ليس اليومُ الوطنيُّ مجردَ ذكرى تاريخيةٍ أو مناسبةٍ احتفاليةٍ بالماضي، بل يمكنُ النظرُ إليهِ بوصفِهِ مناسبةً لتعزيزِ الصحةِ النفسيةِ الجمعيةِ من خلالِ تنشيطِ وإعادةِ تنظيمِ مفاهيمِ الانتماءِ والهويةِ والكرامةِ والمسؤوليةِ والعطاءِ والعدالةِ والشعورِ بالمصيرِ المشتركِ والعيشِ المشتركِ.
ومن هذا المنظورِ، يصبحُ اليومُ الوطنيُّ فرصةً لإعادةِ تنظيمِ خريطةِ الانتماءِ في النفسِ البشريةِ؛ فالإنسانُ مفطورٌ على الانتماءِ إلى أُسرتِهِ وعائلتِهِ وجماعتِهِ وعشيرتِهِ وأرضِهِ وذكرياتِهِ، لكنَّهُ يحتاجُ كذلكَ إلى دائرةٍ أوسعَ تستطيعُ أن تجمعَ المختلفينَ عنه في الدينِ أو العرقِ أو اللونِ أو الأصلِ أو الثقافةِ ضمنَ إطارٍ إنسانيٍّ واجتماعيٍّ مشتركٍ.
وهذا ينسجمُ مع التصورِ الذي تُقدِّمُهُ السيكولوجيةُ الفطريةُ للإنسانِ باعتبارِهِ كائنًا قيميًّا غائيًّا؛ فالإنسانُ لا يحتاجُ فقط إلى أن يعيشَ ويحافظَ على وجودِهِ، وإنما يحتاجُ أيضًا إلى أن يشعرَ بأن وجودَهُ ذو قيمةٍ، وأن له مكانًا ينتمي إليهِ، وغايةً يسعى إليها، ومسؤوليةً يؤديها.
الوطنُ بوصفِهِ دائرةً أوسعَ للانتماءِ
يُنمِّي الانتماءُ الوطنيُّ شعورًا بالمساواةِ والعدلِ والرضا والعيشِ المشتركِ، ويساعدُ الإنسانَ على الارتفاعِ فوقَ الفوارقِ العضويةِ التي لم يخترها؛ فهو لم يختر والدَيهِ، ولا مكانَ ولادتِهِ، ولا أصلَهُ، ولا جماعتَهُ الأولى.
ومن هنا يصبحُ معيارُ قيمةِ الإنسانِ مرتبطًا بما يفعَلُهُ ويُقدِّمُهُ من قيمٍ وسلوكٍ ومسؤوليةٍ، لا بمجردِ انتسابِهِ العضويِّ إلى جماعةٍ معينةٍ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. وبذلك لا يكونُ الوطنُ بديلًا عن الدينِ والقيمِ الفطريةِ الإنسانيةِ، ولا منافسًا لهما، وإنما يصبحُ المجالَ الاجتماعيَّ والمؤسسيَّ الذي تتجسدُ فيهِ القيمُ وتُـنظَّمُ فيهِ العلاقاتُ بين البشرِ.
فالوطنُ العادلُ لا يلغي الأسرةَ أو العائلةَ أو القبيلةَ أو المنطقةَ، وإنما يضعُ هذهِ الدوائرَ داخلَ إطارٍ أوسعَ يحفظُ خصوصيتها، ويمنعُ تحولَها إلى معيارٍ نهائيٍّ للحقيقةِ والحقِّ والكرامةِ.
من «مَن جماعتُنا؟» إلى «ما الذي يجمعُنا؟»
لذلك يمكنُ أن تكونَ الرسالةُ النفسيةُ الأعمقُ لليومِ الوطنيِّ هي الانتقالَ: من الانتماءِ الذي يسألُ: مَن جماعتُنا؟ إلى الانتماءِ الذي يسألُ: ما الذي يجمعُنا؟ ومن العصبيةِ التي تحمي الجماعةَ ولو على حسابِ الحقِّ، إلى وطنٍ يحمي الإنسانَ والقيمةَ والكرامةَ والعدلَ، إضافةً إلى حمايةِ الجماعةِ وخصوصيتها. وعندما ينجحُ الوطنُ في تحقيقِ هذا الدورِ، يصبحُ الانتماءُ الوطنيُّ أكثرَ من مجردِ شعورٍ بالفخرِ؛ إذ يتحولُ إلى بنيةٍ نفسيةٍ وأخلاقيةٍ وحضاريةٍ تُـنظِّمُ علاقةَ الإنسانِ بجذورِهِ وقيمِهِ ومُقدَّسِهِ ومجتمعِهِ ومستقبلِهِ.
