مساء الخير
تحية للموقع وشكرا على المساعدة، أنا مُرهقة... أعمل منذ أن كنت في المدرسة. قبل أن أترك وظيفة، عليّ تجهيز وظيفة أخرى. لا أملك رفاهية أخذ قسط من الراحة. إذا تركتها قبل أن أبدأ أخرى، أشعر بالقلق والتوتر والفوضى. لديّ التزامات كثيرة: نفقاتي الخاصة، ونفقات إخوتي، ونفقات المنزل. أريد فقط الاسترخاء.
أريد فقط فرصة الالتحاق بالدورات التي لطالما رغبت في الالتحاق بها، دورات تُفيدني وتساعدني في العثور على وظيفة أفضل براتب أفضل، دورات تُريحني من هذا التوتر والصراع المستمرين. الوقت يمرّ سريعًا، وليس لديّ وقت لتطوير نفسي أو القيام بأي شيء لنفسي لأني أعمل باستمرار.
لا يوجد وقت للراحة أو القيام بأي شيء آخر. أنا مُرهقة جدًا... قبل أشهر، قررت ترك وظيفتي الحالية وحجزت دورة كنت أتوق إليها منذ زمن، لكنني خائفة... "خائفة" سأترك وظيفتي لأني لا أعرف كيف أدير أموري. أبحث عن وظيفة أخرى تمنحني بعض وقت الفراغ بدلًا من هذه الوظيفة التي أعمل فيها ١٣ أو ١٤ ساعة يوميًا على الأقل. أبحث منذ زمن ولم أجد شيئًا لائقًا، أعني شيئًا معقولًا.
أنا لستُ ظالمةً، أقسم!! أحتاج فقط إلى شيء يُغطي نفقاتي ويمنحني بعض وقت الفراغ. أشعر أنني سأبقى عالقةً في هذا المأزق إلى الأبد.
أبحث باستمرار عن وظيفة لأتمكن من تركها إلى أجل غير مسمى.
15/12/2025
رد المستشار
عزيزتي "فاطمة"،
أقدّر شجاعتك في التعبير عن هذا الكم من الإرهاق بوضوح وصدق. ما تصفينه ليس ضعفًا ولا مبالغة، بل حالة إجهاد مزمن ناتجة عن تحمّل مسؤوليات تفوق طاقة شخص واحد لفترة طويلة دون فواصل كافية للتعافي.
من منظور نفسي إكلينيكي، يمكننا فهم حالتك من عدة زوايا متداخلة:
أولًا: نمط العيش تحت الضغط المستمر
أنتِ تعيشين منذ سنوات في حالة «تشغيل دائم» Survival Mode، حيث يصبح العمل المتواصل ضرورة لا خيارًا، والراحة تُفسَّر داخليًا كخطر لا كحق. هذا النمط يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب مزمنة، لذلك يظهر القلق فور التفكير في التوقف، حتى لو كان التوقف منطقيًا ومطلوبًا. الخوف الذي تشعرين به ليس من ترك الوظيفة فقط، بل من فقدان الإحساس بالأمان والسيطرة.
ثانيًا: الخوف لا يعني أن قرارك خاطئ
من المهم أن تعلمي أن الخوف هنا طبيعي ومتوقَّع، وليس دليلًا على أنك غير قادرة على إدارة أمورك. كثير من الأشخاص يخلطون بين القلق كإشارة تحذير، والقلق كاستجابة نفسية متراكمة. في حالتك، القلق ناتج عن سنوات من تحمّل العبء وحدك، لا عن ضعف في كفاءتك أو تخطيطك.
ثالثًا: الإرهاق الذي تصفينه له ملامح احتراق نفسي Burnout
العمل 13–14 ساعة يوميًا مع مسؤوليات مالية وعائلية، دون وقت للنفس أو التطوير، يؤدي تدريجيًا إلى:
استنزاف نفسي وجسدي
شعور بالحبس أو العلوق
فقدان الأمل في التغيير رغم المحاولات
وهذه أعراض تحتاج إلى توقف مُنظَّم، لا إلى مزيد من الضغط على الذات.
رابعًا: ما تحتاجينه ليس قرارًا اندفاعيًا بل انتقالًا آمنًا
أنصحك بالتفكير في الأمر كـ مرحلة انتقالية مدروسة لا كقفزة في المجهول:
حددي حدًا أدنى واضحًا للنفقات الأساسية.
ضعي إطارًا زمنيًا واقعيًا (مثلاً 3–6 أشهر) للتعلّم أو البحث دون جلد للذات.
اسألي نفسك: هل يمكن تقليل الالتزامات مؤقتًا بدلًا من حملها كلها وحدك؟
أحيانًا لا يكون الحل في وظيفة مثالية، بل في وظيفة أقل استنزافًا مؤقتًا تتيح لك استعادة نفسك.
خامسًا: انتبهي لصوتك الداخلي القاسي
أنتِ تصفين نفسك بأنك «لستِ ظالمة»، وكأنكِ تحاكمين احتياجك للراحة. من حقك نفسيًا وإنسانيًا أن تحتاجي إلى وقت لنفسك. الراحة ليست رفاهية، بل شرط أساسي للاستمرار والصحة النفسية.
في الختام
أنتِ لستِ عالقة للأبد، لكنكِ مرهقة الآن، والإنهاك يجعل المستقبل يبدو مسدودًا. القرار الأفضل لن يولد من الخوف ولا من الإرهاق، بل من لحظة تنظيم وهدوء نسبي.
إن أمكن، أنصحك بجلسات دعم نفسي قصيرة تركّز على إدارة القلق واتخاذ القرار تحت الضغط، فهذا سيساعدك على رؤية الخيارات بوضوح أكبر دون أن تشعري بأنكِ وحدك في هذا الحمل.
أنتِ قوية، لكن حتى الأقوياء يحتاجون إلى استراحة مُنقذة، لا إلى مزيد من الصمود.
واقرئي أيضًا:
الاحتراق الوظيفي: أكره الناس، وأفقد شغفي
أسطورة الشغف في بلاد القشف!