النظرة الأولى للصورة المرفقة مع مقالاتي تكشف الحقيقة المحرجة: ذلك الشخص في الصورة لم يعد موجوداً!
ملامح تنتمي لزمن مضى، شعر أكثف، وجه أقل تجعيداً، وابتسامة لم تعرف بعد ثقل السنوات، لو بحثت عن صاحب تلك الصورة في المرآة اليوم، فلن أجده، سأجد نسخة محدّثة، لعلها تكون أكثر حكمة، وربما أكثر تعباً، لكنها بالتأكيد أكثر صدقاً مع الزمن!
نتمسك بصورنا القديمة كأنها هوياتنا الحقيقية، نرفض تحديثها كأن في ذلك اعترافاً بالهزيمة أمام الزمن، لكن الحقيقة أن الإصرار على صورة لا تشبهنا هو الهزيمة الحقيقية، فنحن نكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، فنقدم وجهاً انقضى زمانه، ونتوقع أن يصدقنا الناس!
التقدم في العمر ليس جريمة نخفيها، بل رحلة نوثقها، فكل تجعيدة تحكي قصة، وكل شعرة بيضاء تشهد على تجربة، والوجه الذي نكتسبه مع السنوات هو الوجه الذي صنعناه بضحكاتنا وأحزاننا، بقلقنا وطمأنينتنا، فلماذا نخجل من عملنا الفني الخاص؟!
لست ضد التدخلات الجمالية البسيطة، حقنة «بوتوكس» هنا أو هناك، و «كريم» يخفف من حدة الزمن، أو صبغة تغطي بعض الشيب، كلها محاولات مشروعة للتصالح مع المرآة، لكن المشكلة حين تتحول هذه المحاولات إلى حرب شاملة ضد الطبيعة، فحين نريد أن نوقف الزمن أو نعيده للوراء، نصبح عندها نسخاً مشوهة من أنفسنا!
الجمال الحقيقي يكمن في القبول الذكي، أن نعتني بأنفسنا دون أن نحاربها، وأن نحسّن دون أن نزيّف، وأن نقبل التغيير كصديق لا كعدو، فالوجه المتصالح مع عمره أجمل ألف مرة من وجه يحارب طبيعته بشراسة!
أتأمل أحياناً هوسنا بالشباب الدائم وأتساءل: ماذا نخسر حين نكبر؟ نخسر بعض النضارة، نعم، لكننا نكسب العمق، نفقد بعض الطاقة الجسدية، لكننا نكتسب الحكمة العاطفية، نتخلى عن أوهام الشباب، لكننا نحصل على يقين النضج، أليست هذه صفقة عادلة؟
المضحك أن محاولاتنا اليائسة للبقاء شباباً تفضحنا أكثر مما يفضحنا التقدم الطبيعي في العمر، الوجه المشدود أكثر من اللازم يصرخ بخوفنا، والشعر المصبوغ بلون غير طبيعي يفضح إنكارنا، بينما الوجه الذي يحمل سنواته بكرامة يشع ثقة هادئة!
نحن نحتاج لإعادة تعريف الجمال، ليس كصورة ثابتة نحاول الاحتفاظ بها، بل كحالة متطورة نرافقها بذكاء، فالجمال في الأربعين غير الجمال في العشرين، وجمال الستين له نكهته الخاصة، وكل مرحلة لها سحرها إن عرفنا كيف نعيشها!
الصورة الجديدة التي سأرسلها للصحيفة ستكون صادقة، تُظهر من أنا اليوم، لا من كنت بالأمس، قد تكشف بعض آثار السنوات، لكنها ستحمل أيضاً ابتسامة من عاش وتعلم وما زال يحاول، وهذا في رأيي أجمل من كل محاولات إيقاف الزمن، فالحياة ليست معركة ضد التقدم في العمر، بل رقصة معه، والأذكياء يتعلمون خطوات هذه الرقصة بدلاً من محاولة إيقاف الموسيقى!
فلنحدّث صورنا، ولنحدّث نظرتنا لأنفسنا، ولنتذكر أن أجمل وجه هو الذي يحكي قصته بصدق، ويروي حكاية التجاعيد... وأشياء أخرى!
٢٧ أكتوبر ٢٠٢٥
نقلا عن جريدة القبس الكويتية
واقرأ أيضًا:
التفاؤل.... المزعج! / جراحنا النفسية بين التعافي.... والشفاء!
