«أنا آسف»، كلمتان بسيطتان يُفترض أن تكونا جسراً للمصالحة، لكنهما أحياناً تتحولان إلى حجر يُلقى في بركة هادئة، فيُعكّر صفوها بدل أن يُصلح ما أفسده الزمن، فليس كل اعتذار يشفي، وليس كل «آسف» تستحق القبول، وهنالك اعتذارات تُثير الغضب أكثر مما تُطفئه، وتفتح الجراح بدل أن تُضمّدها، وتجعلك تتساءل، هل جاء ليعتذر فعلاً... أم ليُريح ضميره على حسابي؟
أسوأ أنواع الاعتذار ذلك الذي يأتي خالياً من الندم الحقيقي، كأن يقول صاحبه «أنا آسف إن كنتَ شعرت بالإهانة»، لاحظ معي كيف حوّل المشكلة من فعله إلى شعورك، وكأن الخطأ ليس فيما فعل بل في طريقة استقبالك، هذا ليس اعتذاراً يا سادة، بل هو اتهام مُغلّف بورق المجاملة، يُحمّلك صاحبه مسؤولية الألم الذي سبّبه هو، ويجعلك تشكّ في مشاعرك بدل أن يعترف هو بخطئه!
وهنالك الاعتذار المتكرر، ذلك الذي يأتي بعد كل إساءة كأنه طقس يومي لا بد منه، فيُخطئ ثم يعتذر، ثم يُخطئ ويعتذر، في دورة لا نهاية لها، حتى تفقد الكلمة معناها وتصبح مجرد صوت فارغ، فكلمة «آسف» التي تتكرر دون تغيير في السلوك ليست اعتذاراً، بل إذناً مُسبقاً لارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى، وكأنه يقول لك: سأؤذيك ثم أقول آسف، وعليك أن تقبل لأنني «اعترفت»!
ثم هنالك ذلك الاعتذار الذي يضغط عليك لتغفر فوراً، فيأتيك مُثقلاً بتوقعات القبول، وكأن مجرد نطقه بكلمة «آسف» يُلزمك بإغلاق الملف في اللحظة نفسها، وإن تأخرت في المسامحة صرتَ أنت الظالم، وهو المظلوم الذي «حاول» لكنك رفضت، هذا الاعتذار يسلبك حقك في التعافي وأن تهضم ما حدث، وحقك في أن تغفر حين تكون مستعداً لا حين يُناسب الآخرين!
لقد جُبلنا على أن نُقدّس شكل الاعتذار ونتجاهل جوهره، نُعلّم أطفالنا أن ينطقوا كلمة «آسف» لكننا لا نُعلّمهم أن يفهموا لماذا وعماذا يعتذرون، فنُربّيهم على الكلمة لا على المعنى، ليكبروا فيصبحوا بارعين في النطق، فقراء في الشعور، يُتقنون طقوس المصالحة دون أن يفهموا فلسفتها!
الاعتذار الحقيقي لا يأتي ليُريح صاحبه، بل ليُخفف عمن أُخطئ في حقه، وهنالك فرق شاسع بين الاعتذارين، فالأول يبحث عن إبراء ذمة المخطئ وإنهاء الحوار بأن يقول «لقد اعتذرت وانتهى الأمر» وكأنه يُطالب بحقوق له كمعتذر، والثاني يبحث عن إصلاح ما تم افساده، فيحاول صاحبه فهم ألمك ويعدك بصدق بتجنب تكرار ما تسبب به ويفتح لك بذلك باباً للشفاء ويمنحك حقك في التعافي بسرعتك الخاصة.
قد يكون صعباً أن ترفض اعتذاراً وأنت تعلم أنك ستبدو قاسياً في عيون الآخرين، لكن القسوة الحقيقية ليست في رفض اعتذار فارغ، بل في إجبار نفسك على قبوله لمجرد أنه قِيل، فبعض الجراح تحتاج أكثر من كلمتين لتلتئم، وبعض الثقة المكسورة لا يُرمّمها إلا الوقت والأفعال، لا الخطابات والوعود.
المدهش أن الصمت أحياناً يكون أصدق من ألف اعتذار، فحين يُغيّر الإنسان سلوكه دون أن ينتظر منك شهادة حُسن سير وسلوك، وحين تُلاحظ أنه توقف عن الإيذاء دون أن يُطالبك بالامتنان، وحين يمنحك المسافة التي تحتاجها دون أن يشعرك بالذنب، هذا النوع من الندم الصامت يقول ما تعجز عنه الكلمات، ويُثبت أن الاعتذار الحقيقي فعلٌ قبل أن يكون قولاً.
الاعتذار الذي يستحق اسمه يا أصدقائي هو ذلك الذي يأتي متواضعاً، فلا ينتظر مكافأة ولا يفرض شروطاً، ويعترف بالخطأ كاملاً دون تبرير، ويمنح المجروح حريته في القبول أو الرفض، ويُثبت صدقه بالتغيير لا بالتكرار، أما ما دون ذلك، فهو مجرد ضجيج... يُعيد فتح جراحك ثم... يُطالبك بشكره على ذلك!
5 فبراير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
خطط السنة الجديدة...... لماذا تفشل كل مرة؟ / براءة الأسئلة.... القاتلة!
