اليومُ الوطنيُّ والصحةُ النفسيةُ من انتماءِ الجماعةِ إلى وطنِ القيمِ1
الوطنُ والقيمُ الفطريةُ
تظهرُ أهميةُ العلاقةِ بين الدينِ والقيمِ الفطريةِ الخلقيةِ في أن الإنسانَ يحتاجُ إلى مرجعيةٍ تمنحُ حياتَهُ معنًى، وإلى قيمٍ تضبطُ سلوكَهُ، وإلى مؤسساتٍ تُـنظِّمُ علاقاتِهِ مع الآخرينَ. فالعدلُ، مثلًا، ليس مجردَ قيمةٍ نفسيةٍ داخلَ الإنسانِ؛ وإنما يحتاجُ إلى مؤسساتٍ وقوانينَ وقضاءٍ يحميهِ. والكرامةُ ليست مجردَ شعورٍ داخليٍّ؛ وإنما تحتاجُ إلى منظومةٍ تحمي الإنسانَ من الإهانةِ والاعتداءِ والاستغلالِ. والحريةُ ليست مجردَ رغبةٍ فرديةٍ؛ وإنما تحتاجُ إلى نظامٍ يُـنظِّمُ ممارستَها بما يحفظُ حقوقَ الآخرينَ. ومن هنا يصبحُ الوطنُ البيتَ المؤسسيَّ الحاضنَ للقيمِ المشتركةِ؛ فهو يوفرُ المجالَ الذي تتحولُ فيهِ المبادئُ الداخليةُ إلى قواعدَ وممارساتٍ تُـنظِّمُ الحياةَ الإنسانيةَ المشتركةَ. فالقيمُ الفطريةُ تُعطي المعنى والمعيارَ، والمؤسساتُ تُحوِّلُ هذا المعيارَ إلى ممارسةٍ اجتماعيةٍ، والمواطنُ هو الحلقةُ التي تصلُ بينَ الإثنينِ.
من رابطةِ الدمِ إلى رابطةِ المسؤوليةِ
لا يعني الانتقالُ من الروابطِ العضويةِ إلى الانتماءِ الوطنيِّ إلغاءَ الأسرةِ والعشيرةِ والقرابةِ؛ فالروابطُ الأسريةُ والاجتماعيةُ تؤدي وظائفَ نفسيةً مهمةً في الحمايةِ والرعايةِ والتكافلِ والهويةِ.
لكنَّ الخطرَ يبدأُ عندما تتحولُ هذهِ الروابطُ من دوائرِ انتماءٍ إلى مراجعَ نهائيةٍ للحقيقةِ والقيمةِ.
فالأسرةُ مكانٌ لصلةِ الرحمِ والرعايةِ، والعشيرةُ قد تكونُ إطارًا للتكافلِ، والمنطقةُ تحملُ الذكرياتِ والانتماءاتِ، والوطنُ يجمعُ هذهِ الدوائرَ داخلَ إطارٍ أوسعَ من الحقوقِ والواجباتِ المشتركةِ. وهنا تتحولُ الوطنيةُ من مجردِ رابطةٍ عاطفيةٍ إلى رابطةِ مسؤوليةٍ. فالمواطنُ لا يقولُ فقط: «هذا وطني، ولذلك أُحبُّهُ». بل يقولُ أيضًا: «هذا وطني، ولذلك أُريدُ لهُ العدلَ والخيرَ والكرامةَ، وأُريدُ هذهِ القيمَ لكلِّ إنسانٍ يعيشُ فيهِ».
المدينةُ نموذجًا لتنظيمِ المجالِ المشتركِ
وفي السيرةِ النبويةِ نجدُ نموذجًا تاريخيًّا مهمًّا لتنظيمِ الحياةِ المشتركةِ في المدينةِ المنورةِ، حيثُ جرى تنظيمُ العلاقةِ بينَ مكوناتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ متعددةٍ ضمنَ إطارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مشتركٍ وعلى بقعةٍ جغرافيةٍ محدودةٍ بينَ حَرَّتَيِ المدينةِ شرقًا وغربًا ولابَتَيْها شمالًا وجنوبًا بما يُعرَفُ حديثًا بالوطنِ أو القُطرِ، وهو ما عُرِفَ في المصادرِ بوثيقةِ المدينةِ.
والدلالةُ النفسيةُ والاجتماعيةُ المهمةُ هنا أن وجودَ جماعاتٍ متعددةٍ لا يعني بالضرورةِ غيابَ المجالِ المشتركِ؛ بل يمكنُ تنظيمُ الاختلافِ ضمنَ إطارٍ من الحقوقِ والالتزاماتِ والمسؤولياتِ المشتركةِ.
ومن ثَمَّ يمكنُ النظرُ إلى الوطنِ باعتبارِهِ إطارًا مُنظِّمًا للاختلافِ، وليس بالضرورةِ إطارًا لإلغاءِ الاختلافِ.
فالوطنُ الجامعُ لا يطلبُ من جميعِ مواطنيهِ أن يكونوا نسخةً واحدةً، وإنما يطلبُ منهُم أن يشتركوا في حمايةِ المجالِ الذي يعيشونَ فيهِ، وأن يخضعوا لقواعدَ مشتركةٍ تحفظُ الحقوقَ والكرامةَ والنظامَ العامَّ.
