حين سُئلت زوجته، بعد ثلاثين عامًا من الزواج، عن عيوبه، توقّع الجميع سماع قائمة طويلة من الملاحظات، أو ربما شكاوى متراكمة كادت تنفجر من طول الصبر، لكنها صمتت قليلًا، ثم ابتسمت بهدوء وقالت:
«عيبه الكبير هو أنه... لا يُغلق علبة معجون الأسنان بعد الاستخدام!».
ضحك الحاضرون، وساد المكان استنكار مؤقت، ثلاثون سنةً كاملة، ومئاتُ الأيام وآلافُ التفاصيل، ولحظات الفرح والحزن، والرحلات والمناسبات، والمشاكل الصغيرة والكبيرة، وخلافات الأطفال، وتحديات الحياة اليومية التي لا تنتهي... كل هذا، ولم تجد تلك السيدة من عيوب لزوجها... سوى معجون الأسنان؟!
قال لها أحدهم مستغربًا: «معقول؟ ماذا عن الخلافات؟ المشاكل؟ الأزمات؟ هل يعقل أنه لا توجد عيوب حقيقية؟».
أجابته، وهي تبتسم ابتسامة واثقة: «لقد سألتموني عن عيوبه، وليس عن الأسباب التي جعلتنا نستمر كل هذه السنوات معًا»!
في هذه اللحظة، ساد الصمت المكان، وسكتُّ أنا أيضًا أفكّر: لماذا نحن هكذا؟ لماذا نُصرّ على تضخيم التفاصيل البسيطة دائما؟ لماذا أصبحنا خبراء في تحويل أصغر الخلافات إلى حروب كبرى، وصرنا نحتفظ بقوائم طويلة من الأخطاء نستخدمها عند كل شجار، وكأننا نعدّ قنابل صغيرة للمواجهة المقبلة؟!
هذه المرأة، التي قضت معه ثلاثة عقود كاملة، أدركت أن الحياة المشتركة ليست خالية من المشاكل، لكنها ببساطة اختارت ألا تحتفظ بتلك القائمة، واختارت بدلاً عن ذلك أن تتعامل مع الأزمات بأنواعها، كما تتعامل مع تلك التفاصيل اليومية المزعجة، كالشخير أو النسيان أو المزاج المتقلّب، فهي في نظرها جزءٌ ضروريٌ من لوحة الحياة، وعلامات تُميز العلاقة، وتمنحها بُعدها الخاص، بدلاً من النظر إليها كعيوبٍ يجب إصلاحها فوراً أو كمصائب لا يستقيم معها استمرار زواجهم!
والحال أننا في علاقاتنا نحتاج أحيانًا إلى أن نعيد النظر في مفهومنا للعيوب، لأن العلاقة الناضجة حقًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي نصل فيها إلى مرحلة لا نرى فيها داعيًا لذكرها، ولا نمنحها أكبر من حجمها، بل لعلّ أجمل ما في العلاقات الإنسانية هو الوصول إلى تلك المرحلة من السلام الداخلي، المرحلةٌ التي نختار فيها ما نراه بوضوح، ونتجاهل ما يجب تجاهله، لأننا ندرك أن التفاصيل والتحديات هي ما يجعل العلاقة حقيقية، وواقعية، وصادقة.
ولذلك، بعد ثلاثين عامًا من الزواج، حين لم تجد هذه الزوجة من العيوب سوى معجون الأسنان المفتوح، أدركتُ بوضوح أن العلاقة الناضجة لا تكتمل باختفاء العيوب، وإنما باختفاء رغبتنا في التركيز عليها.
وفي نهاية المطاف، ربما يكمن سر الزواج الناجح في أن تختار بعناية ما تتذكره وما تنساه...
إلا إذا كان يتعلق بمعجون الأسنان!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
المسافة الآمنة... القرب الذي لا يؤذي! / الفرصة... التي لم تكن الأخيرة!
