«لقد شُفيتُ تماماً!»
كم مرة سمعنا هذه العبارة ممّن عانوا من جرح نفسي عميق، يقولونها بثقة، ويكررونها كمن يحاول إقناع نفسه بها قبل الآخرين، لكن كلمة عابرة، أغنية قديمة، رائحة مألوفة، أو مشهد يذكرهم بالماضي، قد يكفي لينهار ادّعاؤهم بالشفاء التام، ويظهر الجرح الذي ظنوه اندمل، حياً ينبض بالألم، وكأن السنوات التي مرت لم تكن سوى مسكّن مؤقت!
في هذه القصة، التي لابد وأن بعضنا قد عاش مثلها، أو كان شاهداً عليها، تكمن المفارقة العميقة بين الشفاء والتعافي، بين الوهم الجميل والحقيقة المُرة، بين ما نتمناه وما نعيشه فعلاً، واللغة العربية في حكمتها تكشف لنا هذا السر الدفين، فكلمة «تعافي» على وزن «تفاعل»، مثل «تمارض» و«تجاهل»، وكأن اللغة تهمس لنا أن في التعافي شيئاً من المحاولة المستمرة، من الجهد المبذول، من السعي الدائم للاقتراب من العافية... دون الوصول الكامل إليها!
الشفاء هو وصف لحالة نهائية، قاطعة، حاسمة، كالالتهاب الذي قد يختفي بعد علاجه بالمضادات الحيوية، دون أن يترك أي علامة سابقة على وجوده، أما التعافي فرحلة لا تنتهي، هي قصة صعود وهبوط، واقتراب وابتعاد، وقوة في يوم، وضعف في آخر، إنه الصراع اليومي مع جراح لا تريد أن تموت، لكننا نتعلم كيف نعيش معها، كيف نروّضها، وكيف نمنعها من السيطرة على حياتنا!
نحن نُشفى أحيانا من الأمراض الجسدية، فالجرح يلتئم، والعظم ينجبر، وتنكسر الحمّى ولا تعود، لكن الجراح النفسية قصة أخرى تماماً، ففقدان عزيز، وخيانة حبيب، وصدمات الطفولة، مروراً بإهانة عميقة أو فشل مدوٍّ، هذه الجراح قد لا تُشفى أبداً بالمعنى الكامل للكلمة، فتبقى هناك، كامنة في أعماقنا، تنتظر الفرصة المناسبة لتذكرنا بوجودها!
أعرف رجلاً فقد ابنه الوحيد في حادث مأساوي، عشر سنوات مرت على تلك الصدمة الأليمة، والرجل يقول إنه تعافى، يضحك، يعمل، يسافر، ويمارس حياة طبيعية، لكن في عيد ميلاد ابنه، وفي ذكرى الحادث، وعندما يرى طفلاً في عمره، شيء ما في داخله ينكسر من جديد، فالجرح لم يُشفَ، لكنه قد يكون تعافى بما يكفي ليعيش، ليجد معنى ليواصل الحياة رغم الألم المبرح!
هذا ليس ضعفاً أو فشلاً كما قد يظن البعض، بل ربما هو أصدق أشكال القوة الإنسانية، فلا بأس بالاعتراف بأن بعض الآلام أكبر من أن تُمحى وأعمق من أن تُنسى، لكنها ليست أكبر من قدرتنا على التعايش معها، وأن نحمل جراحنا بكرامة، ونحاول التعافي منها دون ادعاء الشفاء الكامل، ونعطيها حقها من الحزن دون أن نسمح لها بشلّ حياتنا.
المجتمع يضغط علينا لندّعي الشفاء التام، «تجاوزت الأمر»، «نسيت الماضي»، «صفحة طُويت»، وكأن الاعتراف بأن الجرح ما زال موجوداً يعني أننا ضعفاء، فنكذب على أنفسنا والآخرين، وندّعي شفاءً لم يحدث، ونتظاهر بقوة لا نملكها، بينما الأشجع والأصدق أن نقول: «أنا أتعافى»، فالتعافي هو عملية مستمرة، لعلها ليست مثالية، لكنها حقيقية!
التعافي يعني أن الألم لم يعد يتحكم في «كل» قراراتنا، لكنه قد يزورنا أحياناً كضيف ثقيل، وأننا نستطيع أن نحب مجدداً رغم جرح الفقد أو الخذلان، وأننا نستطيع أن نبتسم ابتسامة حقيقية، لكن الدموع قد تباغتنا في لحظة لم نتوقعها!
التعافي أيضاً يعلمنا دروساً قد لا يعلمها الشفاء الكامل، فهو يعلمنا التعاطف الحقيقي مع آلام الآخرين، فمن تعافى من جرح يفهم معنى الألم، ويعرف أن «تجاوز الأمر» ليس بالبساطة، التي يتصورها البعض، ويدرك أن لكل إنسان معركته الخاصة مع جراحه، وأن الشفاء التام قد يكون وهماً نطارده، بينما التعافي المستمر هو إنجاز حقيقي يستحق الاحتفاء.
لابد من التصالح يا أصدقاء مع فكرة أن بعض الجراح سيبقى أثرها معنا إلى الأبد، ستبقى ندوباً نفسية تذكرنا بمعاركنا وآلامنا، لا كعار نخجل منه، بل كوسام شرف على قدرتنا على البقاء رغم كل شيء، ومن الرحمة بأنفسنا أن ندرك أن التعافي ليس «تصنّعاً» للعافية كما قد توحي اللغة، بل هو اختيار واعٍ وشجاع للحياة رغم الألم، والأمل رغم الخيبة، والحب رغم الخوف!
نعم، قد لا نُشفى من كل جراحنا، وهذا ليس عيباً أو نقصاً، بل هو جزء من إنسانيتنا، لكننا قادرون على التعافي من معظمها، وقادرون على بناء حياة ذات معنى ليس رغماً عن الندوب، بل معها وحولها وأحيانا بسببها، وفي هذا التعافي المستمر، في هذا «التفاعل» اليومي مع الألم والأمل، مع الضعف والقوة... تكمن حقيقتنا الصادقة!
واقرأ أيضًا:
فن التظاهر.. بالغباء! / التفاؤل... المزعج!
