أنا أتعامل مع أم صارمة
لقد توفي والدي وأنا صغيرة، في السن الثانية عشرة تقريباً... ووالدتي هي التي ربتني في كل شيء، ولكن طبعاً وفقاً لهواها؛ لم تكن لدي حرية في أي شيء نهائياً... لم تكن تسمح لي بتكوين صداقات، ثم تأتي لتلومني على ذلك، وحتى لو كوّنتُ صداقات فيجب أن تعرفهم وتعرف عائلاتهم، بل وتخرج معي أيضاً حتى لو كنتُ أنا وصديقتي فقط، واستمر هذا الوضع حتى الصف الأول الثانوي. أنا حالياً في السنة الرابعة بالجامعة، ومنذ أن دخلتُ الكلية بدأت تترك لي حرية اختيار ملابسي، أو أن أذهب للتطوع في مكان ما، ولكنها كانت تأتي معي أيضاً وأنا ذاهبة إلى هذه الأماكن.
استمر ذلك حتى بدأ الناس يطلبون منها التوقف عن فعل ذلك، فأصبحت تتركني أذهب إلى الكلية بمفردي وأتعرف على أشخاص، ولكن في كل خروج تقول لي: «لا، لقد خرجتِ من قبل، فلا تخرجي هذا الشهر مجدداً، يكفي هذا».
أنا أحب جداً الشعر القصير، وهذا طبعاً ممنوع، والناس يتحدثون معها دائماً ويقولون لها «ستُحاسبين عليها» وأشياء كثيرة جداً جداً، لكنني لا أستطيع نيل حريتي؛ لا أستطيع الذهاب إلى النادي الرياضي (الجيم)، ولا أستطيع الخروج، ولا أستطيع قص شعري، ولا أستطيع الذهاب إلى مكان قد يكون غريباً عني، ولا يوجد سفر حتى لو كان تابعاً للتطوع أو الكلية أو حتى مجرد خروج، وإذا خرجتُ لمدة ساعتين تتصل بي وتسألني: «أين أنتِ ومع مَن؟»، وهي تشك فيّ دائماً لدرجة أنها قد تتصل بصديقاتي لتعرف إن كنّ معي فعلاً أم لا، ويجب أن تأخذ أرقامهن، وإما أن يحدث هذا أو لا أخرج وتحبسني في البيت.
الحقيقة أنني لا أعرف كيف أتعامل معها، وخصوصاً أنني أشعر بذنب كبير جداً جداً جداً لو قالت لي «لا» على شيء وفعلتُه، أو لو فعلتُ شيئاً من ورائها، أو لو حزنت مني؛ إذ أظل متضايقة لفترة طويلة. وفي إحدى المرات وجدتني قد قصصتُ خصلات من شعري فذهبت وأحرقت لي أطرافه! وكلما جلستُ على المكتب حتى للدراسة، تأتي وتشد شعري لتفرده وترى إن كنتُ قد قصصتُه أم لا، وحتى في ملابسي تقول لي: «أنتِ تقهرينني، وبنات الناس كلهنّ تطوّرنَ إلا أنتِ»، وكل هذا لأنني لا أضع مساحيق التجميل (الميكب) وأرتدي بنطالاً وقميصاً (شيميز) مثلاً بشكل عادي.
لقد تعبتُ من كونها سامة جداً (توكسيك فشخ) في كل شيء، ومهما تحدث الناس معها لا تستمع لأحد سوى لما تريده هي فقط.
وحقاً، أنا أسأل: كيف أنال حريتي منها وأنا أخاف على حزنها دائماً؟
8/8/2026
رد المستشار
عزيزتي "رغدة"،
أشعر من خلال كلماتك بمدى الإرهاق الذي تعيشينه، فمن المؤلم أن يشعر الإنسان بأنه مراقب باستمرار، وأن تُسلب منه أبسط حقوقه في الاختيار، خصوصًا في هذه المرحلة العمرية التي يحتاج فيها إلى بناء شخصيته واستقلاله. كما أن فقدان والدك في سن مبكرة جعل والدتك تتحمل مسؤولية كبيرة، وربما ولّد لديها خوفًا شديدًا من فقدانك أو تعرضك لأي أذى، إلا أن الخوف عندما يزداد عن حدّه قد يتحول إلى سيطرة مفرطة تؤذي الطرفين.
