الإعجاز النفسي في آية النوم والموت1
خامسا: الزمن أثناء النوم
الإنسان قد يرى حلمًا طويلًا في ثوان أو دقائق، وهذا يدل على أن الزمن النفسي يختلف عن الزمن الفيزيائي، والإنسان حين ينام بعمق يفقد الإحساس بالزمن، لأن الزمن فرع الحدث، فإن لم يكن هناك أحداث فإن الزمن ينعدم الوعي به، وهذا يفتح بابًا لفهم الزمن في البرزخ فالإنسان حين يموت يفقد وعيه بالزمن حيث لا حدث، فهو لا يدرك آلاف السنين التي مضت بين موته وبعثه فكأنه حين مات دخل على البعث والقيامة مباشرة كالنائم الذي نام عدة ساعات ولكنه لم يشعر بمرور تلك الساعات، وكأهل الكهف الذين ناموا ثلاثمائة وتسعة أعوام ولكنهم حين استيقظوا ظنوا أنهم ناموا يوما أو بعض يوم، وربما يفسر هذا الأثر المشهور عن بعض الصحابة والتابعين: "من مات فقد قامت قيامته"، وهو أثر يعتبره العلماء صحيحا من حيث المضمون باعتباره "القيامة الصغرى"، ويقصد به أن موت الإنسان هو بداية انتقاله لعالم الآخرة، حيث ينقطع عمله ويبدأ حسابه.
سادسا: البرزخ وعلاقته بالحلم
قوله تعالى: "النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا"، يشير إلى عرض وليس احتراق مادي مباشر، وهذا يشبه طبيعة الأحلام، حيث التجربة حقيقية إدراكيًا. إذن فعذاب أو نعيم القبر يكون في صورة عرض ( ربما تكون مثل الأحلام )، لأن الله تعالى ذكر بعد ذلك مباشرة: "ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب"، وهذا يؤكد أن العذاب الفعلي (الحسي المباشر) يكون يوم القيامة.
سابعا: الأحلام التنبؤية
هناك ثلاث اتجاهات في فهم الأحلام التنبؤية، أي التي يراها النائم في منامه وتتحقق كليا أو جزئيا في الواقع:
1 - علميًا: الدماغ يتوقع أشياء تحدث في المستقبل نتيجة حسابات دقيقة وربط بين تفاصيل الأحداث، ويكون ذلك ممكنا في حالة صفاء المخ أثناء النوم وانعدام عوامل التشتيت للوعي التي تكون موجودة أثناء اليقظة.
2 - دينيًا: الرؤيا الصادقة، وهي تحدث نتيجة تواصل بين النفس وعوالم الغيب أثناء النوم، وهناك ذكر لمثل هذه الأحلام أو الرؤى في القرآن الكريم حدثت لبعض الأنبياء وحدثت أيضا لغير الأنبياء مثل حلم الريان بن الوليد (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) وحين فسرها سيدنا يوسف عليه السلام، كانت سببا لخروجه من السجن وسببا لنجاة مصر من مجاعة محققة.
3 - والجمع بينهما ممكن، حيث لا شك أن غالبية الأحلام تنتج عن نشاط مراكز في المخ ولها صلة بالأحداث والذكريات والمؤثرات الداخلية والخارجية، وهذا لا يمنع أن يربط المخ بين تلك الأحداث في حالة صفائه وهدوئه أثناء النوم، ولا يمنع أيضا أن تكون ثمة رسائل غيبية لا نعلم كنهها ولا طبيعتها تصل إلى النفس البشرية أثناء قبضها حين تنام مصداقا للآية الكريمة "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.."، وأيضا مصداقا للحديث الذي رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم" (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).
ثامنا: النوم كتذكير يومي بالموت
ليس للإنسان عذر للكفر بالآخرة أو نسيان أو تجاهل الموت فكل نمر بتجربة مصغرة للموت فنفقد الوعي وندخل في عالم آخرمن خلال الأحلام والتي لم نعرف أسرارها بدقة حتى الآن، ثم نعود بعد ذلك إلى حياتنا الواقعية حين نستيقظ .
الخاتمة:
هذه الآية تقدم نموذجًا فريدًا يجمع بين الدين والعلم والفلسفة، وتفتح أبوابًا لفهم أعمق للنفس الإنسانية.
وقوله في نهاية الآية: "إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، يعني أن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله نَفس الميت إلى جسمها، وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبر، وبيانا له أن الله يحيي من يشاء من خلقه إذا شاء، ويميت من شاء إذا شاء.
واقرأ أيضًا:
قانون الأحوال الشخصية... بعيدا عن التحيزات الذكورية والمظلوميات النسوية / حين يتكلم النور... "دولة التلاوة" وصوت السماء