فالوطنُ ليس مجردَ مساحةٍ جغرافيةٍ يعيشُ عليها الإنسانُ، بل يمكنُ أن يكونَ مركزًا للانتماءِ والأمانِ والطمأنينةِ النفسيةِ.
دوائرُ الانتماءِ
لا يستطيعُ الإنسانُ أن يعيشَ بلا جذورٍ وانتماءٍ؛ فهو يبدأُ عادةً بدوائرِ انتماءٍ قريبةٍ: الأسرةِ والعائلةِ والعشيرةِ والقريةِ والمنطقةِ والجماعةِ، ثم تتسعُ دائرةُ الانتماءِ لتشملَ الوطنَ، ثم الإنسانيةَ الأوسعَ.
وفي التصورِ الفطريِّ، لا ينبغي أن تتصارعَ هذهِ الدوائرُ، وإنما ينبغي أن تنتظمَ هرميًّا ووظيفيًّا بحيث يؤدي كلُّ مستوىً وظيفتَهُ دونَ أن يتحولَ إلى مرجعيةٍ مطلقةٍ تلغي المستوياتِ الأخرى. وتظلُّ المرجعيةُ العليا في التصورِ الدينيِّ هي الانتماءَ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى، بينما تُمثِّلُ القيمُ الأخلاقيةُ معيارًا يضبطُ السلوكَ، ويُمثِّلُ الوطنُ المجالَ المشتركَ الذي يعيشُ فيهِ المختلفونَ ويُـنظِّمونَ مصالحَهُم ومسؤولياتِهِم.
وتبدأُ المشكلةُ عندما تتحولُ إحدى دوائرِ الانتماءِ العضويةِ، كالدمِ أو العائلةِ أو العشيرةِ أو المنطقةِ، إلى مرجعيةٍ نهائيةٍ للحقِّ والباطلِ والكرامةِ. عندها قد يظهرُ منطقُ: «هو من جماعتِنا، إذن هو على حقٍّ» أو: «هو ليس من جماعتِنا، إذن هو على باطلٍ» وهنا يتحولُ الانتماءُ من وظيفةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ سويةٍ إلى أداةٍ لإلغاءِ العدلِ والصدقِ والخيرِ والكرامةِ.
اضطرابُ غريزةِ الانتماءِ
ومن منظورِ السيكولوجيةِ الفطريةِ، يمكنُ فهمُ ذلكَ باعتبارِهِ اضطرابًا في وظيفةِ غريزةِ الانتماءِ؛ فالانتماءُ السويُّ ينبغي أن يتفاعلَ مع العدلِ والصدقِ والخيرِ والكرامةِ، لا أن يلغيَها.
فالإنسانُ يحتاجُ إلى جماعةٍ ينتمي إليها، لكنَّهُ يحتاجُ في الوقتِ نفسِهِ إلى معيارٍ أعلى يستطيعُ من خلالِهِ أن يحكمَ على سلوكِ جماعتِهِ نفسِها. وهنا يمكنُ صياغةُ العلاقةِ على النحوِ الآتي: المُقدَّسُ يضبطُ المرجعيةَ العليا، والقيمُ تضبطُ السلوكَ، والوطنُ يُـنظِّمُ المجالَ المشتركَ، والمواطنُ يُحوِّلُ القيمَ إلى ممارسةٍ ومسؤوليةٍ.
وبذلك لا تصبحُ الوطنيةُ تعصبًا لجماعةٍ جديدةٍ، وإنما تصبحُ إطارًا لتنظيمِ الانتماءاتِ المتعددةِ داخلَ مجتمعٍ واحدٍ.
ويتبع>>>>: اليومُ الوطنيُّ والصحةُ النفسيةُ من انتماءِ الجماعةِ إلى وطنِ القيمِ2
واقرأ أيضًا:
الأفكار والمشاعر والسلوك مجرد علامات حيوية وأعراض للمرض النفسي / متلازمة المرأة السلفع بين النضج النفسي وتدمير الذات
