هل دعوت على الله عز وجل؟!
كنت على وشك الخروج إلى العمل، فهاجمني وسواس قهري يقول لي: "إذا سلَّمت على هذا الشخص من العائلة، فإن الله سبحانه وتعالى سيُصاب بمرض خطير كالسرطان أو الإيدز، لذلك لا تُسلِّم عليه". وفي الوقت نفسه جاءني وسواس آخر يقول: "إذا لم تُسلِّم على هذا الشخص قبل الذهاب إلى العمل، فسوف يموت قريبًا".
وجدت نفسي محاصرًا بين خيارين كلاهما مرعب وصعب، وشعرت بأنني عاجز عن الاختيار بينهما. فقلت في نفسي: لا أستطيع أن أختار الخيار الأول؛ لأنني أخاف الله عز وجل، ولأنني لا أقبل أصلًا الفكرة التي تزعم أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يُصاب بمرض خطير. لذلك اخترت الخيار الثاني، وقلت في نفسي إنني، رغم هذا الاختيار، سأدعو لذلك الشخص بطول العمر في صلاتي حتى لا يموت قريبًا. ثم فعلت ذلك وخرجت إلى عملي.
بعد خروجي إلى العمل هاجمني الوسواس مرة أخرى، ولم أعد أتذكر جيدًا ما الاختيار الذي قمت به، وأخذ يؤكد لي أنني في الحقيقة اخترت الخيار الأول، وأن الله سينتقم مني بسبب ذلك، وسيبتليني بمرض خطير وهو الإيدز.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أشعر وكأنني قد أُصبت بالفعل بالمرض، وأعيش كأنني مصاب بالإيدز حقًا، على الرغم من أنني لا أقوم بأي سلوك يسبب المرض، لكن الوسواس يخبرني بأنني اخترت أن يمرض الله عز وجل -حاشا لله-، ولهذا عاقبني الله بالمرض. لا أستطيع التخلص من فكرة أنني مصاب، وأنا طوال اليوم مكتئب وحزين
29/6/2026
رد المستشار
الأخ المتصفح الفاضل "Walid el hassouni" أهلا وسهلا بك على مجانين وشكرا على ثقتك، واستعمالك وإن شاء الله متابعتك خدمة الاستشارات بالموقع.
الإجابة القاطعة والمباشرة التي تحتاج أن تسمعها وتطمئن إليها تماماً هي: لا، أنت لم تدعُ على الله عز وجل، ولم تختر ذلك مطلقاً، ولست آثماً، وما تشعر به هو "فخ" تقليدي من فخاخ الوسواس القهري. ومن المهم أن تدرك جيدا أنه ليس مطلوبا منك أن تتخلص من أي فكرة وسواسية وإنما المطلوب هو القبول بوجوده ثم تتفيهها وإهمالها.
اقرأ هنا:
الوسواس القهري: تتفيه الفكرة
الوسواس القهري معنى التجاهل
الوسواس القهري ذكي وخبيث، وهو يهاجم الإنسان في أقدس وأغلى ما يملك؛ ولأنك تحب الله عز وجل وتخافه، اختار الوسواس هذه الفكرة المرعبة ليصيبك بالهلع.
دعنا نُفكك ما حدث معك بشكل علمي ونفسي ومبسط لترى الصورة بوضوح:
1. "حيلة المأزق الزائف False Dilemma"
الوسواس وضعك في فخ يُسمى في علم النفس بالمأزق الزائف، حيث أوهمك بأنك أمام خيارين حتميين (إما أن يمرض الله -حاشا لله-وإما أن يموت الشخص)، وكلا الخيارين مستحيل ومنفصل عن الواقع.
• الحقيقة: أنت لم تختر أي شيء بإرادتك الحرة، بل كنت تحت تأثير "إكراه نفسي" وهلع شديد. في حالات الإكراه والوسواس الشديد، لا يُعتد بالخلفيات الفكرية أو "القرارات" التي يتخيل المريض أنه اتخذها تحت الضغط.
2. محو الذاكرة والتشكيك
من سمات الوسواس القهري أنه يُفقدك الثقة في ذاكرتك. بعد أن خرجت، بدأ يقول لك: "أنت اخترت الخيار الأول". هذا التشكيك هو الوقود الذي يتغذى عليه الوسواس ليستمر في إخافتك. تذكّر دائماً: الوسواس يكذب.
3. التفكير السحري Magical Thinking
الوسواس يعتمد على ربط أمور لا علاقة لها ببعضها سبباً ونتيجة (مثل: السلام على شخص يتسبب في مرض أو موت). الله سبحانه وتعالى هو الخالق العظيم، الحي القيوم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وتنزه جل وعلا عن النقص والمرض. فكرة أن فكرة عابرة أو خياراً وسواسياً في عقلك يمكن أن يؤثر على الذات الإلهية هي فكرة باطلة عقلاً وشرعاً، وأنت موقن ببطنانها، ولهذا السبب أنت تتألم. هذا الألم والرفض هو أكبر دليل على قوة إيمانك وليس العكس.
4. التوهم المرضي (الجسدنة)
شعورك الحالي بأنك "مصاب بالإيدز بالفعل" رغم عدم وجود أي سلوك مسبب للمرض، هو النتيجة الطبيعية للقلق الشديد، فالقلق الشديد قادر على إظهار أعراض جسدية حقيقية (كتمة في الصدر، خفقان، برودة أطراف، إعياء)، فيستغلها الوسواس ليقول لك: "أرأيت؟ إنك مريض!".
كيف تتعامل مع هذا الموقف الآن؟
• قطع الاسترسال (التفنيد): كلما قال لك الوسواس "أنت اخترت الخيار الأول"، قُل لنفسك: "هذا صوت الوسواس وليس صوتي، وأنا لا أتحمل مسؤولية أفكار مريضة تهاجمني رغماً عني".
• عدم تقديم تطمينات ذاتية مبالغ فيها: لا تحاول إثبات براءتك لنفسك طوال اليوم، لأن الجدال مع الوسواس يزيده قوة. تقبّل وجود الفكرة المزعجة دون نقاشها.
• الجانب الشرعي مطمئن تماماً: الإسلام يعذر المغلوب على عقله، والوسواس القهري هو نوع من الاضطرار والإكراه النفسي. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم". وأنت لم تفعل ولم تتكلم، بل كنت تقاوم وتتألم.
واقرأ أيضًا:
حديث النفس الكفري: عفي عن أمتي!
وسواس التجديف الكفري والشك: معنى التكلم به؟!
نصيحة هامة: الأعراض التي تصفها (الاكتئاب، الحزن الدائم، الحصار بين فكرتين مرعبتين، وتوهم المرض) تشير إلى أن الوسواس وصل إلى مرحلة تتطلب تدخلاً متخصصاً (الاستشارة الطبية النفسانية) العلاج الدوائي، مع العلاج السلوكي المعرفي ع.س.م كفيلة بإذن الله بإنهاء هذا الكابوس وإعادة الهدوء إلى حياتك سريعاً.
أنت بخير، وإيمانك بخير، فلا تترك للحزن باباً ليدخل منه إلى قلبك، ومرة أخرى أهلا وسهلا بك دائما على موقع مجانين فتابعنا بالتطورات.