واجتماعي وإنساني بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
كان سقراط رجلًا استثنائيًا بكل المقاييس. لم يكن مشغولًا بجمع المال أو بناء النفوذ الاجتماعي، بل كرّس حياته للبحث عن الحقيقة ومناقشة الأفكار الكبرى المتعلقة بالخير والعدالة والمعرفة. كان يقضي ساعات طويلة في شوارع أثينا وساحاتها العامة محاورًا الناس، غير مكترث بما قد يحققه ذلك من مكاسب مادية أو مكانة اجتماعية. وبالنسبة لتلاميذه ومريديه، كان هذا السلوك تعبيرًا عن التفاني في خدمة الحكمة والإنسانية.
لكن ما يبدو بطولة فكرية في أعين التلاميذ قد يبدو أمرًا مختلفًا تمامًا داخل جدران المنزل. فزانتيبي لم تكن تعيش مع الفيلسوف الأسطوري الذي تدرسه كتب التاريخ، بل مع زوج وأب لأسرة يحتاج إلى توفير متطلبات الحياة اليومية. ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر الذي طبع علاقتهما. فالزوجة التي تتحمل أعباء البيت وتربية الأبناء في ظروف اقتصادية صعبة قد لا تنظر بعين الإعجاب نفسها إلى رجل يقضي معظم وقته في الجدل الفلسفي بينما تزداد متطلبات الحياة تعقيدًا.
من الناحية النفسية، يبدو أن الصراع بين سقراط وزوجته لم يكن صراعًا بين الخير والشر، بل بين نمطين مختلفين من الشخصية. فهناك أشخاص يعيشون من أجل فكرة أو رسالة يرونها أعلى من كل الاعتبارات الأخرى، وهناك أشخاص يمنحون الأولوية للاستقرار والأمان والواجبات اليومية. وعندما يجتمع هذان النمطان في علاقة واحدة، ينشأ توتر دائم حتى لو كانت المشاعر الإنسانية حاضرة بين الطرفين.
ولعل السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كانت زانتيبي ظالمة في غضبها أم أن لها ما يبرره. يصعب الجزم بالإجابة، لكن المؤكد أن كثيرًا من الروايات التي نقلت صورتها السلبية كتبها رجال كانوا من تلاميذ سقراط أو المعجبين به. ومن الطبيعي أن يميل هؤلاء إلى الدفاع عن أستاذهم وإبراز فضائله، وهو ما يجعل الصورة التاريخية لزوجته بحاجة إلى قدر من الحذر النقدي.
ومن جهة أخرى، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل كان سقراط نفسه منصفًا في حق أسرته؟ فالفيلسوف الذي دعا الناس إلى الفضيلة والحكمة لم يكن معفيًا من مسؤولياته الأسرية. وقد يرى بعضهم أن الانشغال الكامل بالمشروع الفكري لا يلغي الواجبات الإنسانية تجاه الزوجة والأبناء، بل ربما يزيدها أهمية.
ورغم كل ما رُوي عن الخلافات بينهما، فإن اللحظات الأخيرة من حياة سقراط تكشف جانبًا مختلفًا من القصة. فقد ذكرت المصادر القديمة أن زانتيبي زارته في السجن بعد صدور حكم الإعدام عليه، وكانت غارقة في الحزن والبكاء. وتلك الصورة الإنسانية البسيطة ربما تقول أكثر مما تقوله عشرات الروايات الساخرة عن طباعها الحادة. فالغضب لا ينفي الحب، والشكوى لا تعني غياب التعلق، وكثيرًا ما تختلط المشاعر الإنسانية على نحو يجعل العلاقات أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة.
لذلك قد يكون من الأدق أن ننظر إلى قصة سقراط وزانتيبي بوصفها قصة إنسانية خالدة عن الصراع بين المثال والواقع، بين الفكر والحياة، وبين أحلام الفرد واحتياجات من يشاركونه الطريق. وفي هذا الصراع لا يوجد منتصر كامل ولا مخطئ كامل، بل بشر يحاولون التوفيق بين ما يؤمنون به وما تفرضه عليهم الحياة اليومية بتعقيداتها واحتياجاتها.
واقرأ أيضًا:
الإعجاز النفسي في آية النوم والموت(1-2) / برشامة تشريح نفسي لمجتمع يقدّس الشهادة ويغتال الضمير
