نحن البشر مولعون بالتصنيف، إنها عادة قديمة تمنحنا شعورًا زائفًا بالسيطرة، وتساعدنا على التعامل مع الحياة المعقدة من دون جهدٍ حقيقي، إذ ما إن نلتقي شخصًا جديدًا حتى نلتقط أول ما يميّزه: مظهره، لغته، ديانته، لهجته، ملابسه، ثم نقرر – من دون وعي – في أي خانة نضعه، وكأننا نرتب الفوضى في أدراج ذهنية، فهذا يشبهنا، وذاك لا يشبهنا، وهذا مريح، وذاك يثير القلق!
التصنيف هو محاولة لفهم ما لا نفهمه، لكنه غالبًا ما يتحول إلى اختزال مؤذٍ، حينما نأخذ بعدًا واحدًا من شخصية إنسان ونبني عليه حكمًا كاملاً، متجاهلين عمق تجربته، وتفاصيله التي لا تظهر على السطح، لنحشره في صندوق متناسب مع تصنيفاتنا السهلة، ونمارس الارتياح بعدها من دون وخزة من ضمير!
لتفهمني مباشرة، سألك، كم مرة قابلت إنسانًا من فئة معينة وفوجئت أنه لا يشبه ما توقعت؟ وكم مرة قلت عنه: «ليس مثلهم»؟ هل تعلم أن هذه الجملة التي نظنها مدحًا، ما هي إلا اعتراف خفي بأن تصورنا عن «هم» كان ناقصًا أو مشوّهًا!
التصنيف يا صديقي قد يكون مفيدًا كخطوة أولى، لكنه يصبح خطيرًا حين يتحول إلى طريقة حياة، حين لا نعود نرى الآخر ككائن معقد، بل كرمز لفئة ما فنخاف، أو نُعجب، أو نُهاجم، بناءً على صندوق أفكار أو تصنيفات مسبقة لا علاقة لها بالفرد الحقيقي أمامنا!
المفارقة أن بعض من نضعهم في هذه الصناديق هم أكثر من يساعدنا على كسرها، فالمختلفون يربكون تصنيفاتنا، ويخلخلون قوالبنا الجاهزة، ويجبروننا على إعادة النظر، وهذا مربك... لكنه ضروري، فبعض الناس لا يُمنحون حتى فرصة الخروج من الصورة النمطية، لأن المجتمع قرّر شكلهم مسبقًا وأغلق الباب، وهذا القيد الصامت قد يقتل فيهم أي رغبة في التغيير، فيعيشون في قوالب لم يختاروها، بل أُجبروا على ارتدائها!
لذا، في المرة المقبلة، التي تميل فيها إلى التصنيف، توقّف، وافتح الصندوق، وحاول أن تقرأ الصفحة الأولى على الأقل، فربما وجدت إنسانًا مدهشًا، يشبهك أكثر مما كنت تظن!
من السهل تصنيف الآخرين حين لا نعرفهم، خصوصا حين لا نكلف أنفسنا عناء السؤال، لكن ما إن نُصاب بمفاجأة إنسانية واحدة، نكتشف عندها كم كنا نظلمهم بتلك الأحكام الجاهزة، فالتصنيف لا يختصر الآخر فقط، بل يختصرنا نحن أيضًا، ويُظهر عجزنا عن رؤية الصورة الكاملة!
الأدهى من ذلك أن التصنيف يمنحنا راحة أخلاقية مؤقتة، فنُطلق الأحكام، وكأننا نملك الحقيقة المطلقة، ونتعامل مع الآخرين، وكأننا نقرأ عنهم لا نقرأهم، وفي هذه السطحية المريحة، نخسر أعمق ما في التجربة الإنسانية:
فضيلة الإنصات، ومتعة الاكتشاف، ودهشة التنوّع!
أحيانًا، كل ما يحتاجه الإنسان هو أن يُرى كما هو، لا كما يُفترض أن يكون، وأن يُعامل ككائن مستقل، لا كجزء من تصوّر مسبق وقوالب ثابتة، ولعلنا نحن أيضًا، في لحظات كثيرة، نحتاج ذلك من الآخرين...
أن يمنحونا فرصة أن نكون نحن، لا مجرد نسخة من قوالب جاهزة في أذهانهم!!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
الفرصة... التي لم تكن الأخيرة! / معجون الأسنان... بعد ثلاثين سنة زواج!
