هناك ابتسامة لا تُولد من القلب، ولا تُخطط لها أمام المرآة، ولا تتدرب عليها في جلسات التصوير، إنها ابتسامة الطوارئ، تلك التي تُستدعى فجأة كرجل إطفاء في أحلك اللحظات، حين تكون على وشك الانفجار غضبا أو الانهيار يأسا، ثم يقتحم المشهد شخص بريء لا يعرف شيئا عن العاصفة التي تعصف بداخلك!
كنت قبل ثوان تصرخ في وجه ابنك أو ابنتك، أو تختلف بحدة مع زوجتك حول أمر تافه تضخم في لحظة إرهاق حتى كاد وجهك ينفجر من شدة الاحتقان، وإذا بك تسمع صوتا مألوفا من بعيد يناديك: «السلام عليكم يا فلان!»، تلتفت لتجد جارا قديما أو زميل عمل سابقا يقف مبتسما، يعرفك جيدا ويبادر بالسلام بحرارة، وفي جزء من الثانية يحدث التحول السحري، فتسقط ملامح الغضب، وترتفع ابتسامة مصطنعة محسوبة، تقول بود مدروس، «وعليكم السلام، أهلا وسهلا، كيف حالك؟»، بينما قلبك ما زال يخفق بعنف في صدرك، وصدى الصراخ المكتوم ما زال يرن في أذنيك!
هذه القدرة الخارقة على التحول من بركان ثائر إلى بحيرة هادئة في لحظة واحدة تكشف عمق تمثيلنا اليومي، نحن لا نرتدي قناعا واحدا، بل خزانة كاملة من الأقنعة، نبدلها وفق المشهد والجمهور، قناع للعمل، وآخر للأصدقاء، وثالث للغرباء، حتى صرنا خبراء في فن التنكر العاطفي! اليوم، في عصر الواتس أب والسوشيال ميديا، اتسعت مساحة ابتسامة الطوارئ لتشمل العالم الرقمي، فكم مرة كتبت «هههههه» وأنت عابس؟ وكم إيموجي ضاحك أرسلته بينما كانت الدموع تكاد تفر من عينيك؟ أصبحنا نمارس التمثيل حتى عبر الشاشات التي لا تكشفنا، فنخفي حقيقتنا خلف وجوه صفراء مبتسمة، كأن إظهار الحزن أو الغضب جريمة لا تُغتفر!
لنعترف، هذه الابتسامة ليست بالضرورة شرا مطلقا، إنها آلية دفاع اجتماعية قديمة قدم البشرية، تحمينا من فضح جراحنا أمام من لا يستحق رؤيتها، وتمنحنا خصوصية في عالم يريد أن يعرف كل شيء، فلو تركنا الجميع يرى ما بداخلنا دون فلترة، لتحولت الحياة إلى مسرح دائم للمآسي الشخصية!
ابتسامة الطوارئ هذه هي جزء من حياتنا اليومية، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول تلك الابتسامة من استثناء إلى قاعدة، فنرتديها حتى مع أقرب الناس إلينا، بل أحيانا حتى مع أنفسنا، فهنالك أشخاص نسوا شكل وجوههم الحقيقية من كثرة التبسم الإجباري، فيضحكون في كل صورة، بينما تصرخ أرواحهم، ويوزعون الإيجابية المزيفة بينما يغرقون في بحر من الكآبة، هؤلاء لم يعودوا يمثلون على الآخرين فحسب، بل على أنفسهم أيضا!
مجتمعاتنا يا رفاق تكافئ التظاهر بالسعادة وتعاقب الصدق العاطفي، فمن يعترف بحزنه يُتهم بالسلبية، ومن يظهر غضبه يُوصم بقلة الأدب، لذلك نتعلم منذ الصغر أن نخفي ونتظاهر ونبتسم، حتى لو كانت الابتسامة تكلفنا أكثر مما نحتمل.
لا أحد يستطيع التخلي الكامل عن ابتسامة الطوارئ، فهي ضرورية أحيانا كمظلة تحمينا من مطر الفضول الاجتماعي، لكننا نحتاج أن نتعلم متى نستخدمها ومتى نضعها جانبا، أن نمنح أنفسنا مساحات آمنة للصدق، وأن نتذكر أن الوجه المتعب له جماله أيضا، وأن الدمعة الصادقة أشرف من الضحكات... الكاذبة!
أتساءل أحيانا، ماذا لو توقف العالم عن التمثيل لدقيقة واحدة؟ ماذا لو خلعنا جميعا أقنعتنا في نفس اللحظة؟ ربما سنكتشف أننا جميعا متعبون، قلقون، خائفون بدرجات متفاوتة، وأن ابتساماتنا المصطنعة كانت تخفي نفس الجراح، نفس الأسئلة، نفس الحيرة، ربما حينها فقط سنفهم أن الضعف الإنساني المشترك أجمل بكثير من القوة المزيفة التي نتباهى بها، وأن وجها واحدا صادقا يساوي ألف قناع مذهّب!!
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
حتى لا تنطفئ.... الدهشة! / آخر من يغلق عينيه!
