لا أجيد كتابة مقالات الرثاء، بل أتحاشاها عادةً لأنني أراها تقليدية ومكررة، لكنني اليوم سأكسر قاعدتي هذه، لأن الحياة علمتني أن بعض الراحلين يستحقون فعلاً أن تكسر لأجلهم... كل القواعد!
في هذه الحياة أشخاص لا تربطك بهم صلة دم مباشرة، لكنهم يسكنون في منطقة من الروح لا يصلها إلا القليلون، أشخاص لم تخترهم الجينات بل اختارهم القلب بمحض إرادته، ولم تفرضهم شجرة العائلة بل فرضتهم لحظات صادقة تكتشف فيها أن بعض البشر يمر في حياتك لتتعلم منهم أن تكون إنساناً حقيقياً، وحين يرحل هؤلاء فإنهم يتركون فراغاً موجعاً لا تملؤه الذكريات مهما كثرت، ولا تعوضه الكلمات مهما وصلت من البلاغة، لأن قيمتهم ببساطة هي أكبر من مخزون الثناء الذي نملكه!
أحد هؤلاء كان العم عبدالرضا الحرز، زوج عمتي، الذي رحل عن دنيانا منذ أيام قليلة بعد صراع قصير مع المرض، ورغم أن غيابه كان متوقعاً وغير صاخب ولكنه جاء ثقيلاً على القلب، واحتجت بعده لشيء من الوقت لأستوعب أن إنساناً اعتدت حضوره لم يعد هنا، وأن الغياب هذه المرة لن يكن مجرد فكرة عابرة، بل واقعاً يتسلّل بهدوء إلى تفاصيل الشعور!
مع اللحظات الأولى للفقد، لا تعود صورة الإنسان كاملة، وتبدأ الذاكرة بمراوغتنا بما تختار من تفاصيل، وهكذا كان حالي مع ذكرى بوناصر، فاسترجعت هدوءه الذي لا يشبه الهدوء الذي نعرفه، ومررت بحضوره الذي يُشعرك بالطمأنينة رغم إحساسك بأن هنالك دائما ما يشغل باله وأنه لا يقول كل ما يعرفه، وتوقفت عند عادته المألوفة في أن يركز على حلول المشاكل لا أسبابها، ورحت أتأمل في إصراره على إنجاز ما يستطيع ثم انسحابه بصمت تاركاً خلفه أثراً... لا ضجيجاً!
ومع تتابع هذه الذكريات، يتسلل للوعي إحساس واحد دون استئذان فيسيطر عليه، إحساس بأن بوناصر لم يكن رجل أقوال بل رجل أفعال، وأن العطاء عنده لم يكن قصة تُروى، بل سلوكاً يومياً يُمارس كفرض إلزامي، ويبدو أن الذاكرة وهي تستحضره، قد اختارت أن تحتفظ بما كان أصدق ما فيه، الخير الذي يُفعل دون أن يطلب من أحد أن يلتفت إليه!
تعامل بوناصر مع العطاء بوصفه أحد مهامه اليومية، ففعل الخير من دون إعلان ولا رغبة في أن يُرى أو يُذكر، فكان أباً حاضراً لأيتام لا يعرفون اسمه، وسنداً ثابتاً لمحتاجين لم تجمعه بهم معرفة ولا لقاء، وداعماً لبناء مدارس في قرى بعيدة لا تذكرها الأخبار، ومساهماً في إنشاء مراكز صحية في أماكن لا تصلها الأضواء، وحريصا على أن يصل الطعام والكساء إلى بيوت لا يعرف عناوينها إلا الله وقلة من المخلصين، كل ذلك كان يتم بصمت، بعيداً عن التصفيق، كأن الخير عنده لا يُفعل لأسباب تحتاج شرحاً، بل ليبقى أثره حيث يجب أن يكون!
هذا النوع من العطاء الصامت لم يكن غريباً عليّ، فقد عرفتُه من قبل في وجوه قليلة تركت أثرها في ذاكرتي، وجعلتني أؤمن أن بعض الناس يشبهون بعضهم لا في الأسماء ولا في الظروف، بل في الطريقة التي يمرّون بها في حياة الآخرين، وهنا أستذكر الدكتور عبدالرحمن السميط، ذلك الرجل الذي صار أيقونة للعطاء والزهد في زمننا، إذ كنت أتابع أخباره وأقرأ عنه وأحلم بلقائه، لكن القدر لم يمنحني تلك الفرصة قبل رحيله، غير أنني كنت أواسي نفسي دائماً بأنني أرى عبدالرحمن السميط حياً في بوناصر!
ما زلت أتذكر بوناصر حين كان يحدثني عن بئر ماء تم حفرها ويريني فيديو لفرحة البسطاء بحصولهم على الماء، وكانت عيناه تلمعان وشعور السعادة يغمره كفرحة طفل صغير حصل على هدية العيد، وكان الاعتزاز بالقدرة على المساعدة ظاهراً في نبرة صوته، لا بطريقة من يمنّون على الناس، بل تعبيراً عن الشكر للخالق الذي وفقه لخدمة الآخرين.
المدهش في بوناصر أن تركيبته البيولوجية بدت وكأنها امتداد لروحه، ففصيلة دمه كانت O سالب، تلك الفصيلة النادرة التي لا يحملها إلا قلة من الناس والتي يسمى صاحبها بـ«المعطي العام» لأنه يستطيع أن يتبرع بدمه لكل إنسان مهما كانت فصيلته، لكنه حين يحتاج هو للدم لا يستطيع أن يأخذ إلا من القليلين الذين يحملون الفصيلة نفسها، لذلك فهو يعطي الجميع بلا حساب، ولا ينتظر المقابل إلا من مصدر واحد، وكأن جسده كان يكرر الدرس نفسه الذي علّمنا إياه بسلوكه اليومي.
هكذا هم العظماء الحقيقيون يا أصدقائي، لا تجدهم عادة في الصفوف الأولى ولا على المنصات ولا في قوائم المكرّمين، بل تجدهم في الظل يصنعون النور للآخرين، وفي الخفاء يرممون حياة أناس لن يعرفوا أسماءهم، وأمثال هؤلاء لا يرحلون أبداً، لأنهم يتركون خلفهم قلوباً كثيرة تعرف لمن تدعو حين ترفع يديها.
رحمك الله يا بوناصر رحمة واسعة، وجعل كل يتيم واسيت قلبه، وكل محتاج أعنته، شاهداً لك يوم لا ينفع مال ولا بنون، فقد كنت من تلك الفصيلة النادرة من البشر التي تشبه فصيلة دمك، تعطي الجميع بسخاء... ولا تطلب من أحد شيئاً!
2 فبراير ٢٠٢٦
نقلا عن جريدة القبس
واقرأ أيضًا:
براءة الأسئلة.... القاتلة! / حين يصبح الاعتذار... استفزازاً!
