«لا تتدخل فيما لا يعنيك»!..
صارت هذه الجملة شعار العصر، نرددها بإتقان ونطبقها بحرفية مخيفة، حتى تحولت حياتنا إلى جزر منعزلة، كل منا محصن خلف جدران اللامبالاة، نمر بجانب المواقف التي تستدعي التدخل فنسرّع الخطوات، ونشهد الظلم فندير الوجه، ثم نعود لبيوتنا نشكو برود العالم وقسوة الناس!
الشهامة اليوم تحتاج جرعة مضاعفة من الشجاعة، ليس فقط شجاعة الفعل ذاته، بل شجاعة مواجهة التأويلات السيئة، فالذي يتدخل لحل مشكلة يُتهم بحب الظهور، والذي يدافع عن الحق يُتهم بالبحث عن المشاكل، والذي يساعد دون مقابل يُتهم بالغباء أو بوجود أجندة خفية، حتى صار الخير نفسه مشبوهاً في زمن الشك المطلق!
نعم، نحن نعيش تناقضاً صارخاً يا سادة، نشتكي من اختفاء القيم النبيلة، لكننا نسخر ممن يحملها، ونتحسر على زمن الفضيلة، لكننا نعاقب الفضلاء بالعزلة والتهميش، ونحلم بمجتمع متراحم، لكننا نمارس قسوة منهجية على كل من يُظهر رحمة، وكأننا نريد النتيجة دون أن ندفع الثمن، نريد مجتمع الشهامة دون أن يتحمل أحدنا تكلفة أن يكون... شهماً!
المحزن أن كثيرين بدأوا يتراجعون عن فطرتهم السليمة، فيكبتون دافعهم الطبيعي للمساعدة خوفاً من سوء الفهم، ويتجاهلون صوت الضمير الذي يدعوهم للتدخل، ويبررون صمتهم بحجج منطقية: «ليست مسؤوليتي»، «لن أغير شيئاً»، «سيحلونها بدوني»، وغيرها، تبريرات نرددها لنهدئ ضمائرنا المضطربة.
الشهامة الحقيقية لا تحتاج ظروفاً مثلى لتظهر، بل تخلق ظروفها الخاصة، وتشق طريقها وسط الأنانية السائدة كنبتة تشق الأسفلت، قد تبدو ضعيفة وحيدة، لكنها تحمل في داخلها قوة البقاء، قوة الفطرة التي تأبى الاستسلام للتشويه المجتمعي.
المفارقة أن الأشخاص أنفسهم الذين ينصحونك بعدم التدخل في شؤون الآخرين، هم أول من يلومونك إن لم تتدخل حين يحتاجونك هم، والذين يسخرون من «السذج» الذين يساعدون بلا مقابل، هم أول من يبحث عن هؤلاء «السذج» في لحظات الضعف، نفاق جماعي نمارسه بإتقان، فنحن في واقعنا العملي نريد مجتمعاً بلا شهامة إلا حين نحتاجها نحن شخصياً!
وحتى لا أتهم بتسويق الاندفاع المغلف بالنوايا الحسنة، فما نتحدث عنه ليس المواقف المتهورة بل الشهامة الواعية، تلك التي تفهم تعقيدات العصر دون أن تستسلم لبروده، شهامة تعرف حدودها لكنها لا تتخلى عن جوهرها، وتختار معاركها بعناية بدل أن تهرب من كل المعارك، وتحترم خصوصية الآخرين لكنها لا تتجاهل صرخات الاستغاثة الحقيقية.
الشهامة في جوهرها ليست مجرد أفعال متفرقة، بل فلسفة حياة، موقف أخلاقي من الوجود، وإصرار على البقاء إنساناً في عالم يدفعك بقوة نحو الأنانية، هي اختيار يومي واعٍ بأن تحافظ على نبلك حتى لو كان الثمن أن تبدو «قديماً» في عيون المعاصرين.
الحقيقة أن العالم يحتاج الشهامة أكثر من أي وقت مضى، يحتاج من يذكّره أن هناك قيماً تتجاوز المنفعة المباشرة، وأن هناك أفعالاً جميلة لا تحتاج مبرراً اقتصادياً، وأن الإنسان قادر على التسامي فوق حساباته الضيقة، حتى لو بدا هذا «غير عملي» في نظر البعض.
في النهاية، الشهامة لن تموت ما دامت هناك قلة تؤمن بها وتمارسها رغم كل شيء، قلة تفهم أن بعض الأشياء تستحق أن نحافظ عليها حتى لو بدت «في غير وقتها»، لأن الوقت نفسه قد يكون هو الذي ضل طريقه، لا القيم النبيلة التي نحملها!
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٥
واقرأ أيضًا:
جراحنا النفسية بين التعافي.... والشفاء! / صورتي الجديدة!
