من مشاكلنا السلوكية المزمنة، أننا كأفراد وجماعات وأحزاب وغيرها، عندما نتفاعل، لا نتخاطب مع بعضنا وإنما نتكلم عن بعضنا. وهناك اختلاف سلوكي نفسي وفكري ما بين أن نتكلم عن بعضنا وبين أن نتكلم مع بعضنا.
ففي الحالة الأولى نطلق لسان عواطفنا وانفعالاتنا، ونستخدم آلية الإسقاط بعنف وقسوة وإمعان لتحقيق المشاعر السلبية والتعبير عن إرادتها المؤذية، مما يؤدي إلى التخاصم والتشاجر والعدوان والبغضاء، حيث ستنطلق آليات الإنكار والدفاع والتعميم والتبرير والعناد وغيرها من الآليات، التي تنتهي بنا إلى حالة الشك المروّع والخوف الشديد من بعضنا، فيضيع الأمان وتفقد الحياة معانيها ومعاييرها اللازمة للبقاء والتفاعل الإنساني الخلاق.
أما عندما نتكلم مع بعضنا، فإننا نعالج موضوعات مشتركة لها علاقة بمصالحنا ومستقبلنا، ويكون الكلام معبّرا عن هدف واضح وصريح، يتطلب منا إعمال العقل والنفس والروح من أجل الوصول إلى أجوبة مفيدة للأسئلة التي يطرحها، وفي آليات التفاعل القائمة عندما نتكلم مع بعضنا، يكون النضج والتفكير السليم متفوقا، فترانا نتسامى ونتحقق ونبتكر ونطلق قدراتنا الإيجابية الضرورية لبناء مجتمع معاصر سعيد.
وفي المجتمعات المتحضرة، تتكلم الناس مع بعضها لا عن بعضها، لأنها قد تجاوزت هذه العلة السلوكية، فالحديث بصيغة "عن" تكون مرحلة أولية للاستعداد للعدوان. فالأعداء يتكلمون عن بعضهم، ولا يريدون الكلام مع بعضهم، لأنهم يسعون إلى الحرب لا إلى السلام.
وعندما يُراد الهجوم على أي بلد، تقطع جميع السبل المؤدية إلى الحديث معه، ويصبح الحديث عنه ساخنا ومشحونا بالعواطف والانفعالات، مما يؤهّل الرأي العام ويجعله ينخدع ويتواطأ مع قرار الهجوم وما يعقبه من تفاعلات سلبية وتداعيات قاسية. وهذا ينطبق على أي صراع قائم في الأرض، فالمتصارعون يتحدثون عن بعضهم ولا يتكلمون مع بعضهم.
ومن آلياته التأكيد على الطائفية والفئوية وكل طائفة تتحدث عن الأخرى ولا تتحدث معها، مما أدى إلى تداعيات معروفة ومريرة.
وهكذا فإن الكلام بصيغة "عن" أسلوب عدواني وتفاعل سلبي يؤدي إلى الخسران في المجتمع، أما الكلام بصيغة "مع" فإنه الطريق الأصوب والحالة الأنضج والأنفع لأي مجتمع.
فالطوائف والأحزاب والفئات يجب أن تتكلم مع بعضها البعض لكي تصل إلى صياغة البناء الاجتماعي الوطني، الذي يؤهلها لكي تكون بحجم وطنها.
وعندما نريد وطنا أقوى، وأكثر تأثيرا وعطاءً، فأن علينا أن نتكلم مع بعضنا ونمتنع عن الكلام عن بعضنا، وبهذا نكون أقوى وأحسن.
إن الأخوة والأخوات الذين يتكلمون عن بعضهم البعض، عليهم أن يدركوا هذا الأسلوب السلبي في التفاعل والتخاطب البشري، وأن يترفعوا عن ضيق الأفق ونفقية الرؤية، فالكلام بصيغة عن نوع من الغيبة والنميمة والظن بالسوء والبغضاء، التي تدمر المجتمع وتقضي على قدرات الخير والفضيلة فيه. ووفقا للمعايير الاجتماعية والدينية فأن هذا السلوك غير مقبول لضرره العام وزعزعته لأركان المجتمع.
وخلاصة القول أن أبناء أي مجتمع لكي يساهموا في تقوية مجتمعهم وقدراتهم الوطنية والحضارية، لا بد لهم أن يتكلموا مع بعضهم لا عن بعضهم، وبهذا يكونون أكثر قربا وتفهما لكل منهم، فعندما نتكلم مع بعضنا نبني ثقة واستقرارا وقدرة على التواصل الأفضل.
فلنترجم بأفعالنا إرادة "مع" ونتنكر لنوازع "عن"، وبهذا نكون ونتكوّن ونتلاحم كالبنيان المرصوص!!
د-صادق السامرائي
15\2\2016
واقرأ أيضا:
نغيِّر أم نتغير؟!! / الذاكرة الكسيحة!!
