السلام عليكم.
طوال معظم حياتي، كنت أعتقد أن النجاح سيملأ الفراغ الذي بداخلي. فقدت والدي وأنا صغير. ومنذ ذلك الحين، أصبح البقاء على قيد الحياة أولويتي. أقنعت نفسي بأنه إذا اجتهدت في دراستي، وعملت بجد أكثر من أي شخص آخر، وبنيت مسيرة مهنية ناجحة، واستقرت أوضاعي المالية، وواصلت التطور يوميًا، فسأشعر أخيرًا بالسلام. تخرجت بتقدير جيد، وعملت في بعض أكبر الشركات، وبنيت حياتي ببطء من الصفر. لا أملك أي شبكة أمان. لا أحد أعتمد عليه.
أنا فخور بذلك. لكنني أدركت مؤخرًا أمرًا مؤلمًا. لم يُعوّض أي إنجاز شعور الحب. لم أعش قصة حب حقيقية قط. ما اختبرته بدلًا من ذلك هو الشك، والرفض، و"ربما هناك شيء ما هنا"، والشعور الدائم بأنني ببساطة غير كافٍ.
وما يزيد الأمر صعوبة هو أنني لم أختبر أبدًا شعور الحب الحقيقي. لم تُتح لي الفرصة لاكتشاف ذاتي في علاقة حقيقية. العلاقات. أحيانًا أتساءل إن كنت أعرف كيف أحب، أو إن كنت قد قضيت سنوات طويلة في حالة دفاع عن النفس لدرجة أنني نسيت كيف أسمح لأحد بالدخول إلى حياتي. ثم يتسلل إليّ خوف آخر، وهو أن الوقت قد فات.
الآن أنا عالق بين صراعين. أحدهما يدفعني للاستمرار في بناء مستقبلي، وأن أصبح الرجل الذي أريد أن أكونه قبل أن أسمح لنفسي بحب أي شخص. والآخر يذكرني كل يوم بأنني منهك عاطفيًا وأشعر بوحدة شديدة.
رؤية أصدقائي يتزوجون ويؤسسون عائلات تُسعدني لأجلهم، لكنها تجبرني أيضًا على التساؤل عما إذا كنت متأخرًا عنهم.
أحيانًا أقنع نفسي بأنه لا توجد امرأة ستختار رجلاً لا يزال يبني حياته، مهما كانت إمكانياته. وفي أحيان أخرى أشعر وكأن الجميع قد وجد شريك حياته، وأن العزاب ما زالوا يتعافون من شخص لم يستطيعوا نسيانه.
ربما لا تكون هذه الأفكار صحيحة. لكن عندما تعيش وحيدًا، تصبح هذه الأفكار أعلى من الواقع. ليس الجزء الأصعب هو كونك أعزبًا. بل الشعور وكأنك لقد أمضيتَ سنواتٍ تبني حياةً يُعجب بها الجميع، بينما تتساءل في سرّك عمّا إذا كنتَ ستجد يومًا من تُشاركه إياها.
ما زلتُ آمل.
لكنني لا أعرف إلى متى سيصمد الأمل دون شيءٍ حقيقيّ أتمسّك به.
20/9/2026
رد المستشار
يا صديقي،
يا للهول!
ما كل هذا التخبط؟ لا تقلق.... لست وحدك، فالكثيرون يشعرون بما تشعر به ويمرون بالشيء نفسه.
دعني أصحح معك بعض المفاهيم:
مبدئيًا، خدعتَ نفسك عندما أجّلت الاستمتاع بحياتك والسعادة فيها إلى ما بعد الإنجاز، وأقنعتَ نفسك بأن سعادتك وملء فراغك الداخلي سيحدثان بهذه الطريقة.... ولكنك لم تنتبه إلى أن خطوات الإنجاز لم تحقق ولو جزءًا بسيطًا مما تريد؛ ظللت تؤجل أن تعيش حياة غنية، ووضعت شروطًا على سعادتك ورحّلتها جميعًا إلى المستقبل.... كَوّنتَ عادة عدم الاستمتاع باللحظة الحالية وبالخطوات الراهنة.
وفي خضم كل هذا، غابت عنك حقيقة أخرى وهي أنك أنت من سيؤنس الوحدة ويملأ الفراغ الداخلي قبل أن تجد الحب.. يجب أن تصادق نفسك، وتتصرف معها كالصديق الصدوق.
بعد ذلك، اعمل على تنمية الحب في نفسك؛ الحب يتطلب معرفة، واهتمامًا، واحترامًا، ومسؤولية.. ابدأ في ممارسة هذه الأربعة مع نفسك؛ على الأقل، الاهتمام يعني ممارسة ما يسعدك من هوايات واهتمامات ونشاطات، والتحسين والتطوير من نفسك بصفة مستمرة... يجب أن نسعى نحو الكمال ونرضى بأننا لن نصل إليه، لأن الكمال لله وحده.
أيضًا، تخدع نفسك عندما تقارن نفسك بمن تزوجوا من أصدقائك وتقول إنك تأخرت.... ما هو الموعد المناسب ومن حدده؟ وبناءً على أي أساس أو منطق؟
تقول أيضًا إنك تريد أن تصبح الرجل الذي تريده قبل أن تسمح لنفسك بالحب، وتقول إنك لم تسمح لأحد بدخول حياتك.... إذا كان هذا اختيارك فلماذا تشكو؟ أعتقد أن من العقل والمنطق والحكمة أن تتخلى عن هذه الأفكار المعطلة والمُحبطة والمُحيرة.. وكأنك تريد أن تكون محترفًا مثل محمد صلاح قبل أن تلعب مباراة كرة قدم!
يبدو أيضًا أنك أنجزت لكي يعجب بك الآخرون، ونسيت أن تعجب بنفسك وتقدر وتشكُر ما أنعم الله به عليك من ذكاء وصحة.
في السادسة والعشرين لم تتأخر على أي شيء.... لاحظ أننا نقضي ثلث اليوم تقريبًا في النوم.... يعني ما يقارب تسعة أعوام من حياتك.... حياتك الواعية إذن حوالي سبعة عشر عامًا.... ربما أصدقاؤك المتزوجون هم من تعجلوا الزواج، والعزّاب الباكون على الأطلال هم من استعجلوا الحب.
إذا لم تحب نفسك فلن تعرف حقيقة ما إذا أحبك أي شخص، وستظل تشك في هذا الحب وفي استحقاقك له.
قد تحتاج لمراجعة معالج نفساني لتصحيح مفاهيمك ومناقشة هذه الأمور باستفاضة، ورسم خطة منطقية أو منهج جديد في التفكير.
تذكر: (ِإنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) صدق الله العظيم.
وفقك الله وإيانا لما فيه الخير والصواب.
واقرأ أيضًا:
متى يكون العمل والإنجازات فقط مسكنات!