عندما يبكي الجسد، فإن دموعه تظهر على هيئة ارتفاع في درجة الحرارة، وضغط الدم، والنبض، وانخفاض نسبة الأكسجة؛ وهي ما يُسمّى العلامات الحيوية، أو أهم المؤشرات على حياة المريض وصحته الجسدية. كما يُعدّ اضطرابها من أهم أعراض الأمراض العضوية.
بينما عندما تبكي النفس، فإنها تعبّر عن ذلك عبر الأفكار والسلوك والمشاعر السلبية. وقد اكتشف العلماء والأطباء هذه الحقيقة بعد قرون طويلة من الملاحظة والإحصاء والتجربة العلمية. ولا يمكن لطبيب ملمّ بألف باء الطب أن يعالج العرض فقط ويترك المرض ولا يبحث عنه ويعالجه.
وعلى خلاف الأمراض العضوية، فإن الأمراض النفسية لم تصل بعد إلى هذه المرحلة من التطور لاكتشاف وتشخيص المرض النفسي، كون هذا الفرع حديث العهد، لا يتجاوز عمره عدة عقود، ولا توجد حتى الآن وسائل موضوعية ومخبرية للتشخيص كالرنين المغناطيسي، وتحاليل الدم، وغيرها.
ولا يزال مجال علم النفس – بخلاف الطب النفسي – حتى هذه اللحظة لا يميّز بوضوح بين العرض والمرض في التشخيص أو العلاج، وذلك لأسباب متنوعة، أهمها أن علم النفس وليد عدة مجالات؛ فهو مزيج من الثقافة والدين والفلسفة والتجارب الشخصية واللغة. ونظرًا لأن هذه المحددات سمات تميّز كل حضارة نشأت فيها مدارس علم النفس المتنوعة، فإن الخلل والعجز يبقيان سمة تلك المدارس. وهذا يفسّر وجود عشرات المدارس في علم النفس، وكل مدرسة تنقض الأخرى.
ويُضاف إلى ذلك ما يشوب تعريب المصطلحات من خلل عند نقلها من لغة إلى أخرى. فمصطلح "المعتقدات" الذي تطلقه تلك المدارس يختلف كليًا عن مفهومه في اللغة العربية؛ إذ يُطلق "المعتقد" في العربية على الاستدلال الفطري المنطقي وفق قوانين الغائية والسببية، بينما تُطلقه تلك المدارس على تجارب الشخص الحسية الراسخة في النفس، سواء اعتقدها أم انتقدها. ويُبرَّر ذلك بالعجز المعجمي في تلك اللغات مقارنة باللغة العربية.
وغاية هذه التوطئة السريعة هي الانتقال إلى لبّ المقال: إذ إن جميع تلك المدارس، حديثها وقديمها، لا تزال تتعامل مع الأعراض النفسية كأمراض، لا كمجرد علامات حيوية لمرض نفسي أو خلل فطري عميق في الخريطة النفسية للشخص.
فالأعراض – كالأفكار والسلوك والمشاعر السلبية – تُعدّ أهم وسائل التشخيص لاكتشاف المرض النفسي والعمل على علاجه. فلا يمكن للطبيب أن يتعامل مع عرض ارتفاع الحرارة كمرض بإعطاء البنادول فقط، أو مع ارتفاع ضغط الدم بالمدرّات فقط، أو مع سرعة النبض بالإندرال، أو مع نقص الأكسجة بإعطاء الأكسجين فقط، أو مع الجفاف بشرب الماء فقط، دون علاج السبب الحقيقي للمرض.
وهذه حال بعض المعالجين النفسيين الذين يعالجون الأفكار التلقائية السلبية، أو السلوك المنحرف، أو المشاعر السلبية، بأن يطلبوا من المريض إيقاف تلك الأفكار ومقاومة تلك المشاعر، كمن يطلب من مريض مصاب بالتهاب إنتاني شديد أن يتأقلم مع الجراثيم ويأخذ البنادول للحرارة عند اللزوم دون علاج الإنتان! أو كمن يعالج عرض الصداع الناتج عن ورم دماغي بمسكّنات الصداع فقط.
وهكذا حال تلك المدارس؛ فإنهم يدخلون المريض في جلدٍ للذات، وذلك بطلب مقاومة الفكرة الوسواسية أو السلبية، أو تكرار الأفكار الإيجابية، أو الوقوف أمام المرآة وتكرار ذلك عشر مرات، أو قبل النوم لتتغير خريطته النفسية، وكأن الإنسان مجرد جهاز جوّال يمكن "فرمتته" بالضغط على زر "ضبط المصنع"! وكأننا نطلب من المريض العضوي أن يقاوم ارتفاع الحرارة وسرعة النبض وارتفاع الضغط! ما أحوجنا اليوم إلى إعادة وضع تصور جديد للنفس البشرية يخرج معالجنا ومريضنا من تلك المتاهات التي تشبه صعود طريق جبلي في أرض الصين. فتصور طبيعة النفس جزء أساسي من التشخيص والعلاج؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوّره.
وختامًا، لا شك أن البعض سيقول إنهم يلاحظون تحسن المرضى بتطبيق فنيات العلاج النفسي. والحقيقة التي لا يعلمها الكثير أن هؤلاء المعالجين يستخدمون مجرد الإطار التقني لتلك المدارس، مع تفريغها من محتواها الأصلي وتعبئته بثقافة المعالج والمريض، مما يسبب تحسن المريض بمفهوم آخر. فإن المعالج العربي أو المسلم إذا لم يستخدم لغة الدين والله في علاجه النفسي فإنه يفشل؛ حيث يعالج الوسواس الديني والمعتقدات دينيًا، وتكرار الوضوء والصلاة بالدين، والفقدان بالدين، والخوف بالتوكل على الله، والمنغصات بالثقة بالله... وهكذا.
وإن تعديل السلوك وغيره من الأعراض مفيد أحيانًا، لكنه ليس لأنه جوهر المرض، بل لأنه مجرد إشراط سلبي أصبح كندبة تثير الحلقة المفرغة للمرض النفسي. بينما في المدارس النفسية التي يستخدمها المعالجون فلا مكان للدين والله أو الفطرة فيها، وإن كان بعضها يستخدم مفهومًا روحيًا، لكنه منزوع الدسم؛ أي دون استخدام الدين بل يرمز لقوة خارقة غيبية، إذ لا تزال تلك المدارس تمارس القطيعة والعداء مع كل ما يستخدم الدين والله.
والمفارقة أن معالجينا يحاولون أسلمة تلك المدارس، بينما تستمد جذور جميع تلك المدارس من فكرة التثليث المقدسة؛ فجميعها يستخدم التثليث في العلاج، والذي أصله فكرة دينية، لكنها عُلمنت ونُزعت عنها الروح الدينية لتتقبلها الثقافات والحضارات الأخرى التي تقدّس غير ذلك. ومن أمثلة ذلك: التثليث النفسي (حدث – فكرة – سلوك)، أو (عقل عاطفي – عقل منطقي – عقل واعٍ)، أو (ذات مدركة – ذات مثالية – ذات واقعية)، وقِس على ذلك عشرات الأمثلة. فلا يمكن أن يكون ذلك محض صدفة، بل هو يقين علمي وديني لدى هؤلاء العلماء.
وما أحوجنا اليوم لاستعادة التصور الفطري للنفس البشرية، الذي يرجع كل شيء إلى أصله الأوحد وفق قانون الغائية والسببية، وقانون الدور الذي يحكم العلوم جميعها قَضّها وقضيضها، لا وفق فكرة التثليث المقدسة.
كما نحتاج للعمل على إصلاح الخلل الفطري العميق في المرض النفسي، حيث تدور جميع الأمراض النفسية العصابية حول خلل فطري عميق في قرابة خمسة أشياء فقط يعاني منها معظم المرضى والتي تظهر بشكل أفكار ومشاعر وسلوكيات سلبية، إضافة إلى العلاج الدوائي النفسي الذي يُعد رحمة إلهية في هذا العصر، لإسعاد المرضى. أما الأمراض الذهانية فإن جميع مدارس علم النفس تعجز أمامها وليس غريبا هذا الخلط بين العرض والمرض فقد بقيت الحضارة الغربية ألفين سنة تقلب العرض مرضا وتجعل المعلوم تابع للعلم وليس العكس بسبب تشبعها بالمفهوم الأرسطي المقلوب الذي اندثر ولكنه لا يزال يحكم المدارس النفسية
واقرأ أيضًا:
السيكولوجية الفطرية للعلمانية والدين / نحو ميثاق نفسي فطري أخلاقي: لعلاج الرضوض النفسية السورية
