قد تستغرب لو قلت لك إن الوحدة ليست شعورًا، بل علاقة شخصية كاملة التفاصيل!
نعم، هي كذلك، فهي علاقة بينك وبين ذاتك؛ على الرغم من أنك تحاول دومًا التهرب منها أو إنكارها، فتتصرف عادةً مع الوحدة وكأنها تهمة، شيءٌ تخجل منه إذا اعترفت به، وتتجنب الحديث عنه خشية نظرات الشفقة التي قد تلاحقك بعدها!
لكن هل فكرت يومًا أن الوحدة، كأي علاقة أخرى، يمكن أن تكون بنّاءة أو مدمرة، اعتمادًا على طريقة تعاملك معها؟ وهل خطر ببالك أن هذا الصديق الذي نرفض الاعتراف به، قد يكون من أكثر الأصدقاء إخلاصًا لنا، فقط لو منحناه فرصةً حقيقية؟
في كل علاقاتنا نحتاج إلى مسافة من الخصوصية، وإلى منطقة أمان نعود إليها بعد أن تنهكنا الحياة، والوحدة أحيانا تكون ذلك الشيء الذي يوفر لنا تلك المساحة الخاصة التي لا يدخلها أحدٌ سوانا، فهي لحظة صدق نادرة لا تحتاج فيها لأن تضع أي أقنعة، ولا تضطر فيها لأن تكون شخصًا آخر لترضي الآخرين، لكننا للأسف في هروبنا الدائم منها، نحرم أنفسنا من فرصة اكتشاف ذواتنا الحقيقية، وننظر للوحدة كفراغ يجب ملؤه فورًا بأي شيء، كمكالمة عابرة، أو لقاء عاجل، أو حتى تصفّح عشوائي للهاتف، لكننا في الحقيقة نخشى مواجهة أنفسنا، ونخشى الصمت لأننا نخاف أن نسمع أصواتنا الداخلية بوضوح!
الغريب أن من يستمتعون بوحدتهم قادرون غالبًا على فهم الآخرين بشكل أفضل، ولديهم قدرة نادرة على الإصغاء والتأمل والتعاطف، ربما لأنهم قضوا وقتًا كافيًا في الاستماع لذواتهم أولًا، فالوحدة هنا لا تكون شعورًا بالفراغ، بل تكون مساحة رحبة نلتقي فيها أنفسنا، وربما نتصالح معها لأول مرة!
لا أدعو هنا طبعاً للعزلة الدائمة، أو الانسحاب التام من الحياة، فالحياة في النهاية هي مزيج من التفاعلات والتجارب الإنسانية، ولكنني أدعو لأن نعترف بأنفسنا، وبأننا نحتاج أحيانًا إلى هذا الصديق الصامت، الذي لا يطلب منا شيئًا سوى أن نكون كما نحن، بلا أي شروط أو توقعات!
لكل ما سبق، حين تشعر يا صديقي أنك وحيد، لا ترتبك ولا تهرب، واسأل نفسك بهدوء: هل أنا حقًا بحاجة إلى الهروب؟ أم أن هذه هي لحظة صدق كنت أحتاجها منذ زمن؟ وإذا نجحت في تجاوز مخاوفك، فربما ستكتشف أن هذا الصديق الذي تهرب منه دائمًا، هو أكثر الأصدقاء صدقًا ووفاءً وإخلاصًا!
من يدري، ربما في المرة المقبلة التي يسألك فيها أحد عن حالك، ستجيب بابتسامة واثقة: «أنا مع أفضل أصدقائي... مع نفسي!».
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
من كتب هذا الهراء؟ / لو كنت أعرف!
