لا يرحل الناس دائماً بصوت مرتفع، فأحيانا لا يصفِقون الأبواب بقوة، ولا يتركون وراءهم رسائل وداع دراماتيكية، ولا يُعلنون انتهاء العلاقة في مشهد سينمائي مؤثر، بعضهم يرحل على أطراف أصابعه، بهدوء قاتل، خطوة صغيرة تلو أخرى، حتى تستيقظ ذات يوم لتجدهم قد أصبحوا مجرد ذكرى، وأنت لا تعرف بالضبط متى تحولوا من حضور دافئ إلى غياب بارد، ولا تتذكر آخر مرة ضحكتم معاً من القلب، أو آخر حوار عميق جمعكم، أو آخر لحظة شعرت فيها أنهم معك بأرواحهم، لا بأجسادهم فقط!
الرحيل البطيء أقسى أنواع الفراق، لأنه يحدث أمام أعيننا دون أن نراه، كتسرب الماء من إناء مشقوق، قطرة قطرة، حتى نكتشف فجأة أنه أصبح فارغاً، فقد يبدأ الفراق بتأخر الرد على الرسائل، ثم تقصر المكالمات، فتصبح اللقاءات باردة وثقيلة، قد تتخللها ضحكات مصطنعة وأحاديث سطحية، أو صمت أطول وكلام أقل، وليس انتهاء بالعناق السريع والنظرات الهاربة، كلها علامات صغيرة نحاول تجاهلها، وقد نُفسرها بالانشغال وضغط الحياة أو أي شيء إلا الحقيقة المُرة، أن القلب بدأ رحلته النهائية... بعيداً عنا!
هؤلاء الذين يرحلون ببطء ليسوا بالضرورة قساة أو خونة، فأحياناً يكونون مجرد بشر تعبوا من المحاولة والتظاهر، من البقاء في مكان لم يعودوا يشعرون بالانتماء إليه، فيحاولون الرحيل برفق، دون إيذاء ودون مواجهة، يهربون من ذلك الحوار الصعب الذي يعرفون أنه سينتهي بالدموع والعتاب، فيختارون الانسحاب التدريجي أملاً في أن يكون أقل إيلاماً للطرفين، دون أن يدركوا أن الموت البطيء أحياناً أصعب من الموت المفاجئ!
قد نلاحظ التغيير لكننا نخدع أنفسنا، فنتمسك بالماضي والذكريات الجميلة، نتوهم أن الأمور ستعود لطبيعتها، فنُكثر من المحاولات، رسائل أطول، واتصالات أكثر، ودعوات متكررة للقاء أو هدايا مفاجئة، نحاول أي شيء لإيقاف هذا الانزلاق البطيء نحو الهاوية، لكن القلب الذي قرر الرحيل لا تُوقفه المحاولات، بل قد تُسرّع رحيله، لأنها تُشعره بثقل البقاء في مكان لم يعد يريده!
الأصعب حين يحدث هذا في العلاقات الطويلة، في الصداقات العتيقة، في الحب الذي ظننا أنه أبدي، حين يبدأ من شاركك سنوات من عمرك بالتلاشي أمامك، قريب بالمسافة بعيد بالمشاعر، تجلس معه وتشعر بالوحدة، تحدثه وتشعر أنك تخاطب جداراً سميكا، تلمسه وتشعر بالبرد، وأنت تعرف في قرارة نفسك أن شيئاً ما قد انكسر ولا يمكن إصلاحه، لكنك تخاف من الاعتراف بذلك، تخاف من إعلان الموت الذي حدث بالفعل!
الحقيقة أن بعض العلاقات تموت موتاً طبيعياً، تنتهي صلاحيتها دون خيانة أو خطأ فادح، تنتهي لمجرد أن الناس يتغيرون، والمسارات قد تتباعد، فتختلف الاهتمامات وتفترق الأحلام، وما كان يجمع بالأمس يُفرّق اليوم، لكننا نرفض قبول هذه الحقيقة، فنريد للعلاقات أن تبقى كما بدأت، وننسى أن الثبات وهم، وأن التغيّر هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في الحياة.
قد نحتاج أحيانا أن نتعلم قراءة علامات الرحيل المبكرة، لا لنوقفها بالضرورة، بل لنفهمها، ونعطي من يريد الرحيل حريته دون أن نُحمّله عبء البقاء من أجلنا، وأن نتعلم أن الحب الحقيقي قد يعني أن نترك من نحب يذهب إذا كان البقاء يؤذيه، وأن الصداقة الناضجة تعرف متى تنتهي بسلام، وأن التمسك بعلاقة ميتة أقسى على الطرفين من الاعتراف بموتها، وبقدر ما يكون الرحيل البطيء مؤلما، إلا أنه قد يكون أحيانا محاولة أخيرة لحفظ ما تبقى من جميل في الذكرى، لتجنب القطيعة الحادة التي تُشوّه كل شيء!
الغياب يا أصدقائي لا يحدث فجأة، بل يتشكّل يوماً بعد يوم، كلمة بعد كلمة، صمتاً بعد صمت، حتى يكتمل، وحين يكتمل، يكون الوداع الرسمي مجرد اعتراف بما حدث منذ زمن...
لأن القلوب التي تريد البقاء لا تحتاج لأسباب، والتي تريد الرحيل... لا تنقصها الأعذار!
٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥
واقرأ أيضًا:
الحنين.... إلى الغموض! / الذين يكرهون أنفسهم!
