متلازمة الكرسي اضطراب نفسي وفكري وسلوكي خطير, يؤدي إلى تدهور الحالة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ويدفع بها إلى الحضيض.
وهي جوهر التفاعلات السلبية المتأججة في البلاد, وقد أدرك الإنكليز هذا الاضطراب السلوكي وخبروه فوضعوا العلاج الناجع له, بأن جلبوا ملكا من خارج البلاد وتوّجوه عليها, وتركوا المواطنين يتصارعون على كراسي رئاسة الوزراء والوزراء وغيرها.
وكان ذلك هو العلاج الأصوب لهذا الاضطراب الذي أعجزَ الحكماء والمفكرين والأطباء, فهو حالة وهم مرضي لا تقبل التفاهم والتفاعل, عنوانها طريقي أو لا طريق, ونوع من الاقتراب الفصامي من الحياة, حيث يكون صاحب الكرسي في حالة اضطراب انفعالي وفكري متطرف ومنحرف, فيتمتع بالشك الشديد والاعتقادات الثابتة الغير قابلة للنقاش أو التحوير, وتتفجر في أعماقه العدوانية الشرسة والأنانية المروعة الفتاكة, وتنطلق رغبات أمّارة السوء التي فيه لدرجةٍ لا يمكن تصديقها أو تصورها.
وتتواصل الأوهام في امتلاكه حتى يصاب بذهان العظمة, وتكون أناه مضطربة ومتضخمة فيبدو نرجسيا خطيرا, ومتوهما بأنه سيد الأكوان وخالق كل مخلوق ولا خالق سواه, أي يكون في قرارة لا وعيه إلهاً يجب أن تنحني أمامه الموجودات.
نعم يتحول الجالس على كرسي الحكم إلى هذه الحالة المرضية المنحرفة, التي تستدعي دخول المصحات العقلية والنفسية, وأخذ الأدوية اللازمة لإعادته إلى واقع الحياة وطبائع الأمور, ولكي يشعر بأنه آدمي ومن الخلق العميم المخلوق من الطين.
إنها ظاهرة مؤلمة ومضرة بالذات والموضوع ومدمرة للقيم والأخلاق, لكن المجتمع ربما يمتلك طاقات ونوازع لاواعية تغذيها, وكأنه يريد عقاب نفسه مما يدفع إلى القول بأن المجتمع يصنع الطغاة ولم يصنع الطغاة أنفسهم.
أي أن الطغيان ظاهرة وسلوك اجتماعي مطلوب لأسباب نفسية خفية وفاعلة في الأعماق المستترة, وهذا الرأي يعززه ما آلت إليه الأمور في العقود الماضية, حيث تم تسويغ ما هو مدمر ومؤثر سلبا في حياة الناس والبلد.
فالجالس على الكرسي يجتذب الآخرين المؤازرين لما يقوم به من الفعل المشين فيهللون ويصفقون له, ولا يمكن لواحد أن يعترض أو يقول رأيا مخالفا لقوله, لأن الذي يفعل ذلك سيجد الكثيرين من أتباع الكرسي القادرين على الفتك به باسم رب الكرسي.
فالكرسي يؤدي إلى تنمية الاضطراب الجماعي, وتحقيق السلوك الانفعالي العاطفي الهستيري الذي يؤله صاحب الكرسي, ويزيد من شراسة ووحشية أتباعه ومريديه, الأباليس المنافقين والدجاليين والمرائين والمضللين والكذابين والمتوحشين الذين يأكلون لحم الآخرين, ويسكرون بدمائهم ودموعهم ويرقصون على آهاتهم ومعاناتهم وأنينهم, ويتلذذون بتعذيبهم وقتلهم باسم الكرسي, لأن الجالس عليه صار لهم ربا وقوله كتابا ودينا, فهو وليهم والحاكم بأمر وجودهم وقوتهم وقيمتهم ودمارهم والآخرين من حولهم.
هذه الديناميكية المنحرفة المضطربة تتكرر في الواقع السياسي, ووفقا لها يدور المجتمع في دائرة الخراب المفرغة, حيث يمحق اللاحق ما شيده السابق وهكذا دواليك.
فترى الأبنية تتحطم والنصب تتهدم والبشر التابع للكرسي السابق يدفن في التراب أو الزنزانات ويعذّب شر العذاب, وتتكرر الدورات والمآسي والويلات ولا مَن يرى وينظر ويرعوي, بل الكل ينسج بذات المنوال وناعور الكراسي يدور, فيغرف دماءً ويسكب دماءً ليسقي الكراهية والحقد والبغضاء وأشواك الانتقام والدمار.
ويبدو أن المَخرج الأكثر عملية وواقعية وقبولا, أن يتم إدخال قادة الأحزاب والتجمعات السياسية في برامج تدريبية وتثقيفية, وتأهيلهم نفسيا وفكريا ومهنيا وتقديم العلاجات اللازمة لاضطرابات سلوكهم, وأن يُجرى تقييم نفسي لشخصياتهم والتفاعل معها وفقا لما فيها من العاهات المرتبطة بالكرسي.
والعلاج الذهني هو الأكثر قدرة على تطويع سلوكهم, ليكون حضاريا ومعاصرا ومفيدا للوطن والمجتمع, بدلا من الدوامة الانحرافية, التي تجعل المتأمل الواعي يرى وكأنه يعايين مرضى في مصحات عقلية, فما يراه إضطراب تفكير وأوهام وشكوك وتصورات مريضة منحرفة ذات تأثيرات خطيرة على الحياة.
وكأن الجالس على الكرسي يحتاج إلى مَن يرعاه ليمنع تصرفاته المخلة بقيمة وشرف وعز الوطن, ويضربه على يديه كلما انفلتت رغباته وتعاظم طيشه وأمعن في الغباء والخنوع للذة الامتهان, والتعبير عن حاجته للتمتع بالآلام التي يسببها لنفسه وللآخرين الأبرياء, الحائرين في أرض الله الواسعة والتي تضيق عليهم يوما بعد يوم.
وما يحصل لا يمكنه الخروج من دائرة الاضطراب المرضي الكرسوي المزمن في بلادٍ عجزت عن صناعة عقلٍ وطني سياسي بحجمها, فمعظم الساسة أصغر من أي كرسي ينتحرون فيه!!!
4\11\2024
د-صادق السامرائي
واقرأ أيضا:
الحروب كروب!! / برميل السرطان!!