الصحةُ النفسيةُ والوطنُ
ومن زاويةِ الصحةِ النفسيةِ، فإن الشعورَ بالانتماءِ والأمانِ والقبولِ والقدرةِ على المشاركةِ وتحمُّلِ المسؤوليةِ يُمثِّلُ عناصرَ مهمةً في بناءِ علاقةٍ صحيةٍ بينَ الفردِ والمجتمعِ. وعندما يشعرُ الإنسانُ أنّهُ جزءٌ من مجتمعٍ يحمي كرامتَهُ ويعترفُ بإنسانيتِهِ ويُتيحُ لهُ المشاركةَ والعطاءَ، يصبحُ الانتماءُ مصدرًا للمعنى والمسؤوليةِ، لا مجردَ شعارٍ احتفاليٍّ. أما عندما تتحولُ الوطنيةُ إلى تعصبٍ، أو تتحولُ الجماعةُ إلى معيارٍ وحيدٍ للحقيقةِ، فقد يفقدُ الانتماءُ وظيفتَهُ التكامليةَ ويتحولُ إلى مصدرٍ للصراعِ والإقصاءِ.
ولهذا فإن الوطنيةَ السويةَ في منظورِ السيكولوجيةِ الفطريةِ ليست مجردَ حبٍّ للمكانِ، وإنما هي قدرةٌ على الجمعِ بينَ: الجذورِ والانفتاحِ، الهويةِ والإنسانيةِ، الانتماءِ والعدلِ، الحريةِ والمسؤوليةِ، الخصوصيةِ والمصلحةِ المشتركةِ.
المواطنُ بوصفِهِ حاملًا للقيمةِ
في النهايةِ، لا تُقاسُ قوةُ الوطنِ فقط بمساحتِهِ أو مواردِهِ أو مؤسساتِهِ، وإنما بقدرتِهِ على تحويلِ القيمِ إلى حياةٍ يوميةٍ. فالعدلُ يصبحُ قضاءً نزيهًا. والكرامةُ تصبحُ حمايةً للإنسانِ. والحريةُ تصبحُ مسؤوليةً. والعطاءُ يصبحُ مشاركةً. والانتماءُ يصبحُ التزامًا. والاختلافُ يصبحُ وسيلةً للتعارفِ والتكاملِ بدلَ أن يتحولَ إلى سببٍ للعداءِ. ومن هنا فإن المواطنَ ليس مجردَ فردٍ يسكنُ داخلَ حدودٍ جغرافيةٍ، وإنما هو فاعلٌ في بناءِ المجالِ المشتركِ.
خاتمةٌ
إن اليومَ الوطنيَّ، من منظورِ السيكولوجيةِ الفطريةِ، يمكنُ أن يكونَ مناسبةً لإعادةِ قراءةِ الانتماءِ لا بوصفِهِ تعصبًا للجماعةِ، وإنما بوصفِهِ انتقالًا تدريجيًّا من دوائرِ الانتماءِ الأوليةِ إلى دوائرَ أوسعَ من المسؤوليةِ، وصولًا إلى الإنسانيةِ المشتركةِ، مع بقاءِ المرجعيةِ العليا للقيمِ والمُقدَّسِ.
فالوطنيةُ السويةُ تقولُ: أُحبُّ وطني؛ ولذلك أُريدُ لهُ العدلَ والخيرَ والكرامةَ، ولكلِّ إنسانٍ يعيشُ فيهِ. ولا يكونُ انتمائي لجماعتي سببًا لقبولِ الظلمِ على غيرِها، لأن غريزةَ العدلِ لا تتوقفُ عندَ حدودِ الدمِ أو القرابةِ.
وهنا تتجلى المسؤوليةُ في أرقى صورِها: نحنُ مختلفونَ، لكنَّنا لا نفقدُ إنسانيتَنا المشتركةَ. نحنُ متنوعونَ، لكنَّنا نستطيعُ أن نعيشَ في وطنٍ واحدٍ. نحنُ أصحابُ جذورٍ متعددةٍ، لكنَّنا نستطيعُ أن نبنيَ مجالًا مشتركًا يحمي الجميعَ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فالتنوعُ الإنسانيُّ ليس نقيضًا للانتماءِ، والانتماءُ ليس نقيضًا للإنسانيةِ؛ وإنما التحدي النفسيُّ والحضاريُّ هو أن نضعَ كلَّ دائرةٍ من دوائرِ الانتماءِ في موضعِها الصحيحِ، بحيثُ تكونُ الأسرةُ جذرًا، والجماعةُ سندًا، والوطنُ مجالًا وبيتكًا مشتركًا يدافعُ عنه الجميعُ، والقيمُ معيارًا، والمُقدَّسُ مرجعيةً عليا للمعنى.
وعندما ينتظمُ هذا البناءُ، يصبحُ اليومُ الوطنيُّ أكثرَ من احتفالٍ بالماضي؛ يصبحُ مناسبةً لإعادةِ بناءِ الإنسانِ من الداخلِ، وتعزيزِ صحتِهِ النفسيةِ الجمعيةِ، وترسيخِ وطنٍ يشعرُ فيهِ الإنسانُ أن كرامتَهُ مصونةٌ، وأن انتماءَهُ مسؤوليةٌ، وأن اختلافَهُ لا يسلُبُهُ إنسانيتَهُ. ويصبحُ يدافعُ عن الوطنِ ومؤسساتِهِ كأنّهُ بيتُهُ الثاني بدلَ الزهدِ فيهِ أو جعلِهِ غنيمةً.
واقرأ أيضًا:
الأفكار والمشاعر والسلوك مجرد علامات حيوية وأعراض للمرض النفسي / متلازمة المرأة السلفع بين النضج النفسي وتدمير الذات