من المهم أن تعلمي أن حرص والدتك لا يبرر بعض التصرفات التي ذكرتها، مثل التفتيش المستمر، والاتصالات المتكررة، وإحراق شعرك، أو منعك من تكوين حياة اجتماعية طبيعية. فهذه السلوكيات تتجاوز حدود الحماية الصحية، وقد تؤثر في ثقتك بنفسك، واستقلاليتك، وشعورك بالأمان.
أما شعورك بالذنب كلما رفضتِ لها طلبًا أو خشيتِ أن تحزن منك، فهو أمر شائع لدى الأبناء الذين نشأوا في بيئة شديدة التحكم؛ إذ يتعلمون مع الوقت أن رضا الوالدين أهم من احتياجاتهم الشخصية، فيصبح مجرد الدفاع عن حقوقهم سببًا للشعور بالذنب. لكن الحقيقة أن احترامك لوالدتك لا يعني التخلي عن شخصيتك، كما أن استقلالك التدريجي لا يعني عقوقها.
أنصحك بأن تبدئي بخطوات هادئة ومتدرجة، فلا تحاولي تغيير كل شيء دفعة واحدة. اختاري موضوعًا واحدًا فقط، مثل الذهاب إلى النادي الرياضي أو الخروج مع صديقاتك لساعات محددة، وتحدثي معها في وقت تكون فيه هادئة، مستخدمةً عبارات تبدأ بـ"أنا"، مثل: "أنا أشعر أنني بحاجة إلى مساحة أكبر لأتعلم تحمل المسؤولية"، بدلًا من توجيه اللوم إليها. وكوني ثابتة على طلبك بهدوء، حتى إن رفضته في البداية.
ومن المفيد أيضًا أن تستعيني بشخص حكيم تثق به والدتك، كأحد الأقارب أو الأشخاص الذين تحترم رأيهم، ليحاورها بلطف حول أهمية منحك مساحة مناسبة من الاستقلال، خاصة وأنك أصبحتِ راشدة وفي السنة الرابعة من الجامعة.
وفي الوقت نفسه، اعملي على تقوية ثقتك بنفسك، وذكّري نفسك دائمًا بأن اتخاذ قرار مناسب لا يجعلك ابنة سيئة، وأن الاختلاف مع والدتك في بعض الأمور لا يعني أنك لا تحبينها أو لا تقدرين تعبها.
وإذا شعرتِ أن هذا الضغط المستمر بدأ يؤثر في حالتك النفسية، أو يسبب لك قلقًا شديدًا أو اكتئابًا أو خوفًا دائمًا من اتخاذ أي قرار، فمن الأفضل أن تلجئي إلى أخصائي نفسي ليساعدك على التخلص من الشعور المبالغ فيه بالذنب، وتعلم مهارات وضع الحدود الصحية والتواصل الحازم مع والدتك.
أسأل الله أن يمنحك الحكمة والصبر، وأن يلين قلب والدتك، ويعينكما على بناء علاقة يسودها الحب والاحترام والثقة، بحيث تشعرين بالأمان دون أن تفقدي حقك الطبيعي في النمو والاستقلال.
مع خالص التمنيات لكِ بالسلام النفسي والتوفيق
واقرئي أيضًا:
الابنةُ المضطهدةُ ودبلوماسية العائلة
أنا وأبي وأمي: تعبت من الحياة!
نفسي في أم غيرها!: أخي بكل احترام وأنا بالجزمة
أنا وأبي وأمي: تعبت من الحياة!
أنا وأمي : حياة العرب في الغرب!
مثل كثيرات: أنا وأمي... سيرة ومسيرة!