السلام عليكم أولاً....
من الغريب أن المرء قد يحقق أشياء كثيرة كان في الماضي يحلم بها، ويصل إلى أماكن كان يظن أنه عندما يصل إليها سيكون مرتاحًا وسعيدًا، لكنه في النهاية يكتشف أن هناك شيئًا ناقصًا طوال الوقت، وأن هذا الإحساس لم يختفِ أبدًا مهما تغيرت الظروف، أو زادت النجاحات، أو تحسنت الحياة من الخارج.
أنا على مدار عمري تقريبًا كنت متعايشًا مع هذا الإحساس، وكان جزءًا ثابتًا من حياتي لدرجة أنني ظننته طبيعيًا ولن يتغير، لكن الحقيقة أن هناك فترة واحدة فقط استمرت حوالي سنتين، اختفى فيها هذا الإحساس تمامًا، ولأول مرة شعرت أن للحياة طعمًا مختلفًا، وأن هناك شخصًا وجوده بمفرده قادر على تغيير شكل يوم كامل، ويجعل لكل شيء معنًى أكبر، ويجعل المرء يشعر أنه ليس وحيدًا في الدنيا.
ولما خرج هذا الشخص من حياتي، عاد كل شيء كما كان، ولكن المشكلة أنه لم يَعُد كما كان فحسب، بل عاد أقوى وأوضح وأكثر وجعًا؛ لأنني بعد أن عرفت ماذا يعني أن يكون هناك شخص قريب منك، يشاركك تفاصيلك ويحمل جزءًا من العبء الذي بداخلك، بدأت أكتشف حجم الوحدة الحقيقي الذي كنت أعيش فيه منذ سنوات دون أن أشعر. بدأت أكتشف كم أنا وحيد على كل المستويات، وكم أن هناك مسافات كبيرة بيني وبين الناس مهما كانوا قريبين، وكم أن هناك كلامًا كثيرًا بداخلي ليس له مكان يذهب إليه.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول إقناع نفسي بأن العمل والنجاح والإنجازات يمكن أن تملأ هذا الفراغ، لكنني في كل مرة أكتشف أنها مجرد مسكنات مؤقتة، وأنه بمجرد أن ينتهي اليوم أعود إلى الإحساس نفسه، والسكون نفسه، والسؤال نفسه الذي ليس له إجابة.
ربما يرى الناس أن الأمور تسير على ما يرام، ولكن لا أحد يرى الجزء الذي يتحمل كل هذا بمفرده، ولا أحد يرى كم تسحب الوحدة الروح من كل شيء جميل. ومع مرور الوقت، أصبحت أشعر أن فرصتي في الخروج من هذا الإحساس تقل، وأن الأمل الذي كان موجودًا في الماضي يتآكل جزءًا فجزءًا، وأن كل يوم يمر يقربني أكثر من فكرة أنني قد أكمل حياتي كلها على هذا النحو.
وهذه فكرة مرعبة؛ لأن الإنسان يمكنه تحمل أشياء كثيرة، ولكن فكرة أن يظل وحيدًا طوال عمره رغم كل محاولاته هي من أصعب الأشياء التي يمكن أن يواجهها. والأصعب من ذلك أن العمر يمضي، وسني يتقدم سنة تلو أخرى، وكل من حولي يرون أن الخطوة الطبيعية الآن هي أن أستقر وأصبح زوجًا وأكوّن أسرة وأبدأ حياة هادئة ومستقرة، وهذا حقهم في أن يفكروا هكذا، ولكن لا أحد يشعر كم أن الموضوع معقد بداخلي، وكم أن فكرة الاستقرار نفسها أصبحت مرتبطة عندي بإحساس فقدته ولا أعرف كيف أصل إليه مجددًا.
أنا لا أبحث عن أشياء كبيرة، ولا حياة مثالية، ولا أحلام مستحيلة؛ كل ما أحتاجه هو أن أجد مخرجًا من هذه الوحدة، أن أجد مكانًا أنتمي إليه، وشخصًا أشعر معه أنني لا أحمل الدنيا بمفردي.
لأن الحقيقة هي أنني قبل أن أكون زوجًا، وقبل أن أكون أبًا، وقبل أن أبني أسرة،
أحتاج أولاً أن أعود لأشعر بأنني إنسان يعيش حياة طبيعية، وبسيطة، ومستقرة من الداخلي أولاً.
19/8/2026
رد المستشار
يا صديقي،
فكرةُ أن تكون مستقراً قبل الزواج والإنجاب فكرةٌ ممتازةٌ، وصحيةٌ، ومنطقيةٌ، وصحيحة.
لا تقلق، فأغلبُ البشر يعانون المعاناةَ نفسها، ولستَ وحدَك في هذا.
ما ينتقصُ من المشاعر الإيجابية أو الشعورِ بأن هناك نقصاً ما بعد الإنجاز أو الوصول إلى هدفٍ ما هو عادةٌ سخيفةٌ نقع فيها جميعاً؛ عادةُ تأجيلِ السعادة والمتعة إلى ما بعد الإنجاز، بدلاً من الاستمتاع طوال الرحلة مع كل خطوة.
تأجيلُ السعادة وربطُها بشرط الوصول يجلعاننا لا نستمتع باليوم الحالي على أكمل وجه (هناك شيءٌ ناقصٌ). ومع التكرار، نعتادُ على عدم الاستمتاع بالوقت الحالي إطلاقاً. وعندما نصل إلى الهدف أو الإنجاز، يصبح يومُ الوصول هو اليومَ الحالي، ونحن معتادون على ألا نستمتع باليوم الحالي. بالتالي، نظل في مطاردةٍ سخيفةٍ للسعادة والاستقرار والمشاعر الإيجابية، وفي الوقت نفسه نجعل منها شيئاً مستحيلَ الوصول إليه بسبب عادةِ تأجيل المشاعر الإيجابية والإحساسِ بلذة الإنجاز طوال الطريق.
أما عن الوحدة، فهناك ما يغيبُ عنك وعن أغلب الناس في هذا الموضوع. لقد مرت عليك لحظاتٌ -ولو مرةً في حياتك- كنت تشعر فيها بالوحدة وأنت في صحبة أصدقاء، أو أهل، أو أحباب (كلنا نمر بهذا) وهناك أيضاً لحظاتٌ -ولو مرةً واحدةً في حياتك- لم تشعر فيها بالوحدة مع أنك كنت وحدك تماماً، ولكن ربما كنت مندمجاً في شيءٍ شيقٍ أو مسلٍّ بالنسبة إليك. هذا معناه منطقياً أن شعور الوحدة ليس له علاقةٌ بوجود آخرين من عدمه. وفي الوقت نفسه، شعورُ الوحدة يعني أننا نتوق للتواصل مع شخصٍ يهمنا، ويسمعنا، ويتفهمنا. دعني أسألك: من هو الشخص الموجود في هذه الحالات الثلاث كلها؟ هو أنت. شعور الوحدة سيختفي أو يقل كثيراً إذا ما صادقتَ نفسك واستمتعتَ بصحبتك لنفسك؛ هذا هو المخرجُ الوحيد الحقيقي من الوحدة.
ما الذي تستمتع به لذاته؟ ما هي هواياتك واهتماماتك الفردية؟ ما الذي تريده من الآخرين غير التعاطف معك ومع شكواك (حمل جزءٍ من عبء الحياة بالاستماع والموافقة والشفقة)؟ ما الذي ستعطيه أنت لهؤلاء الذين تريدهم في حياتك؟ ما الذي يمنعك من السعادة والاستمتاع بحياتك وبالنعم التي من الواضح وجودها؟
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إن لم تغير من أفكارك وأفعالك، فلن يتغير شيءٌ في حياتك إلا إلى الأسوأ. استمتع باللحظة الحالية، ولا تعتقد أن السعادة، والأمان، والحب، والتقدير الذاتي، والثقة بالنفس، والامتنان بنعم الله تأتي من خارجك (من الظروف أو من الآخرين) إنها يجب أن تأتي من داخلك أنت أولاً، ثم ستجد صداها خارجك.
وُفّقك الله وإيانا لما فيه الخير والصواب.
واقرئي أيضًا:
عاوز أحب وأتحب
حرمان × جوع × فراغ عاطفي!
نقص الغذاء العاطفي.. للمعاناة أسباب